يغتالون عقل الامة وذاكرة حضارتها
بقلم : فؤاد
الشرع
بعد نهب وسرقة اثار
المتاحف في بلاد الرافدين يتم الان وباسلوب منهجي استهداف العلماء العراقيين وذلك
باغرائهم بميزات الهجرة ومنح الجنسية وملاحقة الرافضين بالتضييق عليهم والعمل على
تصفيتهم في نهاية المطاف.
هذه النخبة المتميزة
من العلماء ليست قوة سياسية من تركة اي نظام ولكنها ثروة للأمة كلها، هي عقلها
المبدع وادراكها المتميز ووعيها الخلاق.
والعمل على تعطيل دور
العلماء من ساحة القدرات العلمية الانسانية هو اعتداء مقصود على كينونة العرب
الحضارية واغتيال متعمد لعقل الامة التي يريدونها ان تظل على هامش حركة التاريخ
ليست مسلوبة الارادة السياسية فحسب، بل مغيبة عن فعل ما يمكنها من المساهمة في
الانجاز الحضاري الانساني المعاصر.
وغض النظر عن سارقي
شواهد الحضارة الانسانية في عاصمة الرشيد خلال احتلالها كان تجسيدا لانكار اي دور
تاريخي لأمتنا في مسيرة التمدن البشري.
ان اغتيال عقل الامة
بملاحقة علمائها ومحو ذاكرة مشاركتها في الماضي بسرقة موروثها من الحقب السابقة،
يؤكد مقولة استهدافنا حضاريا والطروحات الخاطئة لهنتنجتون في صراع الحضارات ورؤية
فوكوياما في نهاية التاريخ والانسان الاخير، وكل ذلك يمثل ما حذر منه العديد من
المفكرين الشرفاء في الغرب بأنه ترجمة للوجه البشع لافرازات العولمة وهيمنة الرؤى
المغلوطة للقطب الواحد الذي يريد ان ينشر كل هذه الفوضى السياسية على كامل كرتنا
الارضية من خلال مفاهيم الحرب الاستباقية تحت ذرائع التصدي للارهاب ونشر
الديمقراطية.
نحن لا نتفاخر عرقيا
بانجازاتنا في تراث الامم السابقة لكن من حقنا ان نتباهى انسانيا بحمولتنا
الحضارية التي اضاءت للدنيا مشاعل للتطور في جميع ميادين العلم والمعرفة وما تضمه
مراكز الدراسات والأبحاث في جامعات باريس وواشنطن ولندن وموسكو اليوم من آلاف
المخطوطات العلمية «العربية الاسلامية» المحققة وغير المحققة لخير دليل على دورنا
الحضاري الانساني.
قد اكون من اولئك
الذين يكرهون الاتكاء على التراث ولكن عندما تصل السكين منك الى مقتل، فمن حقك ان
تثبت هويتك الانسانية التي هي بالتالي مرجعية امتك المعرفية، وان لا ترعبك مقولات
جلد الذات بأننا لا زلنا نتكىء على الماضي وخارج اطار المساهمة الحضارية الانسانية
دون تحليل هذه المقولات وتسليط الضوء على ابعادها المختلفة فنحن لسنا ابناء صدفة
تاريخية او طارئين على مسار الزمن بل كنا الفاعلين في جوهر انطلاقته والحركة
الواعية في كينونته.
لا زالت تدوي في
الخاطر صرخة ذلك المواطن العراقي الذي استضافته احدى الفضائيات العربية قبل ايام
ماضية، والتي ناشد من خلالها الامة كلها والجامعة العربية على وجه الخصوص للاسراع
بانقاذ هؤلاء العلماء مما يراد بهم من سوء فهم للأمة كلها وليسوا للعراق وحده.
كنا نود ان تكبر هذه
الصرخة الغيورة لتصبح مساحتها صرخات مدوية يصل مداها الى مسامع ذوي المقدرة على
صنع القرار لاتخاذ ما يمكن اعتباره واجبا قوميا ساميا لتوظيف هذه القوة العلمية في
تقدم الامة ونهضتها.
عدم اكتراث الامة بهذه الثروة العلمية البشرية
من العلماء وتركهم لقمة سائغة للساعين لالغائنا الحضاري، هو اما الجهل بقيمتهم او
المشاركة مع الاخرين على وأد هذا العقل الذي انار فكرا ونورا ومعرفة على مر
الاجيال.
كنا نتمنى على
الجامعة العربية ان تبادر الى تبني رؤية ما لقضية هؤلاء للمحافظة على الاثار التي
نهبت وسرقت من المتاحف العراقية.
ويقينا ومن مخزون
الاحباط الذي يسود وجداننا القومي على جميع الاصعدة السياسية والاجتماعية
والثقافية، فلا بد من القول ان اية جهة على امتداد خارطة هذا الوطن العربي الكبير
لن تقوم بأي مبادرة لفعل اي شيء يمكن من خلاله انقاذ هذا الكنز الثمين من الضياع.
وسيتوزع هؤلاء
العلماء في بلدان العالم المختلفة «وقد بدأوا فعل ذلك من خلال استقطاب دول المراكز
الحضارية لهم» يساهمون في تقدمها وازدهارها، وسيصبحون مع الزمن جزءا من النسيج
الاجتماعي لتلك البلدان، وستبقى في ذاكرتهم وذاكرتنا نحن ايضا مشاعر التنكر لفلذات
اكباد هذه الامة الذين عبر استثمار ما تحمله عقولهم يمكننا ان نؤسس لمشروعنا
الحضاري الذي لا زال قيد الاحلام، فهل نحن امة استمرأت الهزيمة في كل ميدان؟ وهل
سنبقى في الزاوية التاريخية المهملة التي وضعنا معالمها بأنفسنا؟ ام نحن قادرون على
النهوض من كبواتنا من جديد؟ فلعل القادم من الزمن وبعد التخلص من بواعث الضعف
والوهن والانكسار يثبت للعالم بأننا كنا خيرة امة اخرجت للناس ولا نزال وسنبقى
ولكن ليس عبر مفاهيم الهيمنة وقهر الشعوب ولكن عبر منظومة القيم السامية التي
اكرمنا الله بها والتي نعتز بالانتماء اليها.