الحل: تهجير المصريين وبيع أراضي
الدولة وتبديد الاحتياطي
عاطف عبيد يعلن افلاس الدولة المصرية دون أن تهتز له شعرة
بقلم : محمد
عبدالحكم دياب
كان من المخطط أن
أكتب عن تطورات مصر المتلاحقة في الفترة الأخيرة بعد زيارتي التي استمرت زهاء شهر،
لكن جاء الاعلان عن تخلي الجماهيرية عن أسلحة دمار شامل لا تملكها فارضا نفسه
ليأخذ الأولوية علي ما عداه الأسبوع الماضي، وهذا الأسبوع جاء بيان الحكومة
المصرية أمام البرلمان، بمثابة اعلان بافلاس الدولة، ليحتل الصدارة، فأؤجل وللمرة
الثانية ما انتويت تناوله منذ اسبوعين.
بيان حكومة عاطف عبيد
يبدو وكأنه اعلان بإفلاس الدولة المصرية، جاء مغلفا بغلاف تقليدي يستسهل استعارة
تعبيرات ومسميات تتناقض في معانيها مع حقائق الأوضاع، منذ أن اعتاد المسؤول المصري
علي هذه اللغة فيما بعد انتفاضة كانون الثاني (يناير) 1977، فالخوف من ردود الفعل
الشعبية علي الاجراءات الحكومية، وراء اطلاق مسميات غير حقيقية علي كثير من هذه
الاجراءات، فزيادة الأسعار يسمي تحريك الأسعار، واجراءات زيادة الضرائب والاتاوات
الحكومية تعرف بتنمية موارد الدولة، وهكذا في كافة المجالات.
وعلي المراقب الحصيف
أن يتعلم فك رموز هذه اللغة، لكي يستطيع فهم الخطاب السياسي المصري والتعامل معه،
ولم يشذ بيان عاطف عبيد عما ألفناه من تسمية الأشياء بغير مسمياتها. فها هو بيانه
يقول بالنص سياستنا الاجتماعية كانت وستظل مؤكدة لالتزامنا القاطع بحماية محدودي
الدخل، وتوفير الأمان لأصحاب المعاشات ولأموال التأمينات، وتأكيد معاش الضمان
الاجتماعي لغير القادرين، ومساعدة من تفرض عليهم الظروف أن يتوقفوا عن العمل ،
وهذا لا يعني أكثر من اغتيال الفقراء ومحدودي الدخل، بالغلاء، ونقص الخدمات، وتفشي
البطالة، وزيادة الأعباء علي كاهل الفقراء ومحدودي الدخل.
وعندما يتحدث البيان
عن التشريعات التي أعدها لزيادة موارد التأمينات الاجتماعية، وتوفير المصدر المالي
المؤكد لصرف مستحقات الزوجات المطلقات، وتدبير الموارد الإضافية المطلوبة لاستمرار
الدعم المباشر للسلع والخدمات الأساسية . يكون السؤال كيف لحكومة استولت علي 175
مليار جنية من أموال التأمينات الاجتماعية والمعاشات، بما في ذلك ودائع شهادات
الاستثمار، وصناديق البريد، وأذونات الخزانة التي تصدرها الحكومة. بلا ضمانات،
ودون قدرة علي السداد، كيف لها أن تزيد هذه الموارد وتنميها؟
وأي حديث عن المحافظة
وزيادة الضمانات لأموال التأمينات الاجتماعية، والالتزام القاطع بمعاشات الحاضر
والمستقبل حقوق نصونها ولا نبددها. نضيف إليها ولا نخصم منها حديث لا قيمة له، لأن
موارد الدولة، كما حددها عاطف عبيد، في حديث له مع عادل حمودة، رئيس تحرير صحيفة
صوت الأمة الأسبوعية، الاثنين الماضي، هي 115 مليار جنيه، والأجور 52 مليار جنيه،
وأقساط الديون وفوائدها 45 مليار جنيه.
والنكتة الحقيقية
كانت فيما ورد عن السياسة النقدية، والتي، علي حد تعبير البيان، تستهدف تحقيق
الاستقرار في سوق الصرف. تشجع علي الادخار وتزيد من حجم الائتمان المصرفي الآمن،
وتخفض من تكلفة الأموال علي المنتجين ، كل هذا يتجاهل الآثار التدميرية لتعويم
الجنيه المصري، التي أدت إلي انخفاض تحويلات المصريين في الخارج، بقيمة بلغت 163
مليون دولار، وزادت تكلفة الصناعات التجميعية، وذات المحتوي الاستيرادي المرتفع،
وكثير من المنتجات المحلية والمستوردة. فارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وزاد تبعا
لذلك معدل التضخم ليبلغ 18%، خلال العام المالي 02 / 2003 . هذا كما ورد في النشرة
الاحصائية للبنك المركزي المصري، لشهر تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، حتي أن هذه
الآثار التدميرية انعكست علي استثمارات المصارف المصرية في الخارج، فتم تخفيضها
وتصفية كثير منها، لمواجهة أزمة النقد، وغياب السيولة.
وفي محاولة يائسة، من
جانب عاطف عبيد، لتزيين سياسته الاقتصادية أشار في بيانه إلي زيادة معدل النمو،
وقصر هذه الزيادة علي الربع الأول من العام المالي الحالي (يوليو - سبتمبر)، وقال
انه بلغ 4.2%. حيث زادت الصادرات السلعية بمقدار 3.5 مليار دولار. وبذلك حقق ميزان
المدفوعات فائضا بلغ 546 مليون دولار ، خلال العام المالي 2002 / 2003، لأول مرة
منذ سنوات ، ويقول خبراء المال والاقتصاد إن هذه نتيجة غير منطقية، لأن معني هذه
الزيادة هو توقف تدهور سعر صرف العملة الوطنية، ولما لم يحدث هذا فتفسيره هو عدم
ورود حصيلة الصادرات والخدمات، والاحتفاظ بها خارج البلاد، مع ازدياد حركة تهريب
النقد الأجنبي.
وإذا كان لانخفاض
الواردات أثر يبدو إيجابيا، فقد تولي تقرير خاص، نشرته صحيفة الأهرام بتاريخ 9 / 12/
03، قبل عشرين يوما من نشر بيان الحكومة، تولي تفنيد موجبات هذا الانخفاض، وكلها
ليست في صالح بيان عبيد. فالانخفاض في فاتورة السلع الاستثمارية، جاء نتيجة للكساد
الذي يعاني منه الاقتصاد المصري، في السنوات الأخيرة، فهذه الواردات انخفضت من 5639
مليون دولار في 99 / 2000 إلي 3696 مليون دولار، أي بنسبة 35% عام 2000 / 2001، ثم
بنسبة 18% عام 01 / 2002، ولهذا علاقة بضعف أداء الدورة الانتاجية. بجانب أن
الزيادة في فائض الخدمات ترجع إلي زيادة حصيلة قناة السويس، والتحسن في دخل
السياحة، وليس إلي تنمية حقيقية.
والبيان الذي يقول ان
الانجازات التي حدثت في عهد الرئيس مبارك لم يسبق لها مثيل في التاريخ !! هو نفسه
الذي يؤكد، علي أن انتاجنا الغذائي لم يعد يكفي للوفاء بالسلع الأساسية، وانتاجنا
في القطاعات الأخري، في حجمه، أقل بكثير مما هو ممكن. وصادراتنا ما زالت أقل من
الواردات. ومنشآتنا لم تعد قادرة علي تقديم العدد الكافي من الوظائف المطلوبة
سنويا . وأننا نستورد أكثر من نصف احتياجاتنا من السلع الأساسية ، وتكلفة التدخل
لاستقرار الأسعار كلفتنا اعتمادات إضافية قدرها 1600 مليون جنيه مصري، وموارد
دولارية إضافية قدرها 600 مليون دولار . ويدخل سوق العمل سنويا 600 ألف شاب وشابة،
وقدرة الاستيعاب لا تتعدي 150 ألفا فقط من هؤلاء.
والبيان وهو يتحدث
باستمرار عن فرص العمل ، المتوفرة لم يشر إلي حجم التشغيل الحقيقي للطاقات، ففرص
العمل، المدونة في الأوراق، غير إمكانية التشغيل غير الموجودة، وقد أشار البيان،
مرة واحدة، إلي وظائف حقيقية، حين تعرض إلي 65 ألف فرصة عمل حقيقية أتاحها الصندوق
الاجتماعي، في العام المالي الحالي، ولهذا أعطاها صفة حقيقية ، وقال انها مسجلة
وموثقة، للتفريق بينها وبين الفرص الأخري، غير الحقيقية، أما الفرص التي وفرتها
مكاتب العمل وهي 166 ألف فرصة عمل، في سوق العمل الداخلي العام الماضي، بجانب 57
ألف فرصة عمل في سوق العمل الخارجي لم ينعتها البيان بأنها حقيقية.
وضمن نهج النفاق
والتهافت، التي يتسم به الخطاب الرسمي المصري، تجاه أسرة الرئيس مبارك، لم ينس
رئيس الوزراء أن يؤكد نصيبه في هذا النهج، وفي معرض حديثه عن خدمات وفرتها الدولة،
في مجالات الثقافة وتنظيم الأسرة، نسب الفضل إلي سيدة مصر الأولي، السيدة الفاضلة
سوزان مبارك، التي تعطي لهذا التوجه دعما مخلصا صادقا ومتصلا ، وكأن هذه الخدمات
هبات تمنحها أسرة الرئيس لرعاياها مقابل خدمتهم لها، وليست حقوقا والتزامات علي
الدولة أن توفرها لمواطنيها.
هناك تفاصيل كثيرة،
لا يتسع الحيز لحصرها، وبدلا من أن استقالة الحكومة، لفشلها في إدارة الاقتصاد،
ومحاسبة المسؤولين عن الافلاس يتمادي رئيسها في التغطية علي الأوضاع المتردية،
ويقدم مجموعة اقتراحات تزيد الموقف تعقيدا وتفاقما.
من هذه الاقتراحات: مبادلة
جزء من ممتلكاتنا، (يقصد ممتلكات الدولة)، وهي كثيرة وذات قيمة تتزايد سنة بعد
أخري، ولدينا ممتلكات تدر عوائد قادرة علي سداد ديونها وإذا كانت الممتلكات بهذا
الحجم وهذا العائد فلماذا تعجز عن سداد الديون، وما هو مبرر بيعها ما دام العائد
منها يمكنه خدمة الدين؟.
انها الرغبة المحمومة
في بيع كل أصول الدولة والمجتمع، ومنها الأراضي المملوكة للوزارات والهيئات، ووصفت
بأنها كثيرة ومتناثرة. قاربنا علي الانتهاء من حصرها، وسوف نتقدم بجدول زمني
لبيعها لحساب الموازنة العامة ، وعلينا هنا أن نتذكر أن أصول القطاع العام قدرت،
في بداية الثمانينات، وبأسعار العملة في ذلك الوقت، بـ500 مليار جنيه، بيعت
بمليارات قليلة، وكان البيع أقرب إلي الهبات المجانية، وحتي هذه المليارات، لا
يعرف أحد فيما صرفت؟ وكيف نهبت؟ ولحساب من هربت؟
أما الاقتراح الخاص
بخفض أعباء الأجور يقول البيان بأن له طريقا واحدا هو أن نفتح الباب علي مصراعيه
ودون قيود علي المدة للاعارات والاجازات وبشكل ملزم لجميع الوزارات والمصالح
التابعة لها، وأن يسري التطبيق علي الوظائف العمالية والمكتبية، وحتي الفنية فيما
عدا من يعملون في الشرطة والقضاء والتعليم . هذا الاقتراح يؤكد دور الدولة كمقاول
أنفار ، يدعي بأن هناك اقبالا وبلا منافسة علي العمالة المصرية في الأسواق العربية
، وهذا غير صحيح بالمرة، بسبب الضعف الذي لحق بمستوي العمالة المصرية، وقلة
المعروض من فرص العمل في الخارج، ولا يخرج هذا الاقتراح عن كونه دعوة لطرد
المصريين وتهجيرهم، والتخلص من عبئهم وأجورهم، وهذا النهج هو الذي خرب البلاد وأذل
العباد.
وأمام عجز الحكومة عن
كبح جماح الاستغلال والجشع لم تجد غير إلغاء هامش الربح من منتجات المتبقي من
شركات القطاع العام، وتجهيز وتوفير السلع في 6500 منفذ منتشرة في جميع أحياء المدن
والقري الكبري، وعرض المنتجات بأسعار نصف الجملة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد،
فقد طلب عبيد الاقتراض، ولفترة محدودة أثناء العام، مما أسماه الحساب المجمد الذي
نمتلكه لدي البنك المركزي، وقدره الآن ثمانون مليار جنيه. سيكون الاقتراض بدون
فائدة، لأنها أموالنا ومودعة كأمانة لدي البنك المركزي. وسوف يكون الاقتراض قاصرا
في استخدامه علي سد العجز الموسمي، مع الالتزام الكامل وبمراجعة الجهاز المركزي
للمحاسبات، أن تتم التسوية قبل نهاية كل عام مالي . والمشكلة هي في معني الحساب
المجمد فهو المقابل الذي اخترعه الخطاب السياسي للاحتياطي الاستراتيجي الذي تحتفظ
به الدولة لمواجهة الأزمات والكوارث.
بيان عبيد اكتفي
باعلان الافلاس، ولم يتطرق إلي مسبباته، فتجاهل الاشارة إلي الفساد، والنهب، ولا
القوي الخفية التي فرضت تعويم العملة الوطنية، وأكثر من هذا لم يتطرق البيان مطلقا
إلي الانتاج أو التصنيع أو رفع مستوي المعيشة، الذي انهار بصورة مأساوية، ولم يشر
إلي الأوبئة المنتشرة في البلاد، ولا مخاطر التلوث، وقذارة المجاري المائية،
وتجاهل طاعون العصر، وهو مرض الكبد الوبائي، الذي ينهش أكباد المصريين ومعه الفشل
الكلوي وأمراض السرطان، فلا يخلو بيت مصري من مصاب بواحد من هذه الأوبئة، والدولة
لا تحرك ساكنا، وكأنها وجدت في انتشار الأوبئة حلا لمشكلة زيادة السكان، التي يشكو
منها الرئيس مبارك ليل نهار، ويرجع إليها كل أسباب عجز نظامه وفشل سياساته.