يستهينون بذكاء العرب

 

 

 

بقلم : جميل مطر

 

لا مبالغة في القول إن زيارة محمود عباس إلى واشنطن خلّفت انطباعات مشوشة لدى الرأي العام العربي. لم يحدث في لقاء محمود عباس بالرئيس بوش أو في المؤتمر الصحافي الذي عقد بعده ما يدفع الرأي العام إلى الاطمئنان على مستقبل الحقوق الفلسطينية. لم يحدث شيء يطمئن باستثناء ربتة على كتف محمود عباس وقُبل متبادلة مع وزير الخارجية كولن باول.

 

من سوء حظ مبادرة خريطة الطريق، أو أي مبادرة أخرى تتقدم بها الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا العظمى في هذا الوقت بالتحديد، أن الكثيرين لن يصدقوها، إذ تعاني السياستان الخارجيتان لكل من لندن وواشنطن من نقص شديد في المصداقية. فقد تكررت ممارسات ومواقف وتصريحات في العاصمتين البريطانية والأمريكية غلب عليها المبالغة والتهويل إن لم يكن الكذب المطلق والمتعمد وبخاصة في موضوع تعبئة الرأي العام الدولي لحرب تشنها الدولتان ضد العراق. لقد سمعت من أكثر من مسؤول عربي ومن عدد كبير من صانعي الرأي تشكيكاً أكثر من المعتاد في حقيقة النوايا الأمريكية تجاه الحقوق الفلسطينية وبخاصة بعد زيارة أبو مازن لواشنطن وعلى ضوء مقارنة تصريحات الطرفين الفلسطيني و”الإسرائيلي” بعد الزيارتين.

 

قال لي مسؤول كبير من دولة احتفظت بنوع من الصداقة والعلاقات الطيبة مع الولايات المتحدة لمدة طويلة، إنه يشعر هو ورؤساؤه بأن بعض المسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية دأب في الآونة الأخيرة على الاستهانة بذكاء السياسيين والمسؤولين في العواصم العربية. يكفي -حسب قوله- أن نستمع إلى الرئيس جورج بوش وهو يؤكد بتكرار لم يعد مملاً بقدر ما هو دافع للغضب ما معناه أن الأولوية عنده وعند "إسرائيل" هي القضاء على كل أشكال المقاومة الفلسطينية كشرط أول يسبق تنفيذ أي التزام "إسرائيلي" بخصوص حقوق الشعب الفلسطيني أو عودة الحياة الطبيعية إلى قراه وشوارعه ومدنه، وإعادة الأراضي المنهوبة والمنزوعة سواء تلك التي سرقها الإسرائيليون بعد 67 أو على امتداد مرحلة عمليات ومبادرات السلام.

 

لقد كان سجل السلام ومازال، نكداً ونكبة بالنسبة للفلسطينيين، ففي كل العهود التي سبقت وأعقبت مؤتمر مدريد حتى يومنا هذا نهبته "إسرائيل" فمعظم ما نهبته في ظل مباحثات سلام، وآخر ما نهبته تلك الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بحجة بناء الجدار الواقي لـ"إسرائيل"، والذي في حقيقته جدار عازل للفلسطينيين. شعر كثير من الرسميين وعديد من الإعلاميين العرب بأن الرئيس بوش يستهين بذكاء كافة العرب ابتداء من رجل الشارع مروراً بصانعي الرأي وانتهاء بالطبقات السياسية الحاكمة. وقد اعترف كثير من هؤلاء بأنهم وجدوا صعوبة شديدة في صياغة خطاب إعلامي يبرر هذا الموقف الأمريكي من المقاومة الفلسطينية. كان أسهل عليهم لو استمر التهديد الأمريكي مقروناً أو مرتبطاً بإصرار بعض الفلسطينيين على استخدام درجة عليا من العنف كالمقاومة الانتحارية، إذ كانوا بالفعل قد تمكنوا من صنع موقف سياسي عربي مستنداً إلى بعض الفتاوى الدينية المسيسة التي قضت باستنكار العمليات الاستشهادية أو كما يسمونها في "إسرائيل" والغرب وعدد متزايد من العواصم العربية بالانتحارية. وبالفعل صدرت تعليمات في عدد كبير من العواصم العربية إلى أجهزة الإعلام بعدم استخدام كلمة استشهادية وبالدعوة إلى نبذ العنف ضد المدنيين الإسرائيليين. تطالب الولايات المتحدة الآن المسؤولين العرب على أعلى مستوى بأن يقوموا بصياغة خطاب عربي جديد يدعو إلى وقف كل أعمال المقاومة العنيفة وغير العنيفة ضد "إسرائيل"، بمعنى آخر نزع كل أسنان الشعب الفلسطيني وبمعنى ثالث الإعلان المبطن بانتهاء وتصفية القضية الفلسطينية، إذ إن شعباً من دون حد أدنى من القوة في مواجهة الاحتلال والاستيطان ونزع الأراضي والتعذيب والاعتقال هو شعب على طريق الزوال. مثله مثل شعوب أخرى في الأمريكتين وخاصة في الولايات المتحدة والأرجنتين وتشيلي تعرضت على امتداد قرون لعذابات مماثلة وإبادات على أيدي المستوطنين الأوروبيين.

 

وتمتد سياسات الاستهانة بذكاء العرب إلى القضية العراقية، إذ إنه حين يطلب الأمريكيون والبريطانيون وتضغط غيرهم من الدول على الحكومات العربية لتسهم في إرسال قوات حفظ سلام في العراق فهم يطلبون في الحقيقة مساهمة قوات لحماية القوات الأمريكية والبريطانية والإسبانية والبولندية في العراق. هذا في حد ذاته استهانة بذكاء العرب، ففي ظل الظروف التي نعيش فيها الآن وتعيش فيها العراق يصعب تصور أن يستقبل العراقيون أي قوات عربية بالدفء اللازم أو بدرجة مناسبة من الترحيب والقبول. أقل ما يمكن أن يقال من جانب الشعب العراقي، إنه إذا كان لابد من حفظ النظام في العراق فلتعمل قوات التحالف بهمة أكبر ونيّات أحسن لبناء قوة شرطة داخلية وجيش عراقي لحفظ النظام بدلاً من استدعاء قوات من كافة أنحاء العالم لتصطف في مواجهة الشعب العراقي، فلا ينصب غضبه على الأمريكيين والبريطانيين وحدهم.

 

في ظل هذه الظروف لا أظن أن الحكومات العربية ستقبل بترحيب ورضاء إرسال قوات عربية إلى العراق. لأنها إن فعلت فسيكون تحت الضغط الرهيب الذي تتعرض له من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. حينئذ قد تطلب هذه الحكومات، إن استطاعت، أن تكون قواتها بعيدة كل البعد عن المدن وعن نقاط التوتر وأن تخصص لها مناطق نائية على الحدود. وأتوقع في الوقت نفسه أن تضطر الدول التي سترسل هذه القوات إلى العراق أن تتخذ من الإجراءات الأمنية في الداخل ما يمنع من انفجار غضب رجل الشارع العادي الذي يصعب عليه أن يرى قواته تذهب إلى العراق لتقتل عراقيين دفاعاً عن أمريكيين.

 

ولا يخفي بعض المعلقين العرب قلقهم من المبادرات الأمريكية التي تكررت في الآونة الأخيرة تحت عنوان مناطق تجارية حرة على مستوى إقليمي. هؤلاء يفسرون هذه المبادرات على أنها تهديد مباشر للدول العربية التي تتمنع أو تعرقل مسيرة التطبيع مع "إسرائيل". ففي العرض الأمريكي اقتراح لا يمكن رفضه. إن الدولة التي تريد التعاون الاقتصادي مع أمريكا عليها أن تعرف أن هذا التعاون سيتم عن طريق الشريك الإسرائيلي. مرة أخرى يحاول الأمريكيون بطرق التفافية وبأساليب ضغط صارت مألوفة لإجبار العرب على الاندماج الاقتصادي مع "إسرائيل" قبل أن تتخذ "إسرائيل" إجراء من جانبها يؤكد أنها مستعدة أن تعيش في المنطقة كدولة مثل باقي الدول وليس دولة فوق كل الدول.

 

ولا يغيب عن الذهن هذا التركيز السياسي أحياناً والإعلامي في أغلب الأحيان على تذكير الحكومات العربية بأنها لم تقم حتى الآن بتنفيذ ما تعهدت به في موضوع إقامة علاقات مع "إسرائيل"، وتغيير مناهج التعليم بالسرعة الواجبة، وفرض الرقابة المشددة على كافة الصحف وغيرها من أجهزة الإعلام التي تنتقد السياسة الأمريكية بين الحين والآخر. يقول المسؤولون العرب إن الولايات المتحدة لا تقبل في تبريرهم تقاعسهم في تنفيذ ما تعهدوا به أنه يعود إلى أن هناك قوى شعبية وحزبية وسياسية ضاغطة ضد اتخاذ قرارات حاسمة وعاجلة في هذا الشأن أو ذاك. سمعت أحدهم، يقول لقد رد علينا مسؤول أمريكي بأنكم لن تكونوا أكثر ديمقراطية من حكومة شارون التي تفاوض عدوها الفلسطيني متحدية إرادة المعارضة الأكثر يمينية في "إسرائيل"، ولن تكونوا أكثر ديمقراطية من حكومة العمال في بريطانيا التي شنت حرباً على العراق متحدية إرادة المعارضة البريطانية، ولن تكونوا أكثر ديمقراطية من حكومة إسبانيا التي وقفت إلى صف أمريكا متحدية رغبات الشعب الإسباني. إن معظم الحكومات الديمقراطية التي أيدت الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد العراق والتي وافقت على إرسال قوات إلى العراق مثل اليابان فعلت هذا ضد إرادة الأغلبية العظمى في الرأي العام التي تعارض مثل هذا الإجراء أو ذلك. وختم المسؤول الكبير كلامه بالقول، إنهم يستهينون بذكائنا، هم يحرضوننا على المعارضة في بلادنا، ثم يحرضون المعارضة في بلادنا علينا، ثم يتشدقون بالديمقراطية ويحاولون فرض نموذج معين. وهم أخيراً وليس آخراً، يطلبون منا أن نتخذ قرارات خطيرة دون مراعاة مشاعر شعوبنا والأغلبية العظمى الرافضة للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.