لا قاعدة في إسقاط بوش

 

 

 

بقلم :د. عصام نعمان

 

ثمـة لعبة تدور في العراق وفلسطين والولايات المتحدة، بل في اوروبا والعالم اجمع، اسمها إسقاط جورج دبليو بوش.

انها لعبة أعداء بوش وانصاره علي حدِّ سواء.

أعــداء بوش يريدون إسقاطه في معركة الرئاسة الأمريكية مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) القادم. أنصاره يستميتون لاعادة انتخابه لولاية جديدة من اجل متابعة تنفيذ مشروعه الامبراطوري في الشرق الاوسط والعالم.

غير ان مشروع بوش يتعثّر في كل مكان. فالمتضررون منه كثر: العرب والمسلمون، اوروبا القديمة ، روسيا، الصين، ودول الجنوب الراسفة في الفقر والقهر.

اعداء بوش، كما أنصــاره، يعلمون ان مستقبل مشروعه الامبراطوري يتوقف، الي حدّ بعيد، علي بقائه رئيسا. فهو الواجهة والصوت والغطاء لزمرة المحافظين الجدد الذين صادروا صناعة القرار في البيت الابيض ومجلس الامن القومي ووزارة الدفاع. من دونه، لا سبيل لهذا المشروع الضخم، المكلف، والمثير للجدل ان يستمر. لذا يبدو إسقاطه مفتاحيا وثمينا.

لمعالجة تعثّر المشروع الامبراطوري، وفي مواجهـة اعدائه والمتضررين منه، لجأ أنصار بوش الي جملة آليات ووسائل لحمايته ولإبقائه ـ رئيسا ونهجا ـ حاجةً إستراتيجية ومطلبا شعبيا. أبرز هذه الآليات والوسائل إستثمار الخوف الشديد الذي اعتري الامريكيين غداة احداث 11 ايلول (سبتمبر). ليس إستثمار الخوف فحسب بل تعميقه ايضا وجعله واقعا راسخاً في الحياة اليومية، وتوظيفه اداةً فاعلة في تخويف الامريكيين ليبقوا في حاجة ماسة الي من يحميهم... الي جورج دبليو بوش، رئيسا وادارة.

في سياق هذا النهج الشيطاني، تلجأ ادارة بوش، من وقت الي آخر، الي تذكير الامريكيين بأن القاعدة ما زالت موجودة وناشطة وعلي وشك ان تضرب ضربتها هنا وهناك وهنالك.

عشية عيد الميلاد الماضي، رفعت وزارة الامن الداخلي درجة الانذار بالتحسب للخطر الي مستوي اللون البرتقالي. لم تكتفِ بذلك بل أخطرت السلطات الفرنسية والبريطانية بأن ثمة عمليات ارهابية كبري سيجري تنفيذها بواسطة ارهابيين قادمين الي امريكا من باريس ولندن. ذلك الانذار الجدي او المفتعل حمل السلطات المعنية علي إلغاء جملة رحلات لشركتي بريتش اروايز و آر فرانس كانت متجهة الي نيويورك ولوس انجليس.

حالة الانذار الامريكية ما زالت مستمرة، والسلطات الامنية الفرنسية والبريطانية ما زالت مستنفرة. الي متي سيبقي المسؤولون والمواطنون في امريكا واوروبا يعيشون علي اعصابهم؟

من المفترض ان يكون الفرنسيون والبريطانيون مستاءين. الاستياء سيتحوّل سخطا اذا تأكد المسؤولون بينهم ان الإنذار الأمريكي مفتعل وانه جزء من آلية التخويف البوشية. لكن الاستياء سيتحول هلعا ـ في اوروبا وامريكا ـ اذا اقترن الخوف والتخويف بعملية إرهابية صاعقة. في هذه الحال، يثور سؤال: هل يتضرر بوش من حدوث عملية ارهابية جديدة ام يستفيد؟

بعض المحللين يقول إنه يتضرر عندما يتأكد الأمريكيون، كما غيرهم، بان كل ما اتخذته ادارته من إجراءات واحتياطات لم ينفع، وان سياسته وليس شيئاً آخر هي الدافع الي تلك العمليات. البعض الآخر يقول إن بوش يستفيد عندما يتأكد الامريكيون، كما غيرهم، بأن الإرهاب خطر حقيقي وان بوش وسياسته ضروريان لمواجهة هذا الخطر الداهم.

أيا ما كان حكم المحللين والمواطنين الامريكيين في هذا المجال، فالأمر الثابت ان أعداء بوش وسياسته، لا سيما العرب والمسلمين، هم المتضررون الاوائل من حدوث عمليات ارهابية في امريكا واوروبا في هذه الآونة. سيكون الضرر مضاعفا اذا ما ثبت ان الفاعل او الفاعلين هم من القاعدة . ذلك ان من السهولة بمكان، عندئذٍ، ان تربط ادارة بوش بين القاعدة وما يجري في العراق وغيره من الساحات. فقد سبق لاجهزة الاعلام ان نسبت الي بن لادن والظواهري والي ناطقيـن باسـم القاعدة ، مباشرةً او مـداورة، اعتزامها القيام بعمليات مدّوية في امريكا واوروبا ومناطق اخري، فضلاً عمّا تنسبه اليها والي المنظمات المتعاونة معها من عمليات داخل العراق.

لماذا العمليات الارهابية مضّرة، لا سيما تلك التي تقع في امريكا؟

لأنها تؤدي الي تمسك الامريكيين ببوش وبالتالي الي التصويت له لتمديد اقامته في البيت الابيض كرئيس وكحامٍ، بينما المطلوب التعجيل في ازاحته من منصبه بكشف فشله المدوّي في سياسة مكافحة الارهاب، بما في ذلك حربه الظالمة وغير الضرورية علي العراق والويلات التي تسببت بها لإنسانه وعمرانه، والتكلفة الباهظـة، السياسية والبشرية والمادية، التــــي ألحقتها بالولايات المتحدة ذاتها. كل ذلك يتطلب الاّ يكون لـِ القاعدة حضور او دور علي الساحة الأمريكية في هذه الآونة.

اجل، ان الهدف المركزي لاعداء بوش وسياسته الظالمة في العراق وفلسطين وفي امريكا ذاتها (من حيث تضييقها علي الحريات وحقوق الانسان بالنسبة للمواطنين المسلمين) يجب ان يكون ازاحته من منصبه بعدم تمكينه من تمديد ولايته. كل ذلك لضمان إنهاء مشروعه الإمبراطوري ومفاعيله البالغة السوء. هذا الهدف يتحقق من خلال اعتماد المناهج والوسائل الآتية:

اولا، تصعيد المقاومة، المدنية والمسلحة، ضد الاحتلال الامريكي والقوي المتعاونة معه في عمليات المداهمة والقمع، وتركيز جهد المقاومة علي العناصر والمعدات والقواعد العسكريـة والمؤسسات والمرافق الداعمة للمجهود الحربي الامريكي، وتفادي المدنيين بصورة عامة ولا سيما المؤسسات الانسانية والخدمية.

ثانيا، اعتماد إستراتيجية الممانعة والمقاطعة والمقاومة في مواجهة ادارة الاحتلال الامريكي والشخصيات والقوي السياسية المتعاونة معها، وضرب نطاق من العزلة عليها جميعا، وتوليد معارضة سياسية عريضة للاحتلال ولنهجه وللقوي المتعاونة معه، والعمل علي التقريب والتوفيق بين القوي الوطنية المعادية للاحتلال من اجل عقد مؤتمر وطني والتوافق علي برنامج مرحلي للتحرير والتعمير والديمقراطية، وبالتالي اقامة جبهة وطنية فاعلة لقيادة الكفاح الشعبي وتحقيق البرنامج المرحلي.

ثالثا، نسج علاقات وصلات حميمة وفاعلة مع قوي الحرية والديمقراطية والسلام المعادية للرأسمالية المتوحشة وللعولمة المتعسكرة في شتي انحاء العالم، والتعاون معها بجدية من أجل عقد المؤتمرات وتنظيم الاعتصامات وتسيير التظاهرات المعادية للاحتلال والهيمنة والقمع والافتئات علي الحريات وحقوق الانسان.

إن من شأن اعتماد هذه المناهج والوسائل توسيع دائرة الضغوط علي قوي الاحتلال والقمع والهيمنة وحمل واشنطن علي سلوك احد طريقين:

* توسيع وجودها العسكري وعملياتها القمعية ضد المقاومة العراقية الأمر الذي يؤدي الي إطالة أمد الاحتلال وتعريض القوات الامريكية والمتعاونين معها لمزيد من الخسائر البشرية والمادية. من شأن هذه السياسة بقاء الجرح العراقي نازفاً في أثناء معركة الرئاسة الامريكية، مع كل ما يجّره ذلك من انعكاسات سلبية علي بوش قد تتسبب في خسارته امام منافسه الديمقراطي.

* تسريع عملية إنتقال السلطة الي فريق السياسيين المتعاونين مع ادارة الاحتلال من أجل التعجيل في سحب قسم كبير من القوات الامريكية قبل موعد انتخابات الرئاسة لتعزيز شعبية بوش. من شأن هذه السياسة تفجير اضطرابات واسعة في العراق بالنظر الي افتقار الفريق المتعاون مع الامريكيين لدعم وطني وسياسي كافٍ في صفوف الشعب العراقي ما يؤدي الي حمل امريكا علي اعادة ادارة الاحتلال بغية إنقاذ وكلائها ومصالحها، او التعجيل في سحب ما يكون قد تبقّي من قوات الاحتلال والاقرار تاليا بالاندحار.

هكذا يتضح ان كلا الطريقين يقود الي هزيمة: هزيمة بوش في الاولي وهزيمة الولايات المتحدة في الثانية.

الكاتب السياسي الامريكي المرموق وليم بفاف عقد في صحيفة هيرالد تريبيون (3 ـ 1 ـ 2004) مقارنة بين تورط الولايات المتحدة في كل من فيتنام والعراق وانتهي الي نتيجة مماثلة. فقد ادت سياسة الفتنمة ، أي التبكير في تسليم ادارتيّ البلاد والحرب ضد ثوار الفيات كونغ للجنرالات الفيتناميين الجنوبيين المتعاونين مع قوات الاحتلال الامريكي، الي هزيمة هؤلاء وبالتالي الي هزيمة الولايات المتحدة.

ربما هذا ما ينتظر سياسة التعريق ، أي تسريع نقل السلطة الي وكلاء امريكا من العراقيين المتعاونين. ذلك ان تسليم ادارتيّ البلاد والحرب ضد المقاومة لهؤلاء الوكلاء المحتشدين في مجلس الحكم الانتقالي والاجهزة المتفرعة منه سيفضي الي هزيمة مماثلة.

الأمثولة الممكن استخلاصها من كلا التجربتين ان سياسة القوة، حتي لا نقول الارهاب، كانت أضعف من قوة السياسة.

لا حاجة لـ القاعدة ، اذاً، في اسقاط بوش!