مبادرة تعليق العمليات العسكرية توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة
بقلم : الدكتور
عبد العزيز الرنتيسي
لم يكن في تفكير حركة
المقاومة الإسلامية حماس و لا في حساباتها عندما أطلقت مبادرتها في تعليق العمليات
العسكرية أن تسمح للصهاينة بقتل أبنائنا في فلسطين ثم يكتفي شعبنا الفلسطيني من
جانبه بأن يبشّ في وجوه القتلة ، كما لم تكن المبادرة تعني أبداً أن تذبحنا
العصابات الصهيونية ثم تبقى بعد ذلك آمنة مطمئنة مستقرة لا يمسّها سوء ، و لا تعني
أبداً أن تواصل العصابات النازية - مع كامل اعتذاري للنازيين – عدوانها الغاشم عبر
بناء الجدار الذي يكرّس اغتصاب الصهاينة لفلسطين المحتلة عام 1948م ، و يضيّق
الخناق على شعبنا حتى في لقمة العيش عبر حرمانه من فلاحة أرضه ، و يعزل أهلنا في
الضفة الغربية في معتقل ضيق شبيه بمعتقل قطاع غزة ، و يفرق بين أبناء القرية
الواحدة بل و الأسرة الواحدة بطريقة لا تنتمي للإنسانية بصلة ، كما أن الشهر الأول
للمبادرة سجّل عشرات الخروقات من الجانب الصهيوني ، و لقد أريقت دماء اثني عشر
فلسطيني على يد القتلة بدم بارد ، كما اجتيحت مدن و قرى ، و دمِّرت بيوت و شرد
أهلها في العراء ، و لا زال الحصار قائماً يضرب طوقاً على المدن و القرى في الضفة
الغربية و قطاع غزة ، هذا و لم تتوقف الاعتقالات في معظم مدن و قرى الضفة الغربية
، كما قام الصهاينة بفرض حظر التجوّل على أكثر من موطن في الضفة الغربية ، أما على
صعيد المعتقلين الفلسطينيين فحدّث و لا حرج فبدلاً من أن تقوم عصابات القتل و
الإرهاب بالإفراج عنهم وفقاً للشروط التي وضعتها حماس نراهم يواصلون الاعتقال من
جانب و يعتدون على المعتقلين بأساليب قمعية أدّت إلى إصابة العشرات منهم في معتقل
عسقلان من جانب آخر ، ثم لا يفوتهم أن يقوموا بعملية تظاهرية إعلامية بالإعلان عن
استعدادهم للإفراج عن بعض المعتقلين الفلسطينيين 190 ممن شارفت محكوميتهم على
الانتهاء ، و 190 ممن وضعوا رهن الاعتقال الاحترازي لكي يتم الإفراج عنهم في
مناسبات سياسية يقدّمها الصهاينة على أنها مبادرات حسن نوايا بينما هي في حقيقة
الأمر تمثّل قمة سوء النوايا ، و من العجيب أن 160 من المفرج عنهم هم من الجنائيين
.
و لا أرى تفسيراً
لهذا التصرّف الأخرق من قبل الصهاينة إلا أنهم فهموا الخطوة التي اتخذتها حماس و
الفصائل الوطنية و الإسلامية المقاومة فهماً بعيداً كل البعد عن واقع الحال ، "فشارون"
مثلاً يتغابى في واشنطن فيقول إن الفصائل الفلسطينية لم تقبل بالهدنة إلا بسبب
الإجراءات الأمنية التي قامت بها حكومته ، مع أن "شارون" لا زال يذكر
أنه قد عبَّر بوضوح عن حالة الخوف و الإحباط التي يعيشها هو و كيانه الزائل بإذن
الله عندما استجدى الهدنة من الفصائل الفلسطينية بعد العملية الاستشهادية التي
زلزلت أركان القدس ، و فرضت على الصهاينة حظر التجوّل ، كما أن "شارون" يدرك
طبيعة هذا الشعب الفلسطيني المجاهد الذي تُردّد عجائزه بكلّ اعتزاز المثل القائل "الموت
و لا المذلة" ، فهذا الشعب لا يعرِف الخوف لأنه يدرك فضل الشهادة في سبيل
الله ، و لا يعرف الذل لأنه تشرّب معاني العزة و الكرامة ، و لكن لا غرابة أن يقوم
"شارون" بتضليل شعبه بهدف تحسين وضعه في الشارع الصهيوني بعد فشله
الذريع في توفير الأمن لشعبه كما وعدهم من قبل مراراً و تكراراً ، و لكن وعوده
ذهبت أدراج الرياح .
و إمعاناً في الهروب
من الالتزام بشروط المبادرة الفلسطينية ، و محاولة منهم تحويل الصراع من صراع
فلسطيني - صهيوني إلى صراع فلسطيني - فلسطيني أكّد الصهاينة رفضهم تسليم السلطة
الفلسطينية مدناً في الضفة الغربية حتى تعمل علي تفكيك فصائل المقاومة ، و هذا
شاؤول موفاز وزير الحرب الصهيوني يقول في تصريحات نقلها عنه راديو العدو الصهيوني :
«لن نسلّم السلطة مدناً أخرى حتى يتعامل الفلسطينيون مع "الإرهاب"» ، و
قد عمل الصهاينة في الوقت نفسه علي إعادة حصار مدينة بيت لحم بعد أيام من انسحاب
جيش الاحتلال منها ، و قد منعت قوات الاحتلال الصهيوني المواطنين الفلسطينيين من
دخولها أو الخروج منها ، و كثّفت من تدابيرها و إجراءاتها الأمنية علي كافة
مداخلها الرئيسية .
لقد بات من الواضح
تماماً أن العقلية الصهيونية لا تتغيّر أبداً ، فهي عقلية تقوم على الإرهاب و
العدوان ، و سيبقى الهدف الصهيوني كما هو متمثلاً في تصفية القضية الفلسطينية و
الوجود الفلسطيني ، و سيستمر العدو الصهيوني في استخدام أساليبه الإرهابية و على
رأسها الاغتيالات و المذابح الجماعية لتحقيق أهدافه الخبيثة ، و من هنا تأتي
تصرّفات هذا العدو وفق المخطّط الصهيوني الذي يرى الحلّ في إبادة الشعب الفلسطيني
، فبينما نرى أن المعركة بالنسبة للعدو الصهيوني هي معركة وجود ، نراها بالنسبة
لمن لا يدرك طبيعة هذا العدو و غرائزه الوحشية ليست إلا معركة حدود ، و من هنا فلن
يتوقّف العدو الصهيوني عن مواصلة عدوانه على شعبنا الفلسطيني ، و لن تمنعه
المبادرات التي يطلقها الجانب الفلسطيني عن مواصلة عدوانه ، كتلك المبادرة
المتمثلة بتعليق العمليات العسكرية من قبل الفصائل الفلسطينية ، كما لن تمنعه
المفاوضات مما يجعل خيار المقاومة خياراً وحيداً للجم هذا العدو و ردعه ، و سبيلاً
وحيداً لتحقيق الأهداف الوطنية المشروعة .
و إزاء هذا الوضوح في
الموقف الصهيوني العدواني و الذي لم يقِم وزناً للمبادرة الفصائلية دعت حركة حماس
في بيانٍ لها جميع الفصائل الفلسطينية لرفع حالة التأهب استعداداً لمواجهة جديدة و
ساخنة مع العدو الصهيوني ، مضيفة في بيانها أن صبرها تجاه الانتهاكات الصهيونية لن
يستمر طويلاً ، قائلة إن التزامها بمبادرتها التي أطلقتها إنما يعكس أخلاقها كحركة
إسلامية تحترم كلمتها ، و لا يعني ذلك ضعفاً أمام العدو الصهيوني الجبان ، مؤكّدة
أن التزامها بكلمتها لا يعني أبداً إلغاء حقها في الرد على خروقات العدو الصهيوني
، و هذا يعني أن مبادرة تعليق العمليات العسكرية توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة .