الذعر والفشل

 

 

 

بقلم :رسمي حمزة

 

الذعر والفشل هو المصطلح الذي يوصف به حال القوات والادارة الامريكية ـ البريطانية في العراق الآن. انهم يهيمون الآن علي وجوههم في مختلف ارجاء العراق بدون هدف واضح او خطة محددة. في الأمس وصل الامر بما تسمي نفسها بالمقاومة العراقية الي خطف دورية امريكية مع مدرعتهما، الأمر الذي اصاب القادة الامريكيين بالجنون الذي اصيب به البريطانيون من قبل عندما قتل ستة جنود واصيب ثمانية آخرين بجروح خطيرة في عملية عسكرية جريئة في البصرة تركت توني بلير يعيش اسوأ ايامه وآخرها في السلطة.

المقاومة العراقية بدأت تظهر علي حقيقتها، انها منظمة وواسعة وجريئة، تشمل كل المدن العراقية وتمتد الي الصحراء، وتدمر خطوط النفط لتحرم الامريكيين من اي عائد قد يساعدهم علي تسيير الامور. لقد حاول الامريكيون اخفاء ان هنالك مقاومة واستمروا بنعتها فردية تقوم بها زمرة النظام السابق، الي ان ظهر كل شيء واصبح خداع الاعلام امرا مستحيلا. يوميا هنالك قتلي من جنود الاحتلال البريطاني ـ الامريكي، وهناك معدات عسكرية من طائرات ومدرعات وناقلات جنود تدمر بصواريخ وقذائف آر بي جي.

الامور اصبحت واضحة، والاحتلال في أزمة ادارة خانقة. لقد خطط البنتاغون للحرب علي العراق واقصاء النظام، نجح في الثانية نظريا، وفي الاولي عمليا، لكنه فشل في التخطيط لما بعد ذلك وهو الجزء الأهم: ادارة الاحتلال، والذي يشكل عدم النجاح فيه الفشل الحقيقي لمجمل العملية العسكرية، بل اكثر من ذلك، هزيمة نكراء ولكنها مؤجلة. توماس فريدمان، الكاتب الامريكي المعروف في جريدة نيويورك تايمز ، يدعو في مقالته يوم 26 حزيران (يونيو) بكل وقاحة الي انه يتوجب علينا (اي هم الامريكيين) ان نتعلم من ذلك الخلل في حروبنا القادمة!! ويقصد بذلك خلل التخطيط السيء من قبل البنتاغون لادارة الاحتلال ما بعد الحرب. بدأ صوت الاسئلة يعلو في الولايات المتحدة حول هذا الفشل المتتالي في ادارة الاحتلال في العراق، وخاصة مع ارتفاع اعداد النعوش العائدة الي امريكا. الرئيس بوش اعلن انتهاء العمليات العسكرية في العراق، في اشارة الي النصر، لكن الحقيقة غير ذلك، فالحرب بدأت للتو فقط، ولعل ما كنا نسمعه من النظام العراقي السابق من انه سيجر القوات الامريكية الي مستنقع ستتمني الخروج منه لاحقا بدأ يتحقق الآن. لقد دمرت الحرب البنية التحتية للدولة العراقية، وجاء الاحتلال ليجد نفسه في وضع غير قادر علي اعادة الخدمات الاساسية البسيطة الي العاصمة بغداد، وهو الأمر الذي صدم العالم والمراقبين حيث ان اقوي دولة في العالم عسكريا غير قادرة علي ابسط الاعمال الخدماتية المدنية، انه امر هز صورة امريكا التي جاءت بالجنرال المتقاعد غارنر كحاكم للعراق، وظهر انه لم يفعل شيئا سوي الاشراف علي عمليات السلب والنهب والتدمير لكل المؤسسات الحكومية العراقية، وعلي مبدأ رامسفيلد، فقليل من النهب كفشة خلق للعراقيين لا بأس به. وغادر غارنر ليأتي بريمر الدبلوماسي الانيق ليصبح حاكما عسكريا لعاصمة الرشيد، وأول الاشياء التي فعلها لكسب محبة العراقيين ان سرح 400 الف جندي عراقي يتقاضي الواحد منهم ما لايزيد عن خمسة دولارات في الشهر!

لا تعرف الولايات المتحدة والرئيس بوش وجنرالاته الي اين تسير الامور في العراق، فالامور خاضعة للتجربة والخطأ. اما النتيجة فهي مزيد من العوز والقتل والجوع والقهر للعراقيين، ومزيد من التورط الامريكي في مستنقع بغداد.

ان الذعر كلمة بسيطة للحالة التي يعيشها الجندي البريطاني والامريكي، وشبح فيتنام الذي شاهده في افلام رامبو تعود لتسيطر عليه في الحقيقة وبدون مؤثرات. وصف احد الجنود هذا الخوف عندما قال: لا اعرف متي اضغط علي الزناد فجأة عندما اعتقد ان هنالك من يهددني وهو في الحقيقة ليس كذلك، الأمور تسوء فجأة وتخرج عن السيطرة .

لا يبدو ان الامور تسير نحو الافضل مطلقا، فمنذ بداية الاحتلال لم يتحسن شيء، لم تعد الحياة في اي جزء منها الي طبيعتها في بغداد. سياسيا لم يتحقق اي تطور علي صعيد تشكيل حكومة مؤقتة، والمعارضة التي عادت علي الطائرات العسكرية الامريكية، اصبحت عبئ علي ادارة الاحتلال، فليس لها ادني قبول او رصيد شعبي، وهي بنظر الشعب العراقي عميلة. والذين ملأوا الفراغ الاجتماعي والسياسي هم رجال الدين من شيعة وسنة، فهم من ساهموا بسلطتهم الدينية التي يخضع لها غالبية الشعب العراقي، في وقت عمليات السلب والنهب والقتل في الشوارع وتصفية الحسابات، وهم الآن الذين وجدت امريكا نفسها في ورطة مع سلطتهم ونفوذهم، وخشيتها ان هي فكرت في اجراء اي شكل من اشكال الديمقراطية ستكون النتيجة مضمونة لصالح التيار الديني، وعندها ستظهر الديمقراطية الامريكية علي حقيقتها، ولذلك ارتفع الصوت عاليا لدي المخططين في الولايات المتحدة للسرعة في انشاء وتفصيل حكومة علمانية، ولكن الورطة الامريكية كبيرة، فهي بعيدة عن مرحلة تشكيل دائرة خدماتية صغيرة تتولي اعادة الكهرباء الي بيوت العراقيين ليتمكنوا من سماع بياناتهم الاحتلالية.

الايام القادمة تحمل الكثير من المفاجآت في العراق، والانتخابات الامريكية علي ابواب جورج بوش، وفشل الاحتلال لا يحتمل فاتورته الامريكيون، وذعر جنود الاحتلال يكتوي بناره العراقيون، وبالنتيجة الامور تسير نحو الأسوأ.