الـعـــار

 

 

 

بقلم :د. حسين علي شعبان

 

لا يمكن للمرء العاقل أن يجد تعبيراً أدق من كلمة العار ليصف ما أقدمت عليه إدارة جورج بوش يومي 22 و25 تموز (يوليو) 2003 من جريمة مزدوجة أذهلت الشعب الامريكي وجميع أصحاب الضمير في العالم. يتجسد العار في الوقائع التالية:

أولاً: صباح 22 تموز (يوليو) حشدت قيادة القوات الامريكية في مدينة الموصل العراقية وبعد تلقيها الاوامر من وزير الدفاع رامسفيلد ما لا يقل عن 400 رجل من الفرقة 101 المحمولة جواً ووحدات النخبة المدعمة بطائرات مقاتلة ومروحيات الاباتشي وأحدث المدرعات والاليات العسكرية حول البيت حيث يقيم عدي وقصي صدام حسين وشخصين آخرين أحدهما الطفل مصطفي الذي لم يتجاوز الرابعة عشر من عمر. قتل الغزاة الامريكيون الرجال الاربعة بطريقة غاية في البربرية بعد أن أحرقوا البيت الذي يقيمون فيه.

ثانياً: في 24 تموز (يوليو) نشرت القوات الغازية في بغداد، مصحوباً بتطبيل اعلامي اداره وأشرف عليه دونالد رامسفيلد شخصياً، صور عدي وقصي وهم قتلي. في اليوم التالي 25 تموز (يوليو) قامت قيادة قوات الاحتلال بنقل الصحافيين الي خيمة نصبت خصيصاً في مطار بغداد لإطلاع الصحافيين علي جثتي عدي وقصي، ثم سمحت لوكالات الاعلام بتصوير الجثتين مع شروحات و محاضرات تفصيلة مدعمة بأحدث التقنيات للتأكيد أن الجثتين تعودان لأبناء الرئيس العراقي. المفارقة الغريبة أن الغزاة منعوا يوم 22 تموز (يوليو) الصحافيين ووسائل الاعلام من دخول ساحة المعركة أي البيت حيث قتل عدي وقصي ومن معهما ونقل وقائعها بشكل مباشر.

ثالثاً: التبرير الرسمي الذي تشدق به دون خجل كل من دونالد رامسفيلد، كولن باول وأوركسترا الشر في إدارة جورج بوش، مفاده أن إدارة البيت الابيض هدفت الي اقناع العراقيين أنهم احرار وأن الرئيس صدام حسين لم يعد يشكل خطراً عليهم بعد أن قتل ولداه. ولكن منذ متي تأبه إدارة بوش لرأي الشعب العراقي، حيث تؤكد الوقائع البديهيات التالية:

1 ـ رفضت إدارة بوش مناشدات شعوب العالم أجمع وهيئات المجتمع الدولي، بدءاً من مجلس الامن الذي رفض منحها وحليفها توني بلير قراراً للحرب وصولاً الي شعوب العالم قاطبة والاوروبية منها علي وجه التحديد. خلال شباط (فبراير) 2003 خرجت التظاهرات في معظم العواصم الاوروبية وبملايين البشر رفضاً للحرب علي العراق.

2 ـ أكدت الوقائع زيف إدعاءات إدارة بوش بشأن استقبال الشعب العراقي للقوات الغازية. وتحولت الورود وأقواس النصر التي مني بها بوش نفسه وقواته الي حديد ونار يدق أعناقهم ويفتت آلياتهم. لم يستسلم مواطنو أي قرية أو مدينة عراقية وكان الذهول عاماً عندما سلمت عاصمة الرشيد دون قتال.

3 ـ ثبت أن الحرية التي وعد بوش ورامسفيلد العراقيين بها ليست الا تضليلاً باطلاً. لقد عاثت القوات الامريكية في كافة الاماكن حيث وصلت أقدامها فساداً وتخريبا وتدميراً منظماً. نهبت البنوك، المتاحف، الجامعات، مراكز البحث العلمي، الاقتصاد الوطني وأحرقت الوزارات ومؤسسات الدولة حتي المستشفيات والمساجد لم تنج من عبث الغوغاء تحت نظر وسمع وتشجيع القوات الامريكية.

4 ـ استباحت قوات التحرير الامريكية دماء، أعراض، حرمات، وممتلكات الشعب العراقي وفقراءه علي وجه التحديد. وفي الوقت الذي كان الشعب العراقي يكظم معاناته تحت وطأة البطالة وانعدام مقومات الحياة من ماء وكهرباء وأمن، كانت القوات الغازية تتمتع برغد الحياة في القصور الرئاسية وتضع الخطط لنهب ثرواته وقتل أبنائه.

5 ـ المقاومة العراقية اشتد عودها بسرعة قياسية تحولت خلالها شوارع بغداد، الفلوجة، الرمادي، تكريت والموصل وكل شبر من أرض العراق الي مقبرة لجيش التحرير .

لماذا أقدمت إدارة بوش علي جريمتها هذه المتمثلة بالقتل عن سبق إصرار ثم التمثيل بجثث الضحايا، أليس هذا الفعل ينافي القيم الانسانية والشرائع السماوية والوضعية؟ ألم تقم إدارة الرئيس بوش وبلير الدنيا واتهمتا العرب والمسلمين بالوحشية والتخلف وخرق القوانيين الدولية عندما بثت وسائل الاعلام صور قتلي وأسري بريطانيين وامريكيين خلال الايام الاولي للحرب علي العراق؟

ما أقدمت عليه إدارة بوش وبأوامر مباشر من رامسفيلد ودهاقنة البنتاغون والبيت الابيض سببه التالي:

ـ الرغبة في رفع المعنويات المنهارة للجنود الامريكيين في العراق بعد أن دخلت المقاومة بعداً من التنظيم والقوة دفعت الجنود الامريكيين أنفسهم وعائلاتهم للمطالبة بالعودة الي ديارهم وكال الكثير منهم الشتائم لشخص رامسفيلد واتهموا الجيش الامريكي بالكذب عليهم.

ـ فشل الادارة الامريكية ومن معها في العثور علي أسلحة الدمار الشامل العراقية. وانقلبت وعود وعهود بوش وبلير في الاثبات للعالم أن العراق يمتلك اسلحة دمار شامل بعد ان ثبت أن الادارتين فبركتا عن سبق اصرار وتصور التقارير لإقناع شعبهما بالحرب. لقد ثبت أن الحكومة العراقية والرئيس صدام حسين كانوا صادقين لناحية خلو بلدهم من برامج وأسلحة الدمار الشامل وهذا ما اكدته اللجان الدولية المختصة.

ـ فشل الجيش الامريكي وبعد انقضاء ما يقارب أربعة أشهر علي احتلاله العراق في تأمين مقومات الحياة البديهية للشعب العراقي والعكس تماماً صحيح حيث اقتنع والعراقيون والعرب اجمعين أن إدارة بوش وجيش رامسفيلد لا يجيدان الا التدمير القتل والنهب.

ـ رفض حكومات الاتحاد الاوروبي أو الحكومات ذات الوزن والمصداقية الـــدولية الزج بــــقواتها في العــراق لإنقاذ الجيش الامريكي، خاصة وأن تجربة أفغانستان ماثلة لهؤلاء جميعاً.

و لكن هل حققت جريمة العار الامريكية أهدافها؟ العكس تماماً صحيح، إذ كان بمقدور القوات الامريكية الكثيرة العدد والعدة محاصرة وأسر ثلاثة رجال وطفل هذا إضافة الي تجنب ترويع عشرات العائلات في الجوار. لكن يبدو أن حالة الرعب التي تعيشها القوات الامريكية هي التي دفعتها لإنها العملية بهذه الطريقة.

إذا صحت إدعاءات البنتاغون وجنرالاته في أن المعركة كانت قاسية واستغرقت ست ساعات، فهذا يعني أن ثلاثة رجال عراقيين تصدوا بكفاءة وشجاعة لأربعمائة جندي وضابط من خيرة الجيش الامريكي يفوقونهم عدة وعتاداً. وإذا صدقت الادعاءات القائلة أن الطفل مصطفي قصي حسين قد قاوم ببسالة فهذا يعني أن هذا الطفل البريء هو سليل عائلة عربية عريقة وسيكون استشهاده نموذجاً ومحفزاً لجميع العراقيين والفلسطينيين والعرب لمقاومة الاحتلال.

لقد دحض الاستبسال البطولي والمشرف لقصي وعدي ومصطفي ومن كان معهم جميع الاباطيل والاكاذيب التي روجتها إدارة بوش عن الجيش العراقي وحكاية الجندي الامريكي الذي لا يقتل الا بنيران صديقة. لقد دحض استشهاد عدي وقصي كل الأباطيل والاضاليل والسموم التي تبثها فضائيات عربية تعتمد أقاويل خدم انقلبوا علي أسيادهم.

لقد قضي أبناء الرئيس صدام حسين وحفيده كما الرجال الرجال، في حين سربل العار بوش ورامسفيلد وجنرالاتهم، هذا العار الذي لن يكون محوه سهلاً من التاريخ الامريكي، اما مجد اهل العراق فكتب بدم أبنائه والاطفال في الطليعة.