التراجع العربي أمام المطالب الأمريكية والاسرائيلية
بقلم :د. يوسف
نور عوض
عندما زار وزير
الخارجية الأمريكي كولن باول كينيا خلال جولة المباحثات السابقة بين الحركة
الشعبية لتحرير السودان والحكومة أعلن في جو تسوده روح التفاؤل أن الطرفين سيوقعان
الاتفاق النهائي قبل نهاية العام الحالي.
ولم يحدد وزير
الخارجية الاسس التي سيقوم عليها الإتفاق، ذلك أن الولايات المتحدة لم تكن مشغولة
بفحوي الاتفاق بقدر اهتمامها بتحقيقه، بل وبتوقيعه أيضا في البيت الابيض، بهدف
إظهار الرئيس الامريكي علي أنه يحقق انجازات دولية من خلال سياسته في محاربة
الإرهاب. ثم جاءت جولة المباحثات الأخيرة ولم يتم الاتفاق المنتظر بل سمعنا أن
الطرفين اتفقا علي تقسيم ثروة النفط بنسبة خمسين إلي خمسين في المئة. وكانا في
الماضي اتفقا علي ترتيبات أمنية تتيح للجيش الشعبي الدخول إلي المناطق الشمالية
وخاصة مدينة الخرطوم. وإذا نظرنا إلي مثل هذا النوع من الاتفاقات وجدنا أنه لا
يحقق انجازات وطنية واضحة لأنه مركز في أساسه لخدمة المصالح الخارجية، وبصفة خاصة
مصالح الولايات المتحدة التي يحرص رئيسها في هذه المرحلة علي اثبات أن سياساته
المعلنة تحقق أهدافها الخارجية. ولاشك أن الحكومة السودانية تجد نفسها في وضع صعب،
إذ هي تدرك المتغيرات الدولية وتعرف أن سياساتها المعلنة لن تكسبها رضا الولايات
المتحدة. وبما أنها لاتريد أن تفكر في اتجاه المصلحة الوطنية العليا فهي تري أن
تقديم التنازلات سيكون السبيل الوحيد للخروج من مأزقها وبالتالي استمرار نظام
الحكم علي نهجه الحالي دون تغيير، والغريب أن الولايات المتحدة مازالت تهدد بأنها
لن تقدم مساعدات للسودان ولن تطبع العلاقات معه إلا إذا توصل إلي اتفاق مع الحركة
الشعبية ولايعرف أحد ما نوع المساعدات التي ستقدمها الولايات المتحدة للسودان خاصة
وأن الجميع يدركون أن المستفيد الوحيد من حل مشكلة الجنوب علي هذا النحو هو
الولايات المتحدة سواء كان ذلك علي المستوي السياسي أم علي المستوي الإقتصادي لأن
الشركات الأمريكية تطمع في دخول سوق النفط السودانية بمجرد اتمام اتفاق مع الحكومة
السودانية.
ومن جانب آخر نري
تطورات مماثلة في ليبيا، ذلك ان العقيد معمر القذافي فاجأ الجميع بأنه علي استعداد
لأن يتخلي عن أسلحة الدمار الشامل ويوقف أي برنامج لانتاجها، وقد لقي هذا القرار
ترحيبا من الإدارة الأمريكية التي طالبت جميع الدول بأن تحذو حذو ليبيا ولم تشمل
هذه الدول اسرائيل، بل ذهب المسؤولون الأمريكيون إلي القول إن الولايات المتحدة لا
تستطيع أن تطالب اسرائيل باجراء مماثل لأنها لم تعلن أنها تمتلك أسلحة دمار شامل. وقد
رحب وزير الخارجية البريطاني بالقرار الليبي واعتبره خطوة شجاعة،بل وطلب من وزير
الخارجية الليبي المجيء إلي لندن لإجراء مباحثات مع بريطانيا. وذهب وزير الخارجية
الليبي إلي القول إن السبب في اتخاذ القرار الليبي هو يأس القيادة الليبية من
العرب دون أن يشير إلي قول وزير الخارجية البريطاني إن ليبيا كانت تجري مباحثات
سرية مع بريطانيا والولايات المتحدة منذ سنتين بشأن أسلحة الدمار الشامل وهي نفس
الفترة التي أعلنت فيها ليبيا رغبتها في الانسحاب من جامعة الدول العربية، بل هي
نفس الفترة التي عملت فيها ليبيا من أجل إقامة الاتحاد الأفريقي والتشكيك في جدوي
الوحدة العربية، بل والغريب أن ليبيا ذهبت إلي القول إن قرارها يشكل ضغطا علي اسرائيل
من أجل التخلص من سلاحها النووي، أي أن ليبيا التي قدمت تنازلات كبيرة من أجل كسب
رضا الغرب تمثلت في مليارات الدولارات التي دفعتها من أجل تعويضات لوكربي وفي
تنازلها عن طموحاتها السياسية تريدنا أن نصدق أنها مازالت ملتزمة بتوجهاتها
الثورية. والأمر لا ينتهي عند هذا الحد، ذلك أن العالم الغربي الذي ظل ينادي
بمباديء الحرية وحقوق الإنسان ويرفض المصالحة مع أي حاكم معاد تحوم حوله الشبهات
نسي كل مواقفه من ليبيا ورأي ان القذافي جدير بفرصة جديدة في الحكم دون التفكير في
مصالح الشعب الليبي الذي لا شك أن رضا الغرب عن القذافي سوف يجعله يستمر في الحكم
مرحلة جديدة علي الرغم من ان كل الدلائل تشير إلي أن المرحلة السابقة كانت مرحلة
فاشلة بكون ليبيا لم تصبح دولة عظمي وكذلك النظرية الجماهيرية لم تصبح نظرية ثالثة
وعالمية، بل أكثر من ذلك حين صار الخيار عند القذافي بين الاستمرار في الحكم وبين
التنازل عن مبادئه كان موقفه هو التنازل عن كل ما كان يمثله، لدرجة أنه رفض فكرة
القطاع العام التي أدخلها إلي الحياة الليبية، ولكن ذلك لم يكن من أجل أن يقيم
نظاما حرا، بل من أجل أن توزع الشركات والمشاريع علي رجال الحكم. والمستفيد في
نهاية الامر هو الولايات المتحدة وكل القوي التي ظل القذافي يحاربها، فلماذا يتحمل
الشعب الليبي مسؤولية الأخطاء التي قام بها نظام الحكم؟ ولماذا تقف قوة سياسية
كبري في حجم الولايات المتحدة لتسند نظاما ليس هناك دليل علي أنه يعمل من أجل
مصالح شعبه؟
الولايات المتحدة
انتهزت فرصة الموقف الليبي وكرست حملة ضد سورية متهمة اياها بانتاج أسلحة الدمار
الشامل، وبالتأكيد فإنه لو كانت سورية تنتج اسلحة دمار شامل فإنها لا توجهها ضد
الولايات المتحدة، وبما أن الهدف هو اسرائيل فإن مطالبة الولايات المتحدة سورية
بالتوقف عن انتاج مثل هذه الاسلحة هو في النهاية من أجل صالح دولة اسرائيل، ولكن
الدول العربية ليس لديها الوقت الذي تؤكد فيه مواقفها المبدئية، فهي علي درجة
عالية من الاستعداد لتنفيذ كل مايطلب منها، وذلك ما جعل ٍ مصر وسورية تصدران بيانا
مشتركا تعلنان فيه عن ترحيبهما بالموقف الليبي بل وذهب البلدان إلي أكثر من ذلك
عندما رحبا بموقف ايران التي وقعت اتفاقا مع الأمم المتحدة يسمح لوكالة الطاقة
الذرية ان تقوم بتفتيش مفاجيء للمنشآت الإيرانية. ولكن الموقف السوري المحاط
بالشكوك لم يلق ترحيبا من العالم الغربي، بل ذهبت صحيفة الغارديان البريطانية إلي
القول بأن بريطانيا وفرنسا والمانيا ستمارس ضغوطا علي سورية من أجل التوقيع علي
اتفاقية بحظر انتاج سائر الأسلحة الكيماوية دون أن يصدر من دمشق أي تعليق علي ذلك.
وقد تواجه سورية بالإضافة إلي هذه العقوبات موقفا متشددا من الولايات المتحدة بسبب
إيوائها وعدم اتخاذها موقفا من المنظمات الفلسطينية المناوئة لاسرائيل.
ولكن سورية ليست
وحدها التي تواجه ضغوطا إذ تواجههامصر أيضا، وقد عقدت مؤتمرا للفصائل الفلسطينية
من أجل اتخاذ موقف موحد من اسرائيل،وهو بالتأكيد ليس موقفا مناوئا، بل موقفا مهدئا
بدعوي أن ذلك هو السبيل لما تسميه مصر استئناف المفاوضات علي الرغم من أن مصر تعلم
أن الفصائل الفلسطينية مارست هدنة ضد اسرائيل من جانب واحد،ولكن اسرائيل لم تحترم
الموقف الفلسطيني، بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي أعلن صراحة أن مفهومه للعلاقة مع
الفلسطينيين، يقوم علي أن الأمن أولا ثم بعد ذلك السلام. وهذا الموقف يعكس كل
مفاهيم الكفاح، ذلك أن المجاهدين من أجل تحرير أوطانهم لا يحققون مايريدون إلا في
ساحات القتال، ولا يوجد مناضل يحقق نجاحا بعد أن تبرد فيه عزيمة الكفاح لأنه لا
يوجد ما يحفز الطرف الاخر إذا تخلي المجاهدون عن سلاحهم لاعطائهم مطالبهم، وحتي لو
التزم الطرف الآخر فإنه لا يعطي سوي الفتات.
والسؤال هو لماذا
تقبل الدول العربية هذا الوضع المهين؟ الإجابة هي أن معظم الحكام العرب أتوا إلي
السلطة بطريق الانقلاب وهم لايملكون أي رؤية سياسية وكل ما يهدفون إليه هو التحكم
في السلطة. وهم لم يتخذوا الطريق الثوري في الماضي لأنهم ثوريون، بل لأنه الطريق
الوحيد الذي كان متاحا، أما اليوم فإن الثقافة الثورية في تراجع مستمر، وليس أمام
الحكام العرب إلا الانصياع لنفوذ القوي الجديدة، وإذا كان الخيار بين الاستمرار في
الحكم أو الوقوف في وجه المصالح الأجنبية التي تتعارض مع مصالح الأوطان فإن الخيار
حتما عند هؤلاء، هو بيع مصالح الأوطان. ولا يتوقع أحد غير ذلك من حكام اكتنزوا
الثروات التي لا يحتاجون إليها ووضعوها في بنوك هي عرضة للخطر، وليحدثنا من يعرف
عن مليارات صدام وأين ذهبت؟ وفي أي مصرف هي؟ ومن الذي يستطيع أن يصل إليها بل ليحدثنا
هؤلاء عن ثلاثة مليارات دولار يقال إن صدام أودعها في بنوك إحدي الدول العربية
التي تنكر أن هذه المبالغ موجودة لديها.