الجدار.. مصادرة وتهويد واغتيال...؟!!
بقلم : نواف
الزرو
حسب مفاهيمهم
وادبياتهم التي تعمل بها الحركة والدولة الصهيونية فان »قضم الارض دونماً دونماً
قبل النقاش والتفاوض«، و»أن حدود اسرائيل لم تحدد ابداً بقرار حكومي. ولن تكون
نتاج لقاءات ومفاوضات بل أن الجدار هو الذي سيحددها«.
وحسب التجربة
التاريخية الصهيونية، فان »عقلية الجدار هي التي سادت وتواصلت منذ الهجرات
اليهودية الاولى الى فلسطين، حيث ان تسلل الفدائيين الفلسطينيين الى المستعمرات
اليهودية في القدس والنقب والجليل والوسط، ادى الى اقامة جدار لكل مستعمرة وقرية
ومدينة وهي السياسة التي عرفت بسياسة »السور والبرج«.
وسياسة الفصل وفق
الكاتب »حاييم هنغبي« كانت من اهم ركائز تأسيس الصهيونية، سواء على الصعيد
التشريعي او على الصعيد العملي، فهو يقول مثلاً: »انه منذ بداية الصراع قبل نحو
مئة عام، كانت لدينا - اي لدى اليهود - مئة سنة من الفصل احادي الجانب، فاحتلال
الارض واحتلال العمل كانت عملية فصل، كما ان المستعمرات والقرى التعاونية كانت
تعيش الفصل، وكذلك الاحزاب والهستدروت والوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي-
الكيرن كييمن - او حتى الدولة التي كانت على الطريق كانت قائمة كلها على الفصل،
وكذلك الحرب التأسيسية والدولة الناشئة، وعمليات التطهير العرقي، وايضاً الحكم
العسكري ومصادرات الاراضي والممتلكات، وكل ما تم تنفيذه داخل الخط الاخضر وايضاً
داخل المناطق التي احتلت في حزيران ،1967 كل شيء استند الى سياسة الفصل احادي
الجانب«.
وعلى ذلك، يمكن
التأكيد ان جدار الفصل احادي الجانب الذي تقيمه حكومة الاحتلال ما هو الا استمرار
للصراع الثنائي ولكن بوتيرة اكثر تكثيفاً، فنحن نرى المزيد من حملات المصادرات
والتهويد... والمزيد من الطرق الالتفافية... والمزيد من المستعمرات اليهودية.. والمزيد
من الاسلاك الشائكة..
يقول الدكتور مصطفى
البرغوثي سكرتير المبادرة الوطنية الفلسطينية: »ان جدار الفصل العنصري واستمرار
الأنشطة الاستيطانية بمثابة حكم بالاعدم على خريطة الطريق«.
فالجدار لا ليستهدف
فقط ضم وهضم وتهويد حوالي 55-60% من مجمل مساحة الضفة الغربية، وانما ستهدف ايضاً
وبالاساس تدمير واعدام مقومات الاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية واكثر من ذلك
يستهدف وضع الشعب الفلسطيني في »غيتو« تحاصره المستعمرات وقوات جيش الاحتلال من
الداخل ومن الخارج.
كتبت ياعيل موشيه
ديان في هذا الصدد في يديعوت احرونوت تقول: »اذا كانت عملية الفصل تعني انفصالاً
كاملاً، فان ذلك يعني عملياً انشاء غيتو فلسطيني، واذا كان الدافع وراء فكرة الفصل
الاعتبارات الامنية فقط، فان ذلك يعني فرض اغلاق دائم على الفلسطينيين، وهذا
استمرار للاحتلال بوسائل اشد عدائية وفتكاً«.
وتضيف ديان: »ان خطة
الفصل لا تصل حتى الى تطبيق فكرة الحكم الذاتي للفلسطينيين.. ولا اعرف فلسطينياً
على استعداد لقبول خطة الفصل التي تتعارض مع عملية السلام«.
وكان الباحث
الاسرائيلي ميرون بنفنستي الادق وصفاً للبعد الحقيقي لجدار الفصل، حيث كتب في
هآرتس موضحاً: »الفصل هو مجرد استراتيجية جاءت لاخراج غزة عن تل ابيب، غير أن
الخطة الرئيسية اكثر تعقيداً، وقائمة على الفصل المزدوج: اولاً الفصل الخارجي بين
ارض اسرائيل الانتدابية وبين الدول المجاورة، وثانياً الفصل الداخلي بين المواقع
الديموغرافية اليهودية والعربية داخل البلاد«.
وتحدث الدكتور هشام
شرابي عن جوهر جدار الفصل مؤكداً: »ان صيغة الفصل العنصرية هي البديل للتطهير
العرقي الذي يمنع خطر قيام الدولة الديموقراطية، وخطر تلوث الدولة اليهودية، ان
الفصل الذي يرمون اليه ليس فصلاً بين شعبين متساويين في الحقوق والمنزلة، وبين
دولة اسرائيل ودولة فلسطينية متساوية، بل بين دولة مهيمنة تتمتع بالسيادة الكاملة
على كافة ارض فلسطين، ودولة تابعة لا تتمتع بأية سيادة حقيقية«.
ليتبين لنا وفقاً
لذلك ولكم هائل من الوثائق والتعليقات المختلفة اننا عملياً امام خطة وجدار فصل
يشكل من جهة اولى تصعيداً حربياً قمعياً تنكيلياً تركيعياً ضد الشعب الفلسطيني،
ويشكل من جهة ثانية تصعيداً حربياً عنصرياً تطهيرياً يستهدف عزل الفلسطينيين في
اطار »معازلهم وبانتستوناتهم السكانية«. وفرض اكبر واوسع قدر من العقوبات الجماعية
ضدهم بغية اخضاعهم معنوياً وسياسياً، بينما يستهدف من جهة ثالثة الى تكريس مضامين
المشروع الصهيوني بالهيمنة على اكبر مساحة ممكنة من الارض الفلسطينية وتهويدها،
الى جانب فصل وعزل الشعب الفلسطيني وتقطيع اوصاله في اطار »كانتونات« تبقى
مفاتيحها مرهونة بيد دولة وقوات الاحتلال، وصولاً بذلك من جهة رابعة الى اعدام
مقومات بناء الدولة الفلسطينية.
لعل من اخطر ما قد
يترتب على هكذا خطة وخريطة للتسوية هو محاولة فرض الاجندة السياسية الاسرائيلية
على الفلسطينيين وبالتالي اذا كان الرئيس بوش قد اعتبر »جدار الفصل« مشكلة في
الوقت الذي كان يمنح فيه »الشرعية« الكاملة لشارون في حربه على الفلسطينيين، واذا
كان باول قد صرح »بأن الجدار قد ينسف خريطة الطريق«، فان الحقيقة الكبيرة
والاستراتيجية ابعد واخطر من ذلك، فهذا الجدار يجسد عملياً جوهر »عقلية الجدار« و»السور
والبرج« الصهيونية، وان كانت الترجمة العملية للجدار الصهيوني سابقاً تعني احاطة
المستعمرات اليهودية بـ »السور والبرج« لعزلها وحمايتها من المقاومة العربية، فان
الجدار الصهيوني اخذ اليوم بعداً معاكساً، مضمونه تسييج الشعب الفلسطيني في اقفاص
منعزلة عن بعضها ومحاصرته وقمعه ومحاولة اخضاعه.
فقصة الجدار اذن هي
استراتيجية وليست امنية صرفة، والجدار هو الخلاصة المكثفة للعقلية والفكر
الصهيونيين، وهو في الوقت نفسه اغتيال صريح وسافر ليس لخريطة الطريق فقط، وانما
لكافة خرائط التسوية السياسية المحتملة...؟!!
وكل ذلك يجري ليس فقط
بغطاء ودعم الادارة الامريكية، وانما وهذا الاشد حزناً في ظل تمسك وتهافت العرب على
الخريطة والتسوية...؟!!