كيف ولماذا تجري محاولات نزع الشرعية عن المقاومة العراقية؟
بقلم :د. بشير
موسي نافع
تجري محاولات نزع
الشرعية عن المقاومة العراقية علي قدم وساق، داخل العراق وخارجه، بخطاب واضح وصريح
او بآخر مستبطن، قبل اعتقال صدام حسين وبعد اعتقاله. احد اهم اطروحات نزع الشرعية
عن المقاومة كان الادعاء بأنها مقاومة غير عراقية مؤلفة من عناصر اسلامية ارهابية
او متطرفة كالقاعدة. وعندما سقط هذا الادعاء، وفشل الامريكيون وحلفاؤهم في تقديم
الأدلة المادية الملموسة عليه، في الوقت الذي بلغ فيه عدد المعتقلين بتهمة
المقاومة في سجون الاحتلال عشرات الآلاف، أخذ خطاب نزع الشرعية منحي آخر. فالمقاومة،
طبقا لهذا الخطاب، ليست اكثر من فلول النظام السابق، او ايتامه، ترتبط ماليا
وسياسيا بصدام حسين.
وما دام كل من وما
يرتبط بصدام حسين هو شر مطلق، فان المقاومة هي ايضا شر علي العراق ومستقبله. واذ
زالت عقدة صدام حسين من الساحة العراق، فقد تطور خطاب نزع الشرعية الي الموضوعة
الطائفية المظلمة، حيث يراد ربط المقاومة بما يسمي بـ المثلث السني ودمغها بالتالي
بسمة فئوية وحرمانها من تمثيل الارادة الوطنية. اضافة الي ذلك، فان ما يجب ان يثير
الشكوك حول هذه المقاومة انها لا تطرح خطابا سياسيا، ولا يعرف لها ناطق يتحدث
باسمها، وليس هناك ثمة من برنامج واضح لها. اما العنصر الاخير في خطاب نزع الشرعية
فيرتكز الي اتهام المقاومة بأنها تستهدف ثروات العراق والعراقيين.
يروج لهذا الخطاب،
بأطيافه جميعا أو ببعضها، المسؤولون الامريكيون في ادارة الاحتلال، او في العاصمة
الامريكية واشنطن. ويعبر عنه اعضاء مجلس الحكم العراقي، او أغلبهم، بعضهم بلغة فجة
وبعضهم بلغة رمادية، مرتبكة وخجولة، فيما يحاول آخرون تجنب الجدل كله لخوف او
لمعرفة بحقيقة الامور واستحالة تزييف حقائق واقع لا يخفي علي احد. والي هؤلاء
جميعا، ثمة حفنة من الكتّاب والمعلقين الذين قد تربطهم او لا تربطهم وشائج السياسة
بادارة الاحتلال، ولكنهم علي كل الاحوال يشاطرونها الأمل في هزيمة المقاومين
وتسويد صفحتهم وتقويض شرعية عملهم. كلما تصاعدت وتيرة المقاومة كلما تصاعدت
محاولات نزع الشرعية، مستدعية ميراثا طويلا من الخطاب الامبريالي، الخطاب الفرنسي
ضد حركة التحرير الجزائرية والخطاب البريطاني ضد الماو ماو والشين فين والخطاب
الاسرائيلي ضد قوي التحرر الوطني الفلسطيني.
لو كانت التساؤلات
المثارة حول المقاومة العراقية تنطلق فعلا من محاولة جادة للفهم لأدرك المتسائلون
ان تاريخ حركات التحرر من السيطرة الاجنبية لم يعرف انموذجا واحدا للمقاومة
الوطنية، طالما ان مبدأ مقاومة الاحتلال هو مبدأ مكفول في الشرائع والمواثيق
الدولية فان ما تبقي من تفاصيل يرتبط بالسياقات الموضوعية المتباينة لتاريخ الشعوب
والانظمة الامبريالية. لقد أسست حركة فتح، التي قادت النضال الوطني الفلسطيني منذ
عقود، في نهاية الخمسينات، وبدأت نشاطها الفعلي في فلسطين المحتلة في مطلع 1965. ولكن
قلة ضئيلة كانت تعرف علي وجه اليقين من هي فتح، وكيف ولدت، ومن هم قادتها، حتي
اعلنت فتح ياسر عرفات (الذي ليس هو بالاسم الحقيقي) ناطقا رسميا باسمها في نهاية
اذار (مارس) 1968. لجأت فتح الي السرية شبه المطلقة، ولسنوات طوال، لأنها وجدت في
بيئة معادية، بيئة عربية رسمية وبيئة اسرائيلية، وقد كان التخلي عن السرية في
المرحلة السابقة لمعركة الكرامة هو اقصر الطرق الي الهلاك المؤكد. وقد جاء خروج
فتح عن نطاق السرية في المرحلة الذي اخذ فيها توازن القوي في الاعتدال لصالح
الشعوب، واصبح من الممكن للقوي الشعبية ان تحافظ علي وجودها رغم تباينها
الاستراتيجي مع النظام الرسمي. فلماذا يطلب من المقاومة العراقية، وهي التي لم تزل
في مراحل تبلورها الاولي، ولما يمض علي انطلاقها الا عدة شهور، وتواجه بيئة اشد
عداء من تلك التي واجهت فتح في سنواتها الاولي، ان تخرج الي العلن؟
اتهام المقاومة
بالارتباط بصدام حسين كان ايضا اتهاما أخرق. ثمة قلة من العراقيين ربما كانت تري
في صدام حسين قبل اعتقاله رئيسها الشرعي وتأمل في عودته الي الحكم. ولكن وجهة
النظر هذه، رغم انها كانت وجهة نظر اقلية، كانت دائما مسألة نظرية. منذ التاسع من
نيسان (ابريل) خسر صدام حسين مقاليد الدولة والحكم لم يعد بامكانه التأثير علي
الوضع العراقي، ومهما كان ارتباط البعض به فان هذا الارتباط لم يكن قادرا علي
تحريك هذا الجسم العراقي الكبير الذي تعكسه نشاطات المقاومة ولا ان يدفع العراقيين
الي تقديم كل التضحيات الكبري التي تقدمها المقاومة. ان التقارير الصحافية، بل
وتلك التي ترشح من اوساط ادارة الاحتلال، تؤكد بوضوح علي ان المقاومة العراقية هي
تجسيد لقوي وتيارات متعددة، بعضها موال للنظام السابق واغلبها قومي او اسلامي او
وطني بدون ادني ولاء لهذا النظام. ما يجمع هذه القوي معا هو هدف دحر الاحتلال
واستعادة العراق لاستقلاله وارادته الحرة. بين هذه القوي ضباط وعسكريون سابقون،
ولكن بينها ايضا طلاب وعمال وابناء عشائر. هؤلاء العراقيون الذين لا يطمئنون
لتوجهات واهداف ودوافع قوي معينة بامكانهم دائما اضعاف دور هذه القوي من خلال
الرمي بثقلهم الي ساحة التدافع.
وهذا ما ينطبق ايضا
علي ادعاء الطابع السني للمقاومة، وهو ادعاء يرتكز الي ظاهرة جغرافية اكثر مما
يرتكز الي معرفة موضوعية بشأن قوي المقاومة. ليس ثمة من شك بأن مناطق الاكثرية
السنية العربية هي المناطق التي تشهد اغلب نشاطات المقاومة، ولكن هذه النشاطات
وصلت ايضا الي مناطق الاكثرية العربية الشيعية والاكثرية الكردية علي السواء. فهل
يعني هذا الامتداد الجغرافي وجود روافد شيعية وكردية ملموسة في حركة المقاومة؟
الحقيقة ان الانتقادات والشكوك الطائفية الموجهة الي المقاومة تصدر هي ذاتها عن
اوساط لا يمكن تبرئتها من الطائفية. بل ان العراق في تاريخه كله، وبغض النظر عن
النظريات المختلفة حول قراءة هذا التاريخ، لم يعرف مؤسسة كرست الطائفية كما مؤسسة
مجلس الحكم، الذي هو الخصم الكبير لحركة المقاومة. كل حركات المقاومة الوطنية تولد
في مناطق محددة من الوطن، حيث الظروف المواتية اكثر توفرا من المناطق الاخري. هكذا
كان الوضع خلال المراحل المبكرة من حركة التحرير الجزائرية، وهكذا كان الوضع في
فلسطين بين 1965 و1968. ولا بد من مرور فترة كافية من الزمن، تختلف من تجربة الي
اخري، حتي تصبح حركة المقاومة هي حركة وطنية جامعة. ولكن، حتي لو افترضنا ان
المقاومة العراقية الآن هي مقاومة عربية ـ سنية فهل في ذلك ما يعيب سنة العراق؟ هل
يعيب سنة العراق انهم يقدمون غالبية الشهداء، هل يعيبهم ان بيوتهم تدمر وتنتهك ليل
نهار، هل يعيبهم ان الآلاف من ابنائهم وآبائهم، بل وامهاتهم واخواتهم، يقبعون الآن
في معتقلات الاحتلال، هل يعيبهم انهم في طليعة المدافعين عن استقلال العراق
وسيادته، وانهم يقفون حراسا لقداسة ترابه المزروع برفات الاولياء والصالحين. رفات
الصحابة والتابعين وأئمة اهل البيت؟ وهل كان يعيب المقاومة اللبنانية شيعيتها؟
تتعلق المسألة
الاخيرة في الحملة علي المقاومة العراقية بالخسائر في اوساط المدنيين والمقدرات
الاقتصادية للعراق. وليس هناك من شك بأن استهداف المدنيين، سواء في العراق او في
أي مكان آخر، وسواء قامت به قوي مقاومة وطنية أو جيش نظامي يتبع دولة ذات سيادة،
هو عمل ذو طابع ارهابي. ولكن نشاطات حركات المقاومة الوطنية، خاصة عندما تكون
ساحتها المدن والمناطق المأهولة، وعندما تواجه قوات احتلال تتمركز في المناطق
المدنية، تؤدي دائما الي سقوط ضحايا ابرياء بدون استهداف او سابق تصميم. بعض مما
يحدث يشهده العراق من حوادث لا يخرج عن هذا النطاق. ولكن العراق شهد ايضا عمليات
استهداف مقصود لمواقع مدنية، عراقية او عربية او دولية. وفي حين لا يمكن وصف هذه
العمليات بغير الارهاب، فان وقوعها لا يمس شرعية المقاومة. لقد شهد لبنان العشرات
من العمليات الارهابية في بيروت وغيرها من المدن، بل وضد اهداف دينية اسلامية
ومسيحية تتمتع بحرمة خاصة تفوق حرمة كل الاهداف المدنية الاخري. ولكن تلك العمليات
لم تخدش من شرعية المقاومة في الجنوب. عندما يحتل بلد بحجم العراق، وتفتح حدوده
بلا رقيب ولا حسيب، وتختلط القوي والتيارات، ويفتقد الأمن، فليس من المستغرب ان
يتحول الي مسرح لنشاطات مختلفة التوجهات والارتباطات والمصالح. هذا شيء وشرعية
المقاومة شيء آخر مختلف تماما. ان بعضا من قوي مجلس الحكم قد رفع السلاح ضد النظام
السابق علي مدي عقدين كاملين من الزمان، موقعا خسائر وضحايا في صفوف اجهزة النظام
وقياداته، كما بين الابرياء ورجال الجيش والشرطة الذين لم يكونوا بالضرورة من
انصار النظام. فكيف تعتبر تلك النشاطات مقاومة مباركة ضد نظام دكتاتوري ظالم،
وجزءا من التراث المجيد لقوي مجلس الحكم، بينما تهاجم المقاومة ضد الاحتلال وتوصف
بالارهاب والجريمة لأن بعضا من نشاطها يتسبب في سقوط بعض الضحايا المدنيين؟ وماذا
عن آلاف المدنيين العراقيين الذين سقطوا، وما زالوا، بيد قوات الاحتلال؟ أما
استهداف انابيب النفط فلا يخرج عن التوجه المشابه لدي المقاومة الاوروبية للاحتلال
النازي خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، عندما كانت تستهدف الجسور والسكك
الحديدية ووسائط النقل لتقويض قدرات قوي الاحتلال الالماني. ان من الواضح ان
المقاومة العراقية تستطيع، ان ارادت، استهداف وتدمير حقول النفط ذاتها، ولكن
تجنبها لهذه السياسة وقصر جهدها علي وسائل نقل النفط يقدم دلالة واضحة علي انها
توازن بحذر بين مقدرات الوطن وضرورة الحفاظ عليها وبين تكريس الاحتلال والتمكين
الاستراتيجي والاقتصادي له.
السؤال الهام بالطبع
هو لماذا تشن حملة التشكيك هذه؟ لقد نجحت المقاومة العراقية خلال شهور قليلة من
الاحتلال في توكيد نفسها كعامل رئيسي في رسم حاضر العراق ومستقبله، وفي توكيد
شرعيتها كذلك. ان دور المقاومة في عراق ما بعد الاحتلال لا يتضح فقط في التعديلات
الجوهرية التي اجرتها واشنطن علي سياستها في المنطقة، بل ايضا تلك التي اجرتها علي
مشروعها في العراق ذاته. بوجه من الوجوه كانت المقاومة هي التي جاءت بمجلس الحكم،
وكان تصاعد وتيرتها خلال شهري تشرين الاول (اكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) الذي
جاء بعد ذلك باتفاقية نقل السيادة التي قدمها بريمر لاعضاء مجلس الحكم في منتصف
الشهر الماضي. من ناحية اخري، ولأن الولايات المتحدة تريد الاحتيال علي الواقع لا
الانصياع لشروطه، فان النظام الذي اقامته في عراق الاحتلال: الجيش الجـــــديد،
قوي الأمن، مــــجلس الحكم، الوزارات، ترتيـــــبات انتقال السيادة، قد فشلت جميعا
في اكتـــساب شرعية شعبية ووطنية عراقية. هذه الحالة من فشل وتعثر المشروع
الاحتلالي، من التأزم والاحساس بالضعف والتضاؤل والخوف من المستقبل، هي التي تطلق
حملة العداء لحركة المقاومة والتشكيك في شرعيتها.