نابلس العتيقة
بقلم :رشاد ابو
داود
يا ابنة جرزيم
وعيبال، يا من ولدت في الوادي قبل الميلاد بمئات السنين في ذاك العصر البرونزي. لا
تستغيثي، نحن في العصر الحجري العربي. ليست صرختك الاولى، لست الاولى التي تستباح.
لن تكوني الاخيرة.
أيتها الممتدة من
ابراهيم الخليل الى ابراهيم الشهيد، من حراب يوشع بن نون الى دبابات شارون، اصمدي
تحملي. يقول تاريخك انك قاومت التتار والهكسوس والرومان والعثمانيين والبريطانيين.
كلهم رحلوا وبقيت انت كنعانية يداعبها البحر من بعيد والسنابل يحن عليها الريح.. لم
تخل الارض يوما من السنابل ولا البحر توقف عن التنفس.
دبابات شارون، جنوده،
لا يبحثون عن ابنائك المقاتلين ولا يريدون سرقة عقود الياسمين عن اعناق بناتك. لا
يبحثون عن قطعة سلاح مخبأة تحت ابواب منازلك العتيقة. فقد انهوا مرحلة الاحتلال
منذ زمن. هذه مرحلة الامعان في الاحتلال، الحصار مع الجدار ثم الاقتلاع والبحث عن
تاريخهم المزور في حاراتك وحجارتك المخضرة.
يهدمون بيوتك ليهدموا
ذاكرة ابنائك يجرفون الاقواس الخشبية والدفاتر التي لا مكان لدولتهم على خرائطها..
ليشطبوا تاريخك.
ما اغباهم. لا يدركون
ان التاريخ لا تشطبه ولا تكتبه جنازير الدبابات. وأن العالم سيصحو من عصر القطب
الواحد. والانسان سيدرك انه واحد حتى لو كسرت الثيران والابقار الهوجاء كل الفخار.
شارون يكذب، يكتب في
هذه العتمة الدولية ان الفلسطينيين لا يريدون السلام. يكذب بشأن المستوطنات التي
يدعي انه سيخليها.
ليست مستوطنات بل
حاويات صدئة. اقيمت حتى تخلى وتغطي على تلك التوراتية الكبيرة، والمستوطنون اغلبهم
لا يريدون البقاء. فهؤلاء الحالمون منذ 36 سنة بمنزل وحديقة لم تتمخض تجربتهم سوى
عن نسبة وجود في الارض الفلسطينية لا تتعدى واحد الى عشرة في الضفة وواحد الى
مئتين في غزة، ثلثا هؤلاء يواجهون صعوبات في بيع منازلهم حتى يعودوا الى داخل الخط
الاخضر.
شارون يريد ان يكون »ملك
اسرائيل« كما يسميه اتباعه ويسعى الى حلم اسرائيل التوراتية رغم ان التاريخ نفسه
نسي هذه الحكاية. وزراؤه يوسعون الاستيطان والناطقون باسمه يقلصونه!
ربما تبلغ سياسة
شارون المدى بوجود ادارة اميركية تضع شرط أمن اسرائيل قبل خبز الفلسطينيين. وترى
في الثور حليبا ديمقراطيا يكفي المنطقة بأسرها.
ربما يحقق شارون
اهدافه طالما ان الدول العربية في نظره مجرد قرى مغضوب عليها اميركيا او صحارى تعج
بالاشرار والارهابيين.
انها عقلية القلعة
والسور.. يهودية قديمة يؤمن بها التوراتيون رغم انها لم تحم كيانا يهوديا على مر
الزمن. لم يستوعب شارون فشل سياسة القمع والقوة ولم يتعلم درس عزلة اليهود في
مجتمعاتهم التي أتوا منها.
متى يقتنع
الاسرائيليون بدولة قابلة للحياة، على الأقل في هذه المرحلة من الضعف العربي، بدل
دولة محاطة بأسوار اشبه بحدائق الحيوانات في عالم متحضر وشعوب تتعولم وتنفتح على
بعضها.
.. تحملي نابلس. تجملي
يا أجمل المدن. فيك من عبق التاريخ ما يكفي لطرد رائحة جنودهم النتنة.