أكذوبة أمن "إسرائيل" وقصة جدار الخوف!
بقلم: إبراهيم
الصياد
تظل المسألة الأمنية
هاجساً يؤرق أي حكومة إسرائيلية وليس سراً القول: إن موافقة حكومة بيغن على مبادرة
الرئيس السادات عام 1978 ليس جنوحاً أو حباً للسلام مع العرب إنما لاستغلال هذا
المتغير لضمان الأمن الذي يحلم به الإسرائيليون منذ إنشاء الكيان الصهيوني عام 1948
ولا يختلف شارون عن بيغن في شيء سوى أنه حاول أن يطرح مفهوم الأمن الإسرائيلي من
خلال استخدام أدوات السلطة المتاحة في ممارسة العنف مع العلم أن بيغن نفسه مارس
العنف في شبابه على أوسع نطاق من خلال المنظمات اليهودية الإرهابية مثل شتيرن
والهاجاناة والارغون.
ولكن شارون احترف
العنف والإرهاب سواء كان في السلطة أو خارجها وأتقن اللعبة عندما تسلم مقاليد
الحكم، وفي تقديري أن السلام في مرجعية شارون هو أمن الإسرائيليين بالدرجة الأولى.
أما الحديث عن إقامة دوله فلسطينية أو عودة اللاجئين أو مستقبل القدس وغيرها من
القضايا الحيوية بالنسبة للشعب الفلسطيني لاتهمه بالقدر الذي يجعل الفلسطينيين لا
يثقون في إمكانية تحقيق تسوية سياسية حقيقية إلا إذا تغيرت العقلية الصهيونية
العنصرية الحاكمة للقرار الإسرائيلي وهو أمر لا يمكن الجزم بأنه في الإمكان إنجازه
لرغبة هذا الطرف أو ذاك في أنه يريد سلاماً على نحو ما.
إن أسباب الصراع العربي الإسرائيلي مازالت
متجذرة رغم التفاعلات السياسية التي شابت هذا الصراع في الربع قرن الأخير وأحد أهم
الجوانب الصراعية في العلاقات العربية الإسرائيلية عقدة الخوف المسيطرة على
الإسرائيليين التي هي جزء من ميراث تاريخي للغيتو الصهيوني الذي يجسد اللؤم
والخداع والشعور بالاضطهاد وهي خصال متوارثه وموجودة في أدبيات الفكر الصهيوني أو
ما يعرف بالصهيونية السياسية.
وفي تصوري أن عملية إنشاء جدار عازل يفصل بين
فلسطين المحتلة والأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية يذكرنا بتقاليد الغيتو اليهودي
في أوروبا وبحواري اليهود في دول الشرق الأوسط في القرنين الأخيرين وهو في ذات
الوقت نوع من ممارسة التفرقة العنصرية التي تشبه إلى حد كبير سياسة الفصل العنصري
أو الابارتيد التي كانت مطبقة في جنوب أفريقيا في شكل معازل تفرق بين المستوطنين الأوروبيين
والزنوج.
والسؤال البديهي... هل
إنشاء جدار على غرار سور برلين الشهيرـ المنهار ـ يمكن أن يشكل حاجزاً أمنيا يحمي
الإسرائيليين؟!
أعتقد أن هذا هو الهدف الذي قرر من أجله شارون
بناء الجدار وفي ذات الوقت يحقق تكريساً للعنصرية الصهيونية. بعبارة أخرى شارون
أراد أن يصطاد عصفورين بحجر واحد ولكنه يخطأ إذا اعتقد أن إرادة الشعب الفلسطيني
يمكن أن تضعف أمام هذا الجدار الأمني والعنصري خاصة أن هناك جداراً آخر أخفق شارون
في أن يقيم جداره الجديد على أنقاضه وهو جدار الخوف الذي يلوذ به الإسرائيليون عند
وقوع أي عملية فدائية في عقر دارهم والمتمثل في الكراهية والحقد على العرب عموماً
والفلسطينيين خصوصاً.
وهكذا يمكن القول إن
لجوء "إسرائيل" إلى بناء الجدار ينطلق من أسباب تمس البناء النفسي
الداخلي للشخصية الإسرائيلية التي تربت في ظل نظرية الغيتو اليهودي. وفي تصوري أن
شارون حاول أن يستغل هذه النقطة لصالح سياساته الإرهابية والتي يعتبر الجدار
نموذجاً عملياً لها.
ولكن السؤال هل هذا
يتفق مع تعهدات واشنطن بالضغط على "إسرائيل" لتطبيق خطة السلام بين
الفلسطينيين والإسرائيليين المعروفة بخريطة الطريق؟ وما فائدة زيارة الطرفين
مؤخراً للإدارة الأميركية؟
كل ما يمكن قوله إن عملية التسوية في مأزق حقيقي
نتيجة التعسف الإسرائيلي ويبدو أن الطريق إلى السلام غير ممهد بعد وأن خريطته
مازالت غير واضحة المعالم حتى الآن ولا يمكن أن يضمن شارون أمن الإسرائيليين في ظل
هذه الأجواء الملبدة بالغيوم مهما علا جداره فجدار الخوف مازال موجوداً!