بيع الأصول بعد بيع الدولة في مصر!
بقلم :د. أحمد
ثابت
السؤال الذي يسأله
الناس في مصر والذين تحولت حياتهم إلي جحيم ولكن يسألونه في سرهم خوفا من بطش
السلطة هو من يوقف هذا النظام الحاكم عن قراراته وتصرفاته العشوائية المستمرة التي
فاقت كل الحدود ووصلت الآن إلي حد الاستخفاف بالناس بالإعلان عن بيع الأصول
القومية المملوكة للشعب وليس لأحد غيره من أجل سداد ديون الحكومة المحلية التي
وصلت إلي 250 ألف مليون جنيه (حوالي 40 مليار دولار)، وكذلك استيلاء الحكومة علي
أموال صندوق التأمينات وعلي احتياطي مجمد في البنك المركزي كانت مصر سوف تسدده
كأقساط ديون خارجية أعفاها منها نادي باريس للدائنين واشترط صندوق النقد الدولي
عدم التصرف فيه لنفس الغرض أي سداد ديون المحروسة حكومة مصر! والأدهي والأمر أن
ترهن الحكومة المصرية مياه النيل كضمان للحصول علي قروض من البنوك ومن هيئة
التأمينات.
لماذا لا تريح
الحكومة نفسها وتعطي لكل مواطن عدة جرادل من المياه يتولي هو بيعها وهو شطارته؟
وكأن الناس هي المسؤولة عن هذه الديون التي لا نعرف بسبب التعتيم وغياب الشفافية
واستخفاف الحكم بالناس أين صرفت، معني ذلك أن البلد علي وشك الإفلاس مثل المفلس
الذي لا يجد سوي بيع هدومه أو حتي بيع دمه، ومعني ذلك أيضا في غالب الأحوال أن
رئيس الوزراء لم يقدم علي الإعلان عن هذه النية في بيان حكومته الأخير إلا بعد أن
حصل علي موافقة رئيس الجمهورية، وقد قلنا مرارا أن السيد الرئيس ينبغي أن يتسع
صدره لما يراه الناس منه صراحة المسؤول الأول عن هذه السياسات المرتجلة التي تنظر
تحت أقدامها فقط ولا تنظر حتي إلي السنة القادمة ولم يعد مقبولا القول بأن ما يحدث
هو أخطاء الوزراء ورئيسهم لأنه هو الذي يعينهم ويقيلهم ويضطر دائما للدفاع عنهم
وهم يتعمدون تحقيرنا وتخويفنا بأن هذه توجيهات وتعليمات الرئيس. وأرجو مثل ملايين
غيري أن ينفي السيد الرئيس عن نفسه كلاما مستمرا منذ توليه الرئاسة يردده الناس
بأن الرئيس مبارك يفعل عكس ما يريده الناس ولا يقبل من أحد أن يفرض عليه شيئا. ومن
تصريحات الرئيس الكثيرة التي نأخذها مأخذ الجد أنه يتصل بالمواطنين ويراعي البعد
الاجتماعي والاهتمام بهموم الناس نقول أنه آن الأوان أن يقوم الرئيس بسلطاته
وصلاحياته الهائلة وعبر استشارة عقلاء البلد وعقولها الوطنية ومجتمعها المدني
بإنقاذ نظامه الحاكم نفسه وإنقاذ البلاد وأن يجعل من هذا الهدف محور ما تبقي له في
الرئاسة وهو نحو عام ونصف. ونرجو من الرئيس أن يقرر الآن والآن فقط هل يضحي
بالبلاد ولا يقبل أي نقد لسياساته وتصرفات وزرائه ورئيسهم لأن هؤلاء قطط وديعة
تجمّل الصورة ويقولون نعم وحاضر وسمعا وطاعة أم يقبل بمؤتمر وطني موسع يقرر مستقبل
البلاد علي أساس تحول ديمقراطي فعلي وبحيث يحل هذا المؤتمر محل كل من مجلس الوزراء
والبرلمان. وبصراحة لقد أوصلت سياسات النظام الحاكم البلاد إلي وضع أسوأ بمراحل
مما كان قبل ثورة يوليو: تدهور في معظم الميادين، ديون خارجية ثلاثين مليار دولار،
ديون داخلية علي الحكومة حوالي أربعين مليار دولار، صادرات لا تزيد عن 2,5مليار
دولار واردات أكثر من 15 مليار دولار، دخل المصري البسيط الذي يعمل أقل من 120
جنيها شهريا، ستة ملايين عاطل..الخ. ولا نريد بالطبع أن ينتج عن هذه الأزمة كارثة
اجتماعية وسياسية بخروج الناس بشكل عشوائي إلي الشوارع ودون تنظيم يؤدي إلي تخريب
وتدمير. وأرجو ألا يقتنع الرئيس بنصائح ومعلومات بعض وزرائه ومعاونيه بأن أجهزة
الأمن والمباحث قادرة عند اللزوم علي القمع والتخويف وحسم الأمور، لأن الأمور إذا
انفلتت لن تستطيع أجهزة الأمن ولا مباحث أمن الدولة أن تعالجها.
وقلنا مرارا أن السيد
الرئيس الذي حسم أخيرا موضوع توريث الحكم ونفي أية نية لذلك مطلوب منه الآن أن
يتدخل بصراحة وشجاعة لإنقاذ البلاد من التدهور السريع المروع وألا يترك الأمور
تجري بمنطق عيشني النهاردة وموتني بكرة !!. الصورة العامة عند المواطن هي أن الحكم
يتصرف بمنطق ربنا يعدي اليوم علي خير و احنا أحسن من غيرنا ، مع أن غيرنا ثلاثة
بالله العظيم ياإخواني في العذاب والبادنجان صار أحسن منا بمراحل، متوسط دخل
الإسرائيلي 18 ألف دولار سنويا ومتوسط دخل الأردني حوالي ثلاثة ألاف دولار ومتوسط
دخل السوري ألف دولار ومتوسط دخل المصري لا يزيد عن ثلاثمائة دولار سنويا فقط. وقد
أدي هذا المنطق إلي كوارث متواصلة عاصفة لعدم وجود سياسة محددة مخططة وللضعف
الشديد لأجهزة ومؤسسات الدولة والتي تحولت إلي تصرفات يومية للسادة القائمين
عليها، الاعتماد علي الاقتراض من الخارج صار اسطوانة مشروخة بعد أن بلغت ديون
البلاد حد الخطر، هل يتكرم الرئيس مبارك بسؤال رئيس وزرائه عن سبب رفض الدول
المانحة التي تعهدت في مؤتمر شرم الشيخ بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 علي مصر بإقراض
مصر 2 مليار دولار إقراضها هذا المبلغ لتأكدهم من عجزها عن السداد. وهل نسأل
الرئيس مبارك عن سبب تخصيص أمريكا مبلغ 300 مليون دولار فقط لمصر تعويضا عن
خسائرها الهائلة نتيجة عدوان أمريكا علي العراق واحتلالها له وهل نسينا ديون مصر
علي العراق ولا تقل عن 2 مليار دولار، ولماذا سكت الحكم عن توقف حجم كبير من
صادراتنا إلي العراق بسبب العدوان والاحتلال الأمريكي؟
منطق البحث عن حل
عاجل لسداد ديون الحكومة الذي سيوصلها قريبا إلي حد استدانة الحكومة لدفع مرتبات
موظفيها لا ينفع ومنطق سد الخانة و لبس طاقية هذا لهذا أدي في أشهر قليلة إلي
كوارث متتابعة: سقوط طائرة مصرية مملوكة للقطاع الخاص في مياه البحر الأحمر ومن
قبل تحطم طائرة مملوكة لمصر للطيران فوق مرتفعات علي الحدود التونسية الليبية،
إصابة عدد من اللاعبين بالحمي الصفراء والملاريا أثناء دورة الألعاب الإفريقية في
نيجيريا، ارتفاع أسعار مواد الطعام إلي حد فلكي من أول الفول والطعمية إلي العدس
والجبنة والفاصوليا والبصل واللوبيا وتحول الرغيف إلي مسخوط.
المأساة الحقيقية هي
أنه لم يحاسب أي وزير عن هذه الكوارث وسارع مجلس الشعب إلي وضع كل الاستجوابات
والأسئلة وطلبات الإحاطة في الدرج، بل عادة ما يشكر المجلس الوزير أو رئيس الوزراء
علي جهوده العظيمة بعد انتهاء الاستجواب إذا قبل رئيس المجلس مناقشة الاستجواب، في
سابقة لم تحدث في أي برلمان محترم في العالم، ويبدو أن المجلس يريد أن يعوض
الوزراء ورئيسهم عنا لأننا ناكرين للجميل ولتفضل هؤلاء علينا بالعمل في مواقعهم. وأتذكر
مقالا لعمنا الراحل رغم خلافنا معه الأستاذ فيليب جلاب عندما كتب في جريدة الأهالي
عن السادة الوزراء الأباطرة الذين يعتبرون من يطالبهم بالاستقالة علي أنها جريمة
وكان المقال بعنوان جريمة الاستقالة ، الآن الوضع أكثر مأساوية فالوزير أو رئيس
الوزراء حتي لا يعتذر عن أخطائهم المروعة ولا يأمر أي منهم بأي تحقيق في دلالة
واضحة علي الاستخفاف بالناس، ومن هنا يمكن أن نتحدث عن جريمة الاعتذار . وكأن
الناس قطيع من الأغنام والعياذ بالله لا قيمة لهم وكان الشاعر الكبير عليه رحمة
الله نزار قباني بعد غزو إسرائيل للبنان عام 1982 تخيل الشعب العربي أغناما تقدم
طلبا وقعت عليه بحوافرها في مقال بعنوان نحن الموقعين أدناه بحوافرنا !!
نأتي إلي صلب الموضوع
وهو أنه لو كانت هناك محاسبة ومساءلة برلمانية وشعبية لسياسات الرئيس مبارك ورقابة
برلمانية وجماهيرية علي قراراته وتصرفات نظامه لما آل الوضع إلي هذه الحالة
الكارثية. وعلي الرئيس أن يبادر لإنقاذ البلاد إلي تعديل الدستور أو حتي التوافق
مع عقلاء البلد الخائفين عليها علي مجموعة مباديء لحكم البلاد بعد نهاية رئاسته
الرابعة عام 2005 لا تجعل الرئيس ينتخب فقط من بين عدة مرشحين مع إلغاء دور مجلس
الشعب في الترشيح، بل يكون رئيس الجمهورية محدود السلطات وعليه رقابة محددة من قبل
مجلس الشعب والمؤسسات السياسية وغير الحكومية والمجتمع المدني. فالواقع أن سلطات
رئيس الجمهورية كما هي في الدستور هي سلطات ملك يملك ويحكم.
ونستمر في صلب
الموضوع ونسأل من قال أن أصول وممتلكات الدولة من قطاع عام ومصالح وهيئات ملك
للحكم هل ورثها لا سمح الله، ومن جعل الحكم يصل إلي هذه الجرأة والتجرؤ علي المال
والأصول والأملاك العامة حتي يعرضها للبيع ولمن ياوالدي يامبجل؟ لهيئة التأمينات
والمعاشات؟ ومن أعطي لرئيس الوزراء ووزير ماليته الجرأة والسلطة حتي يستوليان علي
التأمينات والمعاشات التي تخدم حوالي 8ـ10 مليون بني آدم علي المعاش وأكثر من 15
مليون يعملون في القطاعات الحكومية والعامة والخاصة، بل ويزعم المسؤولون أن هذه
أموال حكومية مثلها مثل أموال بنك الاستثمار القومي، ومن قال أن أموال البنك ملك
للحكومة؟ إنها ودائع لشركات القطاع العام التي هي ملك للشعب وليست عزبة السيد نظام
الحكم. ما جعلني أضحك حتي انبطحت أرضا أمران يا إخواني في الهم والعذاب: الأول أن
الحكومة كي تسرق أموال التأمينات كانت تنوي طرحها في البورصة وكأن هذه الأموال
أسهم وسندات شركة تجارية، والثاني أن الحكومة تريد حتي تبرر سرقتها لهذه الأموال
التي تزيد عن 200 مليون جنيه وحتي تنطلي النكتة علينا بيع بعض الأصول العامة مثل
الشركة المصرية للاتصالات أو هيئة النقل العام لوزارة التأمينات والشؤون
الاجتماعية!! وكأن الوزارة شركة خاصة أو تاجر!!
يجب علي الحكم أن
يبحث عن أموال البلاد المنهوبة في الداخل والخارج من أجل سداد ديونه الخارجية
والداخلية، ولا يجب التحجج مثلا بأن الأموال الموضوعة في بنوك سويسرا وغيرها هي
ملك لأصحابها فمعظمها عمولات سرية ورشاوي ومن نتيجة نهب المال العام، ولنعطي مثلا
وهو رئيسة الفلبين التي جاءت بعد الإطاحة بالحاكم السابق الدكتاتور ماركوس والتي
طالبت بنوك سويسرا برد ثروات ماركوس إلي الشعب الفلبيني، وبالفعل استجابت هذه
البنوك وردت غالبية الودائع السرية لماركوس. هناك أيضا ضرورة اعتقال أي رجل أعمال
لا يسدد قروضه للبنوك ولو وصل الأمر إلي تصفية كل أعماله حتي يسدد القروض، أمريكا
أكبر دولة رأسمالية ألقت القبض علي عدنان خاشقي المليادير السعودي حتي سدد كل ما
عليه من ديون.