معركتنا الأساسية ضد الهجمة الصليبية و ليست ضد شيخ الأزهر

 

 

 

بقلم : عامر عبد المنعم

amerabdelmoneim@hotmail.com

amermoneim@islamway.net

 

التصريحات التي أدلي بها الدكتور سيد طنطاوي شيخ الأزهر حول حق فرنسا في تحريم حجاب المسلمات  فضحت الانهيار الكامل للدور المصري علي كل المستويات . فحتي منصب مشيخة الأزهر تحول الي مجرد وظيفة حكومية تسير وفق  الخط السياسي للحكم الحالي الذي أخرج مصر من التاريخ.

لا يمكن فصل الصدمة من تصريحات شيخ الأزهر عن مسلسل التدمير المنظم لمصر خلال العقدين الأخيرين . فالرئيس مبارك استطاع شغل كل المناصب القيادية في مصر بأشخاص لا تتوافر فيهم الكفاءة ، و ليس لديهم الاستعداد لتحمل الأمانة بالوجه الذي يرضي الله .

من يتابع تصريحات شيخ الأزهر يدرك أنه غير أهل لتولي هذا المنصب .انه يتعامل بعقلية الموظف الذي يرضي رؤسائه و رؤساء رؤسائه. و قد سبق و أن أقر بذلك في حوار مع مجلة مصرية . و من الغريب أنه فتح أبوابه لحاخامات اليهود و وزراء الدول الغربية و يقابلهم بكل سماحة بينما هو نار علي شيوخ الأزهر الذين انتقدوه فشرد بعضهم و طارد آخرين في ساحات المحاكم و استصدر أحكاما بحبس بعضهم في غل و عداوة غير مسبوقة لرجل دين . و من أخطر ما قام به أنه حارب جبهة علماء الأزهر التي كانت بداية لتجمع حقيقي للعلماء في مواجهة الحملة المعادية للدين في مصر .

 

  الذين اختاروه أجرموا في حق الاسلام . فالأزهر هو مؤسسة العلم الشرعي و له هيبة في العالم كله . و هو أكبر مؤسسة دينية لها امتداد في كل الكرة الأرضية . اذ  يتخرج منه الأئمة الذين ينشرون العلم الشرعي في معظم الدول الاسلامية و غير الاسلامية .

و هيبة و مكانة هذه المؤسسة كانت تقتضي أن يقودها عالم رباني يحفظ هيبة الاسلام ، و يقدم الفتوي لوجه الله و ليس لوجه مبارك و لوجه شيراك .

 

 نحن أمام شبكة من الوزراء و المسؤلين الذين لا يخافون الله و ليس لديهم أي وازع ديني أو وطني . هذه الشبكة تم تكوينها خلال العقدين الأخيرين  لاعانة حكومة الرئيس مبارك في حربه الملعونة التي خاضها و يخوضها ضد المظاهر و القيم الدينية والتيارات الاسلامية و ضد  المساجد و العلماء و الدعاة تحت شعار "مكافحة الارهاب " .لو تفحصنا قليلا سنجد أن الرئيس مبارك أحاط نفسه بوزراء دمروا مصر كل منهم في مجاله . وزراء لم يتركوا شيئا إلا و خربوه . و الرباط الذي يجمع هذه التشكيلة هو ارضاء أمريكا و اسرائيل و التصدي للصحوة الاسلامية .

 

المشكلة ليست في فتوي باطلة لهذا الشيخ الذي طالما أفتي بما يناقض الاسلام ، و طالما قال الرأي و نقيضه . المشكلة في أن الآخرين الذين يعرفون الحق التزموا الصمت تجاه الكثير من الممارسات المنافية للاسلام جبنا و ايثارا للسلامة . فتجرأ أنصار الشيطان في مصر و باتوا الاعلي صوتا و الأكثر تنظيما .

نعم كان أخواننا المسلمون في فرنسا ينتظرون من الأزهر أن يكون في صفهم لكنهم لم يعلموا أننا وصلنا الي هذا الدرك الأسفل بكل هذه السرعة .

 

المشكلة أن علماء الأزهر اعتادوا الصمت و لم يبلغوا رسالات ربهم و لم يقولوا كلمة الحق للرئيس مبارك منذ كشف عن انحيازه لأمريكا و اسرائيل و ضد ربه و أمته . و لم يقفوا ضد الحكومة عندما مكنت الملاحدة من مؤسسات الدولة الثقافية . و لم يقولوا الحق عندما فتحت السجون لعشرات الالاف من الشباب الاسلامي . و لم يقولوا للرئيس ان تعذيب المصريين حتي الموت في السجون و أقسام الشرطة  حرام . لقد صمت علماء الأزهر أمام الدولة عندما  حاربت عباد الرحمن و احتفت بالشواذ و عبدة الشيطان . صمت هؤلاء العلماء عندما طارد شيخ الأزهر بعض الاساتذة الذين وقفوا ضده و لم يؤدوا واجب النصرة لإخوة لهم .

إن ايثار علماء الأزهر الصمت فتح الطريق أمام الرافضين للاسلام في بلادنا فرأينا من يسب الله تعالي علانية في أرض الكنانة بأموال دافعي الضرائب و رأينا من يعبد الشيطان بعد 14 قرنا من دخول الاسلام مصر .

 

 و هذا الغضب تجاه شيخ الأزهر  لأنه أصدر فتوي مجاملة لفرنسا لم يحدث مثله عندما أصدر وزير التعليم المصري في بداية التسعينات قرارا مشابها بحظر الحجاب في المدارس .

 

***

 

 أن البطش و القمع الذي حدث في عهد مبارك حول مصر الي دولة يحكمها الخوف و يسودها الطغيان . فلا قانون و لا قضاء إلا علي الشعب " الغلبان " بينما اللصوص لا يحاكمون و المفسدون لا يلاحقون .

هذا وزير الزراعة الذي تسند اليه عدة مناصب متهم بقتل الشعب المصري . و أدلة الادانة تنشرها كل الصحف و لا يوجد قضاء قادر علي محاكمته . طوابير المصريين المرضي ضجت بهم المستشفيات ، و المستوصفات الطبية التي انتشرت في كل شارع لا تكفي لمواجهة ملايين المرضي بالأمراض الفتاكة التي تسبب فيها هذا الوزير الذي أفسد الزراعة و سلم اسرائيل غذاء الشعب المصري ليدمروه بالمبيدات المسرطنة و الهندسة الوراثية و البذور المعالجة بالسموم . هذا الوزير الذي يستحق اقامة حد الحرابة عليه ليكون عبرة لغيره .هو الذي يحبس الصحفيين . و لكي نتيقن أننا الان أمام عصابات تحكم مصر فان هذا الوزير يرفض المثول أمام القضاء في قضية منظورة بأمر قاض المفروض أن تنفذ الدولة قراره .

 

***

 

لكن و مع كل هذا يجب أن ننتبه الي أن المعركة الحقيقية ليست ضد شيخ الأزهر . معركتنا الأساسية ضد الهجمة الغربية الصليبية التي تهدف الي تجريد المسلمين من دينهم . سواء هناك في بلاد الغرب أو هنا في بلادنا .

و اذا كان قمع الاسلام في بلادنا رغم ضراوته لم يوقف موجات العودة الي التدين ، فان بداية الحرب علي المسلمين في الغرب ان لم يتم التصدي لها سنشهد أندلس أخري .

و أخطر ما نشاهده تجاه الحرب الصليبية الدائرة هو ارتباك طليعة المسلمين من نخبة و علماء و حركات و مثقفين .و عدم وضوح الرؤية لدي البعض ،وسط تضليل منظم من طابور يعمل مع العدو يرتدي مسوحا اسلامية - أحيانا -  يشغلنا تارة بشعارات زائفة مثل " تجديد خطابنا الديني " و تحسين صورة الاسلام " و " الحوار مع الاخر" و التصدي لفكر المؤامرة " و غير ذلك من الشعارات الكاذبة المضللة .

نحن الان في حرب ضارية و ليس مجرد مؤامرة ( تحاك في السر) أو سوء فهم أو اساءة عرض الاسلام منا . رحي الحرب دائرة و لا تفرق بين لون أو جنس طالما نحن مسلمون . و لا يجب أن يكون جهاد كل منا منفصل عن الآخر و التركيز علي قضية دون الأخري . فاحتلال العراق لا ينفصل عن تحريم الحجاب ، و تغيير المناهج  لا ينفصل عن تهويد الاعلام العربي  و السيطرة السياسية للطابور الخامس علي السلطات في بلادنا و اختطاف دولنا من رؤسها .

نعم الأمة في حالة ضعف أمام هذا الاجتياح  الرهيب لكن  ليس أمامنا غير الصمود . من لا يستطيع أن يواجه و يتقدم عليه أن يسكت و يلتزم الصمت و لا يقدم أي تنازل و لا يهاجم المسلمين الأخرين ليواري عجزه . الصمود و الثبات هو المطلوب .

ضعفنا و عدم القدرة علي المواجهة لا تعني التفريط في حقوقنا .

 

***

 

 نحن أمام هجمة صليبية حقيقية . لا فرق فيها بين أمريكا و اوربا . أهدافهم واحدة لكنهم يختلفون في الاسلوب . الأمريكيون يريدون اجتياحنا و اقتلاعنا من ديننا بالقوة و الحرب بينما يري الأوربيون أن تحقيق ذلك يمكن دون اراقة دماء  .

راهن البعض متوهما علي الدور الفرنسي و الالماني في مواجهة أمريكا و رأينا دراسات و تحليلات عن الدور الأوربي الصاعد (!!) و بني البعض نظريات علي هذا الوهم. فكان الهجوم علي الحجاب في فرنسا و ليس في أمريكا .  و أيد شرودر فرض الحجاب علي العاملين في الدولة و ليس فقط في المدارس . .

نحن الان نواجه دورا أوربيا أخطر مما تفعله أمريكا .لأنه أكثر ذكاء و أنجح تحقيقا للهجوم الصليبي الجديد . فهم يسعون أيضا لتجريد الدول العربية من أسلحتها مثل أمريكا و لكن بدون حرب ( ليبيا و ايران نموذجا )  .

ان المعركة  ضد الحجاب الذي هو فريضة اسلامية تنسف كل ما يقال عن حوار الأديان و حقوق الأقليات و التعايش بين الحضارات , و التقارب بين شمال و جنوب المتوسط .

لكن و مع كل هذا فان الحرب علي الاسلام بهذا الوضوح لها ايجابيات ربما تغيب وسط هذا الجدل المستعر هنا و هناك .

 

1-  ازمة الحجاب في فرنسا أفادت الحجاب و ليس العكس . فما قام به الرئيس الفرنسي كان أكبر دعاية للحجاب في فرنسا و خارج فرنسا . فقد تقدم العلماء و فتحت لهم أبواب الاعلام ليزيحوا الشبهات عن هذه الفريضة التي حاول البعض التقليل من قيمتها و فرضيتها . بل ان البلاد الاسلامية شهدت جدلا واسعا يصب كله تجاه الترويج للحجاب و ليس العكس.

2-  هذا الموقف أيقظ المسلمين الذين يعيشون في الغرب بأنهم مستهدفون و انهم يتعرضون لنوع من الاذلال و القهر و التدخل في خصوصياتهم ، دون باقي الديانات و هذا يدفعهم الي الاعتصام أكثر بالاسلام و التمسك بدينهم و تقوية الروابط بينهم .

3-  أيقظ هذا الموضوع المسلمين في باقي البلاد الغربية اذ  شعر كل منهم أن الدور عليه . و اليوم يحارب الحجاب في فرنسا و غدا في أمريكا . و اليوم الحجاب و غدا الصلاة وبعدها سلسلة ممتدة لرد المسلمين عن دينهم . و لهذا وجدنا التحركات في عواصم العالم حيث وصلت الرسالة و أصبحت هذه الشعوب علي قلب رجل واحد .

4-  فضح هذا الموضوع التعصب الغربي تجاه الاسلام الذي طالما أخفاه ليبشر بحضارته و بالتالي انكشف الذين يبشرون بالحضارة الغربية من بني جلدتنا . و سقط كل أولئك الذين احترفوا السفر الي أوربا بزعم التقريب بين الأديان و لم يعد أمامهم أي مساحة للاقناع .

5 - يصب هذا الموضوع في اثارة حمية المسلمين و ايقاظ روح الاسلام في صدورهم و تأكيد شعورهم بأن الحرب علي الاسلام شاملة و لن تقف عند اسقاط صدام و تدمير أفغانستان .

6 – تنوع الهجوم علي الاسلام يقنع من لا زالوا لم يستوعبوا خطورة الهجمة بالانضمام الي صفوف حركة المقاومة الاسلامية العالمية التي بدأت تتصاعد تجاه أمريكا و حلفائها .

 

رب ضارة نافعة ، و كلما زاد طغيان أعداء الامة كلما كان ذلك حافزا لرد المسلمين الي دينهم الذي ما ضاعوا و تاهوا إلا عندما تركوه و جعلوه وراء ظهورهم .