حل السلطة الفلسطينية

 

 

 

بقلم :محمد كريشان

 

بشكل خاطف ودون توضيح أو تفصيل، أشار مؤخرا ياسر عبد ربه عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والوزير السابق إلي أن مسألة حل السلطة الوطنية الفلسطينية القائمة منذ 1994 تبقي أمرا واردا.

مثل هذا الخيار لم يقع الخوض فيه إلا لماما وأساسا في الذكري الثالثة للانتفاضة ومن قبل محللين ومعلقين فلسطينيين وإسرائيليين ولكنها المرة الأولي، ربما، التي يشير فيها مسؤول فلسطيني إلي ذلك حتي وإن كان بأسلوب عابر سريع. ولعل الأمر يعود الآن إلي الانسداد الكامل لأية آفاق تسوية مهما كانت مع حكومة شارون الذي لا يقبل بغير الاستسلام الكامل للفلسطينيين أو قبولهم بما يفرضه عليهم من ترتيبات أحادية الجانب بعد أن أحكم تعليبهم وراء جدار عنصري ناهب للأرض وممزق لتواصل أبناء الضفة الغربية ومنغص لحياتهم ومعطل لموارد رزقهم.

حل السلطة هو بالنسبة إلي بعض الفلسطينيين مخرج من الطريق المسدود وبالنسبة إلي الإسرائيليين كابوس حقيقي لكن حكومتهم ليست مرعوبة منه الآن لأن لا شيء يدل في الوقت الراهن علي احتمال تحوله قريبا إلي قرار فلسطيني رسمي. المدافعون عن هذا الخيار من الفلسطينيين يقولون إن حل السلطة سيجعل الاحتلال الإسرائيلي مباشرا، دون أدني ملطّــفات، لتعود القضية متوهجة دوليا علي أنها قضية احتلال و قمع شعب وتهجيره وليست خلافا علي تفاصيل هنا وهناك بين السلطة وإسرائيل كما أن الولايات المتحدة أو إسرائيل لن يستطيعا بعده أن يفرضا زعيما علي الفلسطينيين أو رئيس وزراء أو حتي مجرد محافظ أو رئيس مخفر شرطة، فضلا عن أن إسرائيل لن تستطيع عندها أن تعلق تلكؤها في تنفيذ التزاماتها علي شماعة السلطة ومدي إقدامها عن تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها لا سيما محاربة الإرهاب وغيره.

ويضيف المدافعون عن هذا الخيار أن اتفاقية أوسلو انتهت ومعها انتهت السلطة التي عليها الانسحاب لإفساح المجال لإحياء منظمة التحرير وعاء وطنيا لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات في حين تكمن الضربة الكبري لمثل هذا القرار في جعل إسرائيل في الموقع الذي تبغضه تحديدا فهي لا تريد تحمل مسؤولية شعب تحت الاحتلال المباشر وبالتالي يحظي بشرعية الكفاح ضده بكل الوسائل فالمقاومة عندها ستعود إلي خانتها الطبيعية وتخرج من العباءة القسرية التي وضعت فيها في صورة طرف لا يحترم تعهداته ويخرب التوصل إلي تسوية.

بالنسبة إلي الحكومة الإسرائيلية، لا شيء يدل، علنيا علي الأقل، علي قلقها من مثل هذا المآل وحتي عندما تصدي بعض الكتّاب الإسرائيليين لتحليل بعض ما تعنيه مثل هذه الخطوة المفترضة لم يركزوا سوي علي التكلفة الاقتصادية ربما لأنهم لم يعودوا يقيمون وزنا كبيرا لباقي أنواع التكلفة من سياسية دولية أو أمنية أو بشرية... ففي واحد من المقالات اليتيمة التي تناولت الموضوع كتب في بداية تشرين الاول (اكتوبر) الماضي يهودا ليطاني في يديعوت أحرونوت متسائلا في بدايته ماذا يحصل إذا أعلن ياسر عرفات ذات يوم عن حل السلطة الفلسطينية؟ ليمضي بعد ذلك في تعداد الأعباء المنتظرة علي إسرائيل كاضطرار الجيش الإسرائيلي إلي البقاء هناك لزمن غير محدد مما يعني أن عليه أن يقوم بــ حماية رجال الحكم الإسرائيلي الذين سيتولون مسؤولية إدارة جهاز التعليم والإغاثة والمواصلات والمياه والكهرباء والبلديات مع ما يعنيه ذلك طبعا من إيجاد التمويل اللازم لهذا النشاط المدني الذي قدره بعشرة مليارات شيكل إسرائيلي في السنة فضلا بطبيعة الحال عن التكلفة السياسية والعسكرية سواء المالية والبشرية.

طبعا إقدام السلطة علي حل نفسها ليس قرارا سهلا ولا يجب استسهاله أيضا ولكنه يحتاج منها علي الأقل لوقفة تفكير وتحليل فلعل الأمر يصلح علي الأقل التلويح به ورقة رادعة لأن قلب الطاولة علي الجميع وإعادة حقيقة الصراع إلي أصلها دون تضليل أو تزييف قد يجبر واشنطن وحليفتها أن تصليا استجداء لعودة السلطة لأن اختفاءها القسري والمفاجئ سيفتح أبواب الجحيم علي الجميع ولكن عليهما تحديدا دون غيرهما.