اين الخطأ العربي في هذا الزمن الطارئ؟

 

 

 

بقلم :مطاع صفدي

 

كيف يمكن للوعي العربي ان يشرع مجددا في التعرف الي ذاته وهو واقع تحت اهوال النكبات المتلاحقة. فلقد تعايش هذا الوعي مع ايقاع الانتكاب منذ بدايات تفتحه. وكان عليه سريعا ان يعثر علي الوصفات الجاهزة، وان يبتكر التحليلات المتيسرة حتي لا يظل أسيراً لمداهمة الاحداث ودون قدرة علي الاحاطة بها. كان هذا الوعي مسكونا ولا شك برغبة التحرر من ظروف الواقع السياسي. اذ كان من الاسهل عليه دائماً تحديد الهدف المادي المباشر، من الغوص علي العوامل الأخري الاعمق غير المنظورة والمتعلقة اساسا بأسئلة الوعي عن طبيعته، وحول عدته في الشغل، او ما يسمي بمناهج الرؤية والتحليل. فالاصطدام بالواقع المضاد كان يفرض علي الجيل المتحرك ابتكار أهون السبل المتاحة لاعداد المواجهة. ولذلك سادت حرفة اصطناع الشعارات المختزلة علي هموم التفكير الهادئ والمسلح بأدواته المعرفية والنقدية غير المستهلكة. لا شك ان تحييد التحليل المعرفي من حياتنا السياسية سواء لدي الحاكم او المحكوم ترك للصدف الكارثية ان تلعب دور الفاعل الأول في توجيه خطوط الصراع وقيادة عوامله. ما اسرع قانون الاستعارة في جلب الشعارات وتركيبها علي الساريات كأعلام لا تلبث الرياح ان تمزق نسيجها الهش. هنالك عالم كامل من الأوهام قادرة ليس علي حجب الوقائع، ولكن علي محوها من سجل العالم المحيط الحقيقي. فالنظر دائماً الي الوقائع من خروم الأدلجة ونوافذها الضيقة لم يتح للمثقف او السياسي او المسؤول الحكومي رؤية اي موضوع خطير بحسب وساعته وعمقه. مثلما كبل المثقف فكره بالشعارات كذلك سيطرت علي الحاكم رغبة واحدة مستبدة وهي الحفاظ علي سلطانه. وبين الاثنين لم يكن ثمة ما يجمع بينهما سوي انهما يشتغلان معا خارج الموضوع المطلوب.

هكذا لم يصادف العربي حريته ذات مرة عبر هذا الطريق الطويل مما يسمي بالكفاح الوطني او القومي. فالجيل كان باستمرار مستعدا للتنازل عنها قبل ان يعرفها او يقاربها في حياة افراده اليومية. كان يتنازل عنها مرة الي (الأمة)، واخري الي (الطليعة) او الطبقة، ومرة اخيرة للحزب وحده، وصولا في النهاية الي تسليمها كليا الي السلطة. فيغدو الحاكم وحده هو الحر في مجتمع اشبه بالقطيع.

لم يأت علي المجتمع العربي الموصوف بالناهض ظرف موضوعي او انساني يفترض قيام شيء اسمه مؤسسة الحرية، باعتبارها هي ام المؤسسات المدنية والسياسية الاخري كلها. فالعبور من مجتمع السديم الرعوي شبه الابتدائي الي المجتمع القائم علي تقسيم العمل لم يسجل فرصة نادرة لرؤية الحرية وهي تكلل هام الفرد قبل الجماعة، وتدعو للانسان قبل الحزب، وتبحث عن تجلياتها في ابسط تفاصيل الحياة اليومية للجماعة قبل ان تأسرها الكليشهات الشمولية.

كانت الحرية في وعي الجيل مؤجلة في موعدها الي ما بعد جميع المواعيد القومية الاخري، ما بعد الوحدة. ما بعد الاشتراكية، ما بعد التنمية الخ. كأنما كانت فلسفة (الكفاح) تعارض مبدئيا ترف الحرية. ذلك ان عقيدة التضحية بالذات ينبغي ان تأتي في اعلي سلم القيم، حتي عندما ينقلب سلم القيم هذا رأسا علي عقب، واذا بهذه العقيدة تنقلب الي التضحية بالجميع من اجل قيام عبادة الذات وحدها، سواء لدي الحاكم او المحكوم. فالمجتمع المهزوم في آماله الكبري يتحول الي بؤر من الانانيات المغلقة ضد بعضها، متصارعة علي المصالح المشروعة وغير المشروعة، ذلك هو السبب الحقيقي في تفشي ظاهرة الفساد ومن رأس الهرم الي قاعدته الاوسع، بل ان الفاسدين الكبار هم النماذج العليا العلنية التي تشرعن قانون الفساد لممارسة الجميع، والانخراط في فنونه ومهاراته غير المحدودة.

ان تأصيل الحرية عقائديا مهد السبيل الي تأجيل عالم القيم الانسانية معها كذلك، فيهون القمع علي المواطن الذي قبل بقمع حريته اولا تمشيا مع حركة الانقياد العام لما كانت تقيد مفاهيم القيادة (الثورية).

ينبغي الاقرار انه لم يكن ابدا لدي الجيل في باكورة تحركه السياسي، ثمة قلق من اجل التنمية البشرية وكان انشغاله بالهموم العامة كما يتصورها يغنيه عن الالتفات الي المهمة الاصعب وهي تنمية الشخصية الانسانية لدي الفرد المكبل منذ القديم بمواصفات الفرد القروسطي. ما اقام طبقة كتيمة بين افكاره (التقدمية) ووقائع تصرفه اليومي، فالادلجة المسيطرة تعتاش من نفوذ العمومية التي يختبيء وراءها عادة سلوك الافراد، اذ يظل الادعاء بالانتماء الي الكل وسيلة ناجحة في التهرب من مسؤوليات الافعال وقد اصبح هذا التهرب حرفة ذكية للحاكم كما للمحكوم، فيكاد الجميع يعاني هذا التناقض الصارخ بين القيم المعلقة في الفراغ فوق الرؤوس وبين ما تصنع الايدي من كوارث التغيير المحبط تحت مختلف عناوينه المتداولة.

ما يقال دائما عن فشل السلطة العربية عبر تجارب الاستقلال المنهارة، لا يعفي من القول كذلك عن فشل المجتمعات المحكومة من قبل هذه السلطة، في تدبر امورها العائدة الي ارادتها الذاتية. صحيح ان النموذج الشمولي الذي استوردته السلطة العربية عن مثيله الستاليني السوفييتي كان يشرعن القمع العام (عقائديا) الا ان الجيل الاول الحامل لاعباء التغيير كان يتصور انه يمتلك كل الحجج الموضوعية التي تدفعه الي التطوع التلقائي في معركة التعمية التامة علي مكامن الاخطاء والاخطار، وفي الوقت الذي تتقوي فيه دواعي التعبئة النقدية ضد العدو الخارجي كالاستعمار والصهيونية، والداخل كالرجعية العربية كما كانت تسمي في ايامها، كان النقد الموجه نحو الذات وتجاربها الفردية والعامة ممنوعا والمنع يمارسه المواطن (التقدمي) ضد عقله، قبل ان يهبط عليه من مستوياته السلطوية والحزبية.

ان سفسطة الخوف من الموت وممن يخيف، وذلك تحت عناوين اللغة (النضالية)، كانت تقف بالمرصاد ضد ثقافة النقد الموصوف بالذاتي. رغم انه كان متداولا في الادبيات الثورية، لكنه لا يوضع موضع التنفيذ غالبا الا تمهيدا لاسقاط فصيل قائد او حاكم، واحلال بديل عنه يأخذ بذات وسائله تحت شعارات لفظية اخري. هكذا تتساقط الثوريات في الدوغمائيات المسوغة لاحادية الحزب وعقيدته، وكأنها واقعة في خط دفاعاتها الاخيرة ضد خطر الموت، كل سلطة تخاف من موتها المحتوم، ولذلك فهي محكومة بالتشبث باسباب بقائها واستمرارها بقدر ما تدفع شبح الموت عن ذاتها نحو كل آخر مريب ولا تلقي عدوها الا في كل من يعترض عليها، فتتهمه مقدما بمنافستها علي مواقعها، اي انه يمتلك امكانية تهديدها بالموت، لا جسر علي الهوة النهائية بين واحدية السلطة وتعددية المجموع الشعبي في مواجهتها، والتعارض بينهما جدي، لا يمكن تجاوزه الا باختفاء احد القطبين، لكن الشعوب لا تختفي ولا تزول، وانما هي السلطات عينها المحكومة بالتداول رغما عن ارادتها، والتداول في بلادنا هو العنف الجديد الذي يزيل العنف القديم. هكذا ترعي ثقافة الموت ما يسمي بتاريخ الثورات التي تصير الي مسلسل انقلابات عقيمة الا من الدم المراق واللحم المحروق، حتي الحرب الواقعة من طرف عدو خارجي، فانها تمارس عدوانها كما لو كانت كذلك انقلابا عسكريا فعليا.

مثلما لا يسأل (العدو) الخارجي عن كل مسببات الكارثة المستديمة، كذلك لا تسأل وحدها السلطة المتيبسة والملتصقة برأس الهرم وعنقه، من قبل ان يحاسب شعب القاعدة نفسه عن نصيبه من المساهمة في اعداد برنامج الكارثة والمشاركة، غير المباشرة بالاقل، في ايقاد حريقها، بما هي مشاركة الحطب كوقود بخس لنارها، فالزمن الكارثي يحيل كل فعلائه الي مجرد ضحايا له، بمن فيهم العنصر الغالب نفسه.

من يقول ان امريكا كسبت العراق ثمنا لعدوانها البربري، وهل كسبت اسرائيل لبنان عندما اجتاحت عاصمته بيروت قبل واحد وعشرين عاما ام ان بريطانيا وفرنسا واسرائيل هل ربح عدوانها الثلاثي مصر عندما اجتاحت السويس عام 1956، لكن الزمن الكارثي لا يتوقف علي الغزاة وحدهم، وانما يطالب المدحورين كذلك بتكاليف اندحارهم، فأين الخطأ اذن في كل هذا انه بكلمة واحدة ليس في توزيع الاتهامات او الادانات بقدر ما هو في استحالة المحاكمة ذاتها تحت وطأة الزمن الكارثي، اذ يغدو الخطأ هو اعلي السلطات، متحكما في مختلف الادوار المنظورة او المستورة، فالفخ الامريكي الذي اسقط بغداد بالامس هو عينه الذي سيسقط الاحتلال اليوم وغدا، في مآزق استحالة الحلين: البقاء او الانسحاب، لا نجاة لامريكا من الزمن الكارثي الذي فرضته علي انسانية الألفية الثالثة.

بالمقابل، كل مجتمع عربي آخر مرشح لاستلاب حريته كمجموع بعد ان استلبها القمع الوطني منه كافراد وفئات ومؤسسات، والمسألة هي ان مشكلة الحرية ليست عربية بل عالمية، كذلك فان عدوها الأول الذي هو الفساد المتحالف مع السلطة يكاد يطيح بالدولة الحديثة كما المتخلفة، بما هي مؤسسة الشرعية الموضوعية الأولي، فان حفنة من تجار الدين والصهيونية والسلاح والنفط ركبوا فيل الدولة العظمي في هذا العصر واختطفوا قيادتها ليمارسوا بواسطتها سرقة العالم بدءا من شعوبه الاضعف وصولا الي بقية افياله الكبري الاخري.

الزمن الكارثي عالمي الشمول والانتظار، كل دولة تنتظر ساعتها، ذلك هو معني الفوضي الشمولية التي لن تفيد الا وحوش الغاب الاكثر شراسة، لكن من المفترض مع ذلك ان كل حضارة ينبغي ان تواجه توقيتها الكارثي بطريقتها الخاصة، اما حضارتنا العربية المعاصرة، فهي الاقل انتظارا لاسئلة الاندثار قبل حلول اوانه، بالرغم من كونها الساحة الأولي المفضلة لأفظع مصارع العصر، وقد تكون طروحات ا لاصلاح السياسي، سواء بيد الغازي الاجنبي او المغتصب الاهلي، او بيد المصلح الشعبي الحقيقي الموعود وغير المولود بعد، قد تكون عبارة عن حركة اعادة تدوير لسلطة الخطأ عينها، وقد امست لها تسميات مستحدثة ، حاملة لاجنحة صواب ملتبس علي اهله بدئيا، وهابط من لا مكان علي بقع من صحاري العقم الأزلي.

مع ذلك يمكن تغيير صيغة الصيحة: اين الخطأ؟ الي صيغة، من اين نبدأ؟ فهي قولة اليفة ومألوفة في ادبيات منعطفاتنا الهالكة والمستهلكة، لكنها تلك القولة التي تتحدي اكبر عقولنا عبثا! فمن هو المتنبي الجديد الذي يرتكب المخاطرة الأصعب ليقف امام الحشود ويمد بيده صائحا: من هنا الطريق، ومع ان رمال عواصف الصحراء المتوالية قد مسحت معالم الطرق كلها، فانه لا يزال هناك من يعتقد بالبشارة المعهودة: انا اشق لكم الطريق ولا اعبده (بتشديد الباء)، ولكم انتم ان تكتشفوا هندسته، وتحسنوا بعد تعبيده، ان وسعكم الامر يوما ما.