خذلتنا كعادتك .. يا شيخ الأزهر

 

 

 

 بقلم : د. أحمد نور الدين

 

لم يكن غريباً أن تتوالى ردود أفعال الرأي العام العالمي بالشجب والاستنكار لقرار الحكومة الفرنسية الظالم بمنع الحجاب على الفتيات المسـلمات في المدارس والهيئات الحـكومية. فقد رأت فيه تعدياً صـارخاً على أبسـط حقوق الإنسان من البلد الذي طالما تشدق باحترامها وبالغ في جعل بلده مسـرحاً لكل أزياء العالم الغريبة منها والشاذة..

وقد شـاركت الشـعوب الأوربية بالمظاهرات في أكثر من بلد للمطالبة باحترام الحريات، ورَفَضَ الأســاقفة

والحاخامات هذا القرار الجائر وعلى رأسهم رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليكانية !!

أما عن أزهرنا وشيخنا الفاضل محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر فيبدو أنه صارت لديه عادة تلقائية أو لازمة من لوازم المهنة ألا يعترض أو يعارض أو حتى يبدي رأيه وبالأخص في كل ما يأتي من قبل الحكومة والحكام أياً كانت هذه الحكومات !!

ففي مقابلة فضيلته لوزير الداخلية الفرنسي أعطى سيادته كامل الحق للحكومة الفرنسية في إصدار قرارها الجائر الذي أوقع الضرر بملايين المسلمين وذلك بقول فضيلته : ( إنه من حق المسئولين في غير دولة الإسلام كدولة فرنسا أن يقرروا قوانين تتعارض مع مسألة حجاب المرأة المسلمة، وإنه شخصياً لا يستطيع المعارضة في هذا الأمر لأنهم غير مسلمين ) ثم تكلم سيادته عن حكم من تستجيب لهذه القوانين بأنها حسب رأي سيادته في حكم المضطرة كأكل الميتة ولحم الخنزير !!!.

 

وقد أُصيب المجتمع المصري بحالة من الذهول والإحباط الشديد لهذا الموقف المتخاذل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع بل ويعطي الضوء الأخضر لتمرير هذا التعدي الصارخ على حقوق المسلمين !!

ولم يخفف من حدة الصدمة قليلاً إلا رأي مفتي الجمهورية الذي طالب الحكومة الفرنسية بعدم التدخل في ارتداء المسلمات للحجاب باعتباره فريضة إسلامية وليس مجرد شعاراً أو رمزاً، فقد وصف المفتي القرار الفرنسي بأنه يشكل خروجاً على مبادئ حقوق الإنسان التي أقرها المجتمع الدولي بأكمله !!

أما شيخنا الفاضل فقد أبى إلا التحدث عن بديهيات لا خلاف عليها وليست محلاً للنزاع المطروح ..

فمن المسلّمات التي ذكرها حرية كل دولة في إصدار قوانين وتشريعات تخصها !!. وكأن المسألة لا تتعلق بضرر واقع بالمسلمين وأن هناك ما يسمى بالاتفاقات والقوانين الدولية التي تحترم حقوق الأقليات في كل دول العالم، وأن فرنسا من الدول التي تدعي إقرارها بميثاق حقوق الإنسان واحترامه !!

 

وليس خفياً على فضيلته كيف تقيم هذه الدول الدنيا ولا تقعدها إذا تعرض أحد رعاياها لأدنى إساءة أو تدخل في حريته الشخصية !!.

وفي واقع الأمر فإن المجتمع المصري مما تعرض له من سابق إخفاقات وإحباطات لم يكن ينتظر من فضيلته إلا أضعف الإيمان وأقل مظاهر الاعتراض .. ولم يكن يتوقع من سيادته تحريك جيوش المعتصم من أجل مسلمة واحدة ظلمت في هذا العصر !!!.

لقد كانت الفرصة سانحة لفضيلته لعرض قضية الحجاب على الرأي العام العالمي وإبراز الحِكَم العظيمة من وراء تشريعه ..

وتوضيح أن حجاب المرأة المسلمة لم يكن إلا امتداداً للأمر بالاحتشام وعدم التبرج في جميع الأديان السماوية السابقة .. فقبل أن يفهم المسيحيون أن النظر إلى مفاتن المرأة الأجنبية زنى وأن الإنجيل طالب الناظر بقلع عينه التي تنظر إلى العورات فعليه أن يدرك ما هو المطلوب من المرأة المسيحية لستر مفاتنها حتى لا تُقلع عيون الناظرين !!

وليذكرهم بما عليه الراهبات الفرنسيات وكيف يسترن شعرهن ولا يبدين أجسادهن كما يظهر في صورهم وتماثيلهم التي يعتبرونها تمثل العذراء مريم في زي أقرب ما يكون لحجاب المسلمات أو القديسات اللاتي لهن مكانة مقدسة عندهم !!

فليس الإسلام مخترعاً أو مبتدعاً بمنعه للعري والتبرج ..

وكنا نود من فضيلته أن يبين لهم عظمة التشريع الإسلامي الذي رفع من قدر المرأة وشأنها وجعل المجتمع ينظر إلى عقلها وأخلاقها لا إلى سيقانها وأردافها ...

فقد حرر الإسلام المرأة من تحريكها كدمية جميلة عارية تسري عن الرجال وحررها من أغلال النظرة الشهوانية المبتذلة التي تعرض مفاتنها لكل من يلعقها بنظراته الحقيرة !!

ويؤكد هذا المعنى الفطري وجود عقلاء المجتمع الغربي الذين يشعرون بالخزي والعار من الدرك الذي وصلت إليه المرأة الغربية بعرضها في أسواق النخاسة المعاصرة وفق مقاييس عالمية والمسماة بمسابقات الجمال العالمية !!؟

وكان على سيادته أن يزيل حالة الجهل المتفشية عن مكانة المرأة في الإسلام، وكيف أننا أخذنا نصف ديننا عن السيدة عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها)، أو كيف أخذ الإمام البخاري العلم الشرعي عن شيخته الفاضلة كريمة المروزية ...

وقد كان من المفارقات الغريبة في هذه القضية ما عايناه بأنفسنا وشاهدنا ردود أفعاله على القنوات الفضائية وعلى صفحات الجرائد الأمريكية تجاه أي إشاعة تصلهم عن واقعة فردية أو مشكلة محدودة تتعلق بالأقلية المسيحية القبطية في بلادنا .. مع علمهم التام بأن الحضارة الإسلامية منذ الفتوحات الأولى لم تتعرض لأي كنيسة بالأذى ولم تتدخل في شئونهم وتقاليدهم الدينية بل أعطتهم الحقوق الكاملة وفق قاعدة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) ..

وقد ورد في كلام شيخ الأزهر أنه لا يمكن لأي مســلم سواء كان حاكماً أو محكوماً أن يخالف فريضة الحجاب ما دامت المرأة تعيش في دولــة مســـلمة .. وهو كلام لا غبار عليه فقهياً، ولكن لم يكن لمواقف الأزهر أي صدى يذكر من ناحية الواقع تجاه هذه المخالفات ..

فأين كان دور الأزهر ووزير التعليم المصري يمنع حجاب الفتيات المسلمات حتى نهاية المرحلة الابتدائية رغم تخطي الكثير منهن سن البلوغ والتكليف .. كما يخالف هذا القرار قاعدة تنشئة الفتيات على هذه الفضيلة تدريجياً من السن المبكرة ..

وأين دور الأزهر الشريف من كونه قدوة لغيره من الجامعات بألا يسمح لعضوات هيئة التدريس والطالبات بالتبرج في أروقة الكليات الأزهرية ..

وأين فضيلته بصفة شخصية مما يحدث من مهازل تحت مسمى تنشيط السياحة بدخول الأفواج السياحية بما نعهده من ابتذال وتبرج إلى باحة جامع الأزهر الشريف نفسه ..

إنه من المتفق عليه في قضية القانون الفرنسي الجائر بمنع الحجاب أنه غبن وضرر واقع بملايين المسلمين وقد اعتبره فضيلة الشيخ ضرورة تبيح المحظور ..

فيبقى السؤال الذي يحير الأمة ..

ما دور فضيلتكم والأزهر الشريف تجاه رفع هذه الضرورة والضرر الواقع على رؤوس المسلمات في فرنسا وغيرها !!؟