نموذجٌ للتضليل

 

 

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

 

تحت عنوان «يهودية صهيونية تكشف لماذا هجرت أيديولوجيتها وتل أبيب لتعيش مع الفلسطينيين في الجليل»، نشرت يومية الرأي الأردنية مقالة في 16/12/2003 تدعو على لسان تلك المرأة لـ«دولة لشعبين»، أي دولة ثنائية القومية، وتوحي منذ العنوان: 1) أن الاستيطان اليهودي في فلسطين مقبول من حيث المبدأ لو قبل اليهود بنا، 2) أن الوجود اليهودي في فلسطين حدث، مقطوع الجذور، ليست له علاقة بالأيديولوجية اليهودية الصهيونية أبداً، و3) أن تلك المرأة تمثل نموذجاً يهودياً على أرض فلسطين يجب أن نحتفي ونبشر به، و4) أن «حل» القضية الفلسطينية يكمن، بالتالي، بالتعايش في «دولة لشعبين».

 

وقد التقط بعض نشطاء الإنترنت هذا الطعم السياسي بإيحاءٍ من كاتب نشرت مادته تحت اسم «ع.ش»، وأعادوا توزيعه بحماسة التسووي الذي استرد الروح في زمن المقاومتين العراقية والفلسطينية، خاصةً أن السم في دسمه قد يختلط على البعض في خضم تطبيل المقالة لمشاركة المرأة اليهودية المزعومة في نشاطات الحركة الإسلامية، وأشياء أخرى.

 

هناك نقطتان لا بد من إثارتهما عند التعامل مع دعوات التعايش كتلك الواردة في المقالة المذكورة. أولاً: ما هي هوية فلسطين الحضارية؟ هل هي عربية، كما كانت عبر العصور؟ أم ثنائية القومية؟

 

ثانياً: ما هو المشروع الصهيوني سوى هجرة اليهود إلى فلسطين؟ وماذا يعني القول إننا نعارض المشروع الصهيوني ولكننا نقبل بالوجود الصهيوني في فلسطين؟! والأهم، ماذا يعني أن تتخلى يهودية عن أيديولوجيتها سوى أن تترك البيوت والأرض الفلسطينية لتعود من حيث أتت في روسيا أو بولونيا أو حيث شاءت؟!

 

بعيداً عن مسألة التفريق بين اليهودية والصهيونية التي يستغلها البعض اليوم من أجل تبرير الوجود اليهودي في فلسطين، بحجة أن هذا المستعمر أو ذاك يزعم أنه ليس صهيونياً وهو يمارس صهيونيته، فإننا يجب أن نعي أن التفريق بين اليهودي والصهيوني ليس له أي معنى على أرض فلسطين، لأن كل يهودي يدب على أرض فلسطين هو موضوعياً جزءٌ من المشروع الصهيوني، ويشكل، بالتالي، هدفاً مشروعاً للذبح الحلال.

 

أما من يريد أن يفرق بين اليهودي والصهيوني فليفعل ذلك خارج فلسطين، هذا دون الدخول في الجذور اليهودية للفكر الصهيوني، باعتبارها هنا مسألة نظرية.

 

ولكن الحقيقة هي أن اليهود الموجودين في فلسطين اليوم، لو اشهروا إسلامهم جميعاً، أو ادعوا أنهم يساريون أكثر من لينين، أو تحولوا إلى البوذية، فإن ذلك لا يغير حقيقة كونهم غزاة، وجزءٌ من مشروع استعماري إحلالي.

 

ومن الغريب فعلاً لقوى سياسية عربية أن تبني استراتيجيتها في التعامل مع المجتمع الصهيوني، ليس على قراءة موضوعية للتيارات الأساسية السائدة تاريخياً فيه، والمنحرفة أبداً نحو الفاشية، بل على نسب عددية هامشية إحصائياً لا وزن سياسي لها ولا قواعد، وأشك أصلاً أنها اختلقت من أجل اختراق العقل العربي بالأوهام عن إمكانية التعايش، كما في المثال المنشور في الرأي الأردنية.

 

والخلاصة هي أن الوجود اليهودي في فلسطين هو وجود غزاة، وبالتالي فإن الأساس المبدئي في التعامل معه هو الاستئصال، إلا إذا قرر أصحاب الأرض الأصليون غير ذلك عندما يتم التحرير، بالقدر الذي يقررونه. وليس هناك شعب في العالم يناقش مشروعية وجود الغزاة على أرضه بمثل هذه البساطة وكأنها تحصيل حاصل.

 

ويشير الميثاق الوطني الفلسطيني الى أن كل يهودي أتى إلى فلسطين بعد بدء المشروع الصهيوني لا يعتبر فلسطينياً، وهذا يجعل النسبة اليهودية المقبولة خمسة بالمئة في الحد الأقصى.

 

ولكن حتى يحدث التحرير، فإن كل يهودي يبقى غازياً يجب التعامل معه على هذا الأساس.

 

والحقيقة التاريخية الأهم هي أن فلسطين كانت وستبقى عربية، فحتى اليهودي الذي يبقى فيها بعد أخذ الإذن من أصحابها يجب أن يبقى باعتباره صاحب دين مختلف وليس باعتباره ممثلاً لقومية مختلفة، هي أصلاً غير موجودة، لأن اليهودية دين وليست قومية ولا عرقاً، ومن غير المنطقي بالتالي أن نتحدث عن دولة ثنائية القومية عربية يهودية.

 

فمقابل اليهودية يكون الإسلام والمسيحية، لا العروبة التي ليس لها مقابل «يهودي» قومي على أرض فلسطين. هذا مع العلم أن أنصار «ثنائية القومية» لا يتحدثون عن فلسطين، بل عن «إسرائيل»!.