مواجهة الديمغرافيا بالجغرافيا
بقلم : حافظ
البرغوثي
اسرائيل تعاني من
نفاذ مخزون المهاجرين اليهود.. وبدأ كابوس التفوق الديمغرافي الفلسطيني يقض
مضاجعها، رغم فتحها باب الهجرة أمام المسيحيين من دول الاتحاد السوفياتي السابق. فالتقديرات
تشير الى تفوق سكاني عربي في حدود فلسطين التاريخية خلال عشر سنوات. فعدد اليهود
حاليا يبلغ قرابة 5،2 مليون مقابل 4،9 مليون عربي. وهذا يعني أنه مع الزيادة
السنوية السكانية المرتفعة لدى الفلسطينيين سيكون اليهود أقلية ولهذا ظهرت أصوات
تحذر من الخطر الديمغرافي العربي في مؤتمر هرتسليا الذي عقد الشهر الماضي. وفي
مؤتمر الوكالة اليهودية الذي عقد في القدس في شهر نوفمبر الماضي حيث بحث مسؤولون
اسرائيليون في كيفية استعادة قرابة 750 الف اسرائيلي هاجروا الى دول الغرب ويحملون
جنسية مزدوجة ولا يرغبون في العودة.. وطرحت عدة أفكار لاقناعهم بالعودة في
الانتخابات على الأقل لايجاد توازن مع اصوات الناخبين العرب الذين يحملون الجنسية
الاسرائيلية.. كما طرحت أفكار لجلب مهاجرين غير يهود إذا رغبوا في التهود وصدرت
فتاوى دينية يهودية تتيح التهويد.. فالحاخامات كانوا يرفضون التهويد ويرفضون
اعتبار حوالي نصف المهاجرين من الاتحاد السوفياتي السابق يهوداً. وظل قرابة 300
ألف من المهاجرين مسيحيين وتم وضع خطط لتهويدهم. وبدأت السياسة الاسرائيلية في
استغلال أية احداث ضد اليهود في دول اوروبا الغربية وأميركا اللاتينية لإقناع
الجاليات اليهودية بالهجرة. وبرز ذلك بشكل كبير في فرنسا حيث جاهر السفير
الاسرائيلي بدعوة يهود فرنسا وعددهم قرابة 300 الف نسمة الى الهجرة بحجة تنامي
العداء لليهود في فرنسا. وهذا يعيدنا الى أحداث سابقة نفذت فيها المخابرات
الاسرائيلية قبل وبعد قيام اسرائيل هجمات ارهابية ضد اليهود في مصر والعراق
والمغرب لاجبارهم على الهجرة المكثفة الا أن مسؤولين في منظمات يهودية فرنسية
انتقدوا تصريحات السفير الاسرائيلي، فهي تندرج في اطار الحملة المحمومة للحكومة
الاسرائيلية لجلب مهاجرين من مناطق جديدة بعد أن نفد مخزون دول الاتحاد السوفياتي
السابق من اليهود وبعد توجه كثير من اليهود الى المانيا والولايات المتحدة بدلا من
اسرائيل.
المأزق الديمغرافي
الاسرائيلي لن يجد حلا على المدى المنظور فرغم الاغراءات المادية التي تقدم
للعائلات الاسرائيلية كثيرة الاولاد واستقبال مهاجرين غير يهود ومواصلة الغرف من
بحر الهجرة الاثيوبي باقناع فقراء وجوعى اثيوبيين بأنهم يهود دون أن يدروا.. إلا
أن موسم الهجرة الى اسرائيل بدأ في الأفول.. فالشعار الذي رفعه شارون دوما أي جلب
مليون مهاجر لم يتحقق.. ومن قبله اعلن اسحق رابين عندما كان وزيرا للدفاع في حكومة
اسحق شامير إبان الانتفاضة الاولى أنه لو كان لديه مليون مهاجر لما فكر في
الانسحاب من أي جزء من الضفة الغربية.. لكن شارون ليس براغماتيا مثل رابين ويحاول
الحد بطريقته من الخطر الديمغرافي العربي الفلسطيني، فالجدار الاستيطاني هو في
النهاية محاولة لحصر الفلسطينيين داخل نطاق ضيق لمنع تكاثرهم السكاني والعمراني
ومصادرة اراضيهم.. وخطته التي اعلنها للانفصال عنهم تدور في الاطار نفسه فهو أمام
نقص المهاجرين لا يستطيع نشر مستوطنين في كل أركان الضفة. ولهذا ارتأى مواجهة
الديمغرافيا بالجغرافيا أي مصادرة الارض كإحتياط استراتيجي استيطاني على أن يتم
استيطانها لاحقا، والتخلص من اصحاب الارض. والشيء نفسه يفعله في الجولان المحتل،
فهو لا يريد اقامة مستوطنات فقط بل مناطق سياحية وصناعية لاغراء الاسرائيليين على
الانتقال الى الجولان.
المشروع الاستيطاني
الصهيوني يواجه أزمة في الهجرة.. لكن الآلة الدعائية الاسرائيلية عادة تجد الحلول
الغريبة.. من حيث اختلاق ظروف سياسية ومعيشية تجبر جاليات يهودية على الهجرة.. أو
إقناع قبائل إثيوبية بأنها يهودية الجذور، أو العثور على قبيلة في الهند أصلها
يهودي.. أو إدعاء بعض الاسرائيليين بأن بدو النقب هم يهود أصلاً إعتنقوا الإسلام..
أو كما تم الترويج له بأن قبائل البشتون الأفغانية هي من القبائل اليهودية الضائعة
التي يجب اعادتها الى الديانة اليهودية.. وربما سنسمع عن اكتشاف قبيلة صينية عددها
خمسون مليونا من أصول يهودية. وهذا لن يحدث الا إذا أراد جنرالات اسرائيل تنفيذ
مشروع اسرائيل من الفرات الى النيل. فكل شيء جائز طالما أن الدعم الاميركي جاهز
والنظام العربي عاجز.