تجلت ازدواجية المعايير في السياسة الأميركية
أكثر ما تجلت في العلاقة المتوترة مع المملكة العربية السعودية منذ أحداث 11 أيلول
2001.
ففي حين يُبدي الرئيس الأميركي جورج دبليو
بوش ووزير خارجيته كولن باول مرونة في التعاطي مع هذه القضية لدى استقباله
المسؤولين السعوديين، ظهر ملف الكونغرس الذي يُدين السعودية بالهجمات التي شُنّت
على <<مبنى التجارة العالمي>> والبنتاغون بحجة وجود
<<دلائل>> تشير إلى تورّط عمر البيّومي وباسنان اللذين حُقق معهما في
الولايات المتحدة وبريطانيا، ثمّ سرعان ما أفرج عنهما لعدم إثبات ضلوعهما في تلك
الأحداث.
غير أن إثارة الملف في هذا التوقيت بالذات
تطرح أكثر من علامة استفهام حول الإصرار على زجّ السعودية في أحداث 11 أيلول
الإرهابية، رغم أن المملكة قطعت أشواطاً حثيثة في مكافحة ظاهرة بن لادن وإلقاء
القبض على عدد كبير من أفراد <<القاعدة>> داخل السعودية، ناهيك
بالإجراءات التي اتخذتها لتخفيف الاحتقان الداخلي على السياسة الأميركية عندما
شرعت منذ ثلاثة شهور <<بتأهيل>> ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف إمام لتلطيف
لهجتهم أثناء خطب الجمعة في المساجد. أضف إلى ذلك عمليات التحقق من المساعدات التي
يعطيها محسنون سعوديون لجمعيات خيرية إسلامية تحت عنوان <<الزكاة>>
و<<الصدقات>> وهي عادة درج عليها المؤمنون انسجاماً مع تعاليمهم
الدينية.
فماذا تريد الإدارة الأميركية أكثر من ذلك؟
لعلّ الطرح الأميركي الأخير، وهو أشبه
بالتعجيزي، هو معاودة المطالبة بتسليم الشاهدين البيومي وباسنان تحت ذريعة استكمال
التحقق من المعلومات، مما يُرتب على المملكة أن تسلّم مواطنين سعوديين لم تثبت
عليهما أية تهمة بدليل الإفراج عنهما، وهو أمرٌ مخالف للقوانين الدولية المرعية
الإجراء في التعامل بين الدول.
من الواضح أنّ السعودية ليست في هذا الوارد،
كما أعلن سفيرها في لندن الأمير تركي الفيصل، بل هي مستعدّة لاستقبال المحققين
الأميركيين على أرض المملكة وبحضور محققين سعوديين.
فهل تنتهي المسألة وفق المراعاة القانونية
الدولية لوضع هذين السعوديين، أم أن الإدارة الأميركية سوف تصرّ، تحت ضغط صقور
الكونغرس والبنتاغون، على تسليمهما إلى السلطات الأميركية؟ وهنا تنشأ مشكلة لا
سابق لها في العلاقات الدبلوماسية المتردّية أصلاً بين واشنطن والرياض.
من المؤكد أن زيارة وزير الخارجية السعودي
الأمير سعود الفيصل إلى البيت الأبيض تندرج في هذا السياق الذي يبحث عن مخرج
للمأزق الذي طرحه اللغط الصحافي الواسع حول ملابسات تورّط المخابرات السعودية في
أحداث 11 أيلول 2001، وهو ما لم يثبت بأي شكل.
غير أنّ ما يثير الدهشة أنّ واقع المسؤولين
السعوديين هو التجاوب المتلاحق مع المطالب الأميركية من غير أن يبدر أي طي لحديث
علاقة السعوديين الخمسة عشر في العمليات الانتحارية التي استهدفت نيويورك وواشنطن.
ويبدو أنّ مطالبة أهالي ضحايا تلك العمليات
بتعويضات تقارب ألف مليار دولار من الحكومة السعودية، هي جزء من عملية ابتزاز
انتخابي في مرحلة الولوج إلى الحملات الانتخابية الرئاسية في مطلع هذا الشتاء.