وقفوهم .. إنهم مسئولون
بقلم د. محمد زارع
كثر
الحديث هذه الأيام عن توريث الحكم في مصر .. وهي قضية بالغة الخطورة .. إذ أن ما
يجري إعداده الآن على قدم وساق .. والتمهيد له بكل قوة .. هو جعل الأجواء مناسبة
بما فيه الكفاية لأن يرث مبارك الإبن حكم مصر بعد وفاة مبارك الأب .. أو حتى قبل
وفاته حسب بعض السيناريوهات المقترحة ..
ولا
يخفى على أحد أن هذا الأمر مرفوض شكلا وموضوعا من قبل جميع المصريين .. لأن هذا
يعني استمرار الفساد والانهيار والفشل الذي غرقت فيه البلاد طيلة حكم مبارك الأب
مدة أخرى لا يعلم مداها إلا الله – فالأعمار بيد
الله وحده – وربما لو استقام الأمر كما يحلو لهم – يمتد الإرث ليشمل
أحفاد مبارك أيضا – وكأن المصريين أشبه بالعقار أو الجماد الأبكم الأصم تتناقله
الأيدي والأجيال بلا إرادة واختيار .. وكأن الأسرة الحاكمة اختصت بجينات الملك والسلطة
واقتصرت عليها ..فلا يجوز للآخرين أن ينازعوهم .. أو يرد على خاطرهم – ولو للحظة واحدة – التفكير في مثل
هذه الأمور المتعلقة بالحكم والسيطرة .. اللهم إلا من باب الإذعان والطاعة العمياء
لكل ما يتفتق عنه ذهن الطبقة الحاكمة .. وليس على السواد الأعظم من الشعب إلا أن
يرضخ مستكينا .. ولا يكف عن الحمد والثناء لأسياده من أهل الحكم .. ولو بات على
الطوى ..ولو تجرع كل كؤوس الحرمان والذل والهوان .. ولو قتلوا فيه مشاعر المروءة
والنخوة والكرامة .. وتنكروا لكل ثوابت الأمة وشرائعها .. ولو تحالفوا مع أعدائهم
.. وصادقوا أقذر اللصوص .. وهشوا وبشوا للسفاحين والأفاقين والجبناء ..
كل
هذا ينبغي ألا يثير حفيظة المحكومين أو حتى دهشتهم .. فالحكام دائما لديهم من
الحكمة ما لا يمكن أن يدركه الرعاع والغوغاء .. ولديهم من الأسرار والخفايا
والخبايا ما لا يبيحون به لأحد من هذه الجماهير الساذجة ..
هل
يستمر هذا النهج العقيم أكثر من ذلك ؟ .. وهل يخضع الشعب المصري لهذه الخطط التي
تحوله إلي مجرد تركة أو مطية يتسلم زمامها المفسدون جيلا بعد جيل ..؟ .. لا أظن أن
هذا سيتم .. وسيفصح الشعب عن حقيقته الأصيلة وعزيمته القوية .. وسيلفظ كل الخبث والشوائب
.. وكما عهده التاريخ دائما .. يصبر وبصبر .. لكته يزأر ويثور في الوقت المناسب ..
ويطهر صفوفه من الأدعياء والمغرضين .. ويقهر طغمة الظلم والفساد لا يثنيه عن ذلك
قوة الظالمين ولا بطش المفسدين .. والشعب المصري يدرك أنه لابد من قطع دابر هذه
السلسلة الفاسدة الآن قبل الدخول في دوامة التوريث وتوابعها الوخيمة .. ولا بد من
التصدي لهذا النظام اليوم بكل السبل .. لأن استمراره لا يعني سوى المزيد من الخراب
والأخطار التي تدهم الوطن يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة ..
لا
يمكن التعاطي مع هذه الانهيارات الرهيبة في كل مناحي الحياة .. ولا يمكن السكوت عل
هذه المساوئ الشاملة والمفاسد القاتلة ..
ولكني
نظرت إلي هذه القضية من زاوية أخرى .. إذ أن الحديث عن التوريث والإرث والميراث ..
لا بد أن يذكرنا ويذكر المعنيين أكثر بالموت .. فهما حدثان مرتبطان ومتلازمان ..
فلا توريث إلا بعد موت .. وإذا كانت هذه القضية مثارة ومنتشرة إلى هذا الحد ..
فكيف لا يفكر مبارك الأب في الموت .. وقد تجاوز عمره السابعة والسبعين أي أنه بلغ
من العمر أرذله .. وأصبح قاب قوسين أو أدنى .. رغم أن الأجل غيب محض علمه عند الله
.. ولكن الأقرب إلى العقل والمنطق والعرف .. أن الشيخوخة تذكرنا أكثر بدنو الأجل
.. ومن أطال الله في عمره فهو يعطيه فرصة عظيمة لأن يتوب .. ومنحة ثمينة كي يستعد
للقاء ربه .. أما الذي يضيع هذه الفرصة ويهدر هذه المنحة فهو داخل في قوله تعالى (
أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر .. وجاءكم النذير ؟ ) 38 سورة فاطر وقوله تعالى ( ومن نعمره ننكسه في الخلق ..
أفلا يعقلون ؟ ) 68 سورة يس
وقوله
تعالى ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث .. سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن
كيدي متين * ) 44 –
45 سورة القلم .. وقوله تعالى ( فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون
* يوم يخرجون من الأجداث سراعا .. كأنهم إلي نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم
ذلة .. ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) 42 –
44 سورة المعارج
ومع
هذا فباب النوبة مفتوح .. لم يغلق أبدا .. يستطيع أي إنسان أن يلجأ إلى الله ..
ويتوب إليه ما لم يغرغر .. وإن ملأ الأرض كلها جورا وظلما .. ِشريطة أن يرد
المظالم إلى أهلها والحقوق إلى أصحابها .. ورغم أن هذا صعب جدا لكنه ليس مستحيلا
.. على الأقل .. يستطيع أن يكف عن هذه الجرائم .. ويعزم عزما أكيدا على الإقلاع
عنها والندم على ما مضى .. ويصلح ما يستطيع من عمل الأيام أو الساعات أو اللحظات
المتبقية من عمره .. يستطيع إذا أراد أن يدعو جميع الوزراء والمحافظين وكبار
المسئولين إلى اجتماع فوري وطارئ .. وأن يصدر تعليماته الجديدة التي من شأنها
إعادة الأوضاع المقلوبة إلى مكانها الصحيح .. وأن يضع قواعد عامة مغايرة لما هو
متبع الآن ..
القاعدة
الأولى :
أن يكون الولاء كله لله ولرسوله وللمؤمنين .. ولا ولاء لأعداء الله من الكافرين
والمشركين .. ويترتب على ذلك أن تنطلق الجيوش فورا لتحرير فلسطين والعراق
وأفغانستان ودول الخليج ..وباقي الأماكن المحتلة من قبل الأمريكان والصهاينة ..
وأن يعلن عن فتح باب التطوع لجميع أفراد الشعب لنصرة هذه الشعوب المستضعفة .
القاعدة
الثالثة :
إلغاء جميع المعاهدات والاتفاقيات السابقة التي أبرمت مع الدول المعتدية على أي من
الشعوب العربية والإسلامية ..وإغلاق السفارات والقنصليات التابعة لهذه الدول .. وقطع
جميع العلاقات معها ..حتى تكف عن عدوانها .
القاعدة
الرابعة :إعداد
البلاد لحكم مبني على الشورى .. والانتخابات الحرة .. وإلغاء جميع القوانين
المقيدة للحريات مثل قانون الطوارئ .. والقوانين سيئة السمعة .. والإجراءات
الهمجية المعمول بها حاليا في أقسام الشرطة وأجهزة الأمن
القاعدة
الخامسة :
إعلان الحرب على الفساد والرشوة والمحسوبية والغش والاحتكار وكافة الأمراض والآفات
التي تعوق مسيرة التقدم .. وتعطل الإنتاج .. وإطلاق جميع الطاقات الكامنة وتشجيعها
لإعادة التنمية الحقيقية البعيدة عن التبعية .. وتحرير الاقتصاد من هيمنة الدول
المعادية .
وهكذا
.. يمكن أن تتوالى الإصلاحات في زمن قصير جدا .. دون الدخول في التفاصيل والجزئيات
.. فهي تابعة للقواعد الكلية والأسس العامة .. المهم أن تصدق النية وتتحقق الإرادة
.
وأتمنى
– إذا قدر لهذه المقالة أن ترى النور وما زال الرئيس مبارك يتمتع
بالحياة – أن تجد من يبث مضمونها وفحواها إليه .. لعل نور الهداية يتسلل إلى
قلبه .. وتصبح الأحلام واقعا والأماني حقيقة .. ويجنب البلاد والعباد عواقب الدمار
والهاوية التي تنحدر نحوها بسرعة .. والله المستعان .