الفتنة تطل برأسها في العراق
بقلم :فهمي
هويدي
من الأسف أن أخبار
العراق في الأيام الأولى للسنة الجديدة لا تستبعد ذلك الاحتمال، بل جاءت برهاناً
على أن شبح الفتنة طل بالفعل من كركوك التي تجسد تركيبتها السكانية المليونية
المجتمع العراقي كله. حيث يتعايش في رحابها السنة والشيعة والأكراد والتركمان
والمسيحيون والكلدان والأشوريون. ولكن لأنها محافظة نفطية متميزة وواعدة، محل شد
وجذب بالدرجة الأولى بين الأكراد من ناحية، وبين العرب والتركمان من ناحية ثانية،
فالأكراد يريدون ضم كركوك إلى المحافظات الكردية الثلاث «أربيل والسليمانية ودهوك»،
التي منحت حكماً ذاتياً في عام 1970، وخرجت فعلياً عن سيطرة الحكومة العراقية
المركزية في عام 1991 «بعد تحرير الكويت»، حيث تولى ادارتها الحزبان الكرديان
التقليديان اللذان يقودهما مسعود برازاني وجلال طالباني. لكن هذا المطلب الكردي
المثار منذ السبعينيات قوبل بمعارضة من جانب النظام السابق. لأن المحافظة تضم
أجناساً وأعراقاً أخرى، حيث يرفض العرب والتركمان ذلك الالحاق، ولا ينسى في هذا
الصدد أن تركيا ـ الجارة ـ تحتفظ بعلاقات قوية مع الأحزاب التركمانية في كركوك،
التي لا تخفي استقواءها بالذراع التركية العسكرية والسياسية والمالية. وهو ما دعا
الأكراد من أعضاء مجلس الحكم الانتقالي إلى الاعتراض بشدة على المطالبة الأميركية
باستقدام قوات تركية ضمن القوات متعددة الجنسيات، التي أنيطت بها مهمات حفظ الأمن
في العراق. وهو ما دعا واشنطن وأنقرة إلى التراجع تجنباً لاحتمالات تفجير عنف جديد
في المنطقة.
بعد سقوط النظام
السابق تجددت مطالبة الأكراد بأمرين: تطبيق النظام الفيدرالي في البلاد، ثم ضم
كركوك إلى المنطقة الكردية. والمطلب الأول كان ضمن قرارات مؤتمرات المعارضة
العراقية التي عقدت في السابق خارج البلاد، وهو لا يزال محل جدل داخل مجلس الحكم
الذاتي. أما المطلب الثاني فقد تبنته وتكفلت بإشهاره التظاهرات الكردية التي خرجت
في كركوك.
سمعت من أحد أعضاء
مجلس الحكم أن الاتجاه الغالب بين أعضائه يؤيد فكرة الفيدرالية، ولكن بصيغة أخرى
غير التي يتطلع إليها الأكراد. فهم يفضلون فيدرالية تخضع لها جميع المحافظات
الثماني عشرة في البلاد، تقوم على أساس اقليمي وجغرافي وليس عرقياً. في حين أن
المطلب الكردي يتمسك بالأساس العرقي ويريد أن تدخل المحافظات الكردية الثلاث «وكركوك
ان أمكن» في علاقة فيدرالية مع الدولة العراقية. وحين عرض الاقتراح الأول في أحد
الاجتماعات فإن السيد جلال طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني انفعل وقال ان
فكرته تعود بالأكراد إلى الوراء إلى ما قبل ثلاثين عاماً، وتسلبهم حقاً حصلوا عليه
من الطاغية «يقصد الحكم الذاتي الذي منح للمنطقة الكردية في عام 1970 في عهد
الرئيس السابق صدام حسين».
تجاوز الأمر حدود
الجدل داخل المجلس الانتقالي، لأن الحماس والتوتر انتقلا إلى الشارع على نحو آخر. وقد
سجلت جانباً منه برقية بثتها وكالة الأنباء الفرنسية في اليوم الأخير من العام
المنصرم ذكرت أن مدير مستشفى كركوك العام هاشم محمد صرح بأن ثلاثة عراقيين قتلوا
وجرح 31 آخرون، واحد منهم في حالة خطرة من جراء رصاص أطلقه مقاتلون أكراد «بشمركة»
على متظاهرين كانوا يحتجون على مشروع الفيدرالية الذي قدمته المجموعة الكردية في
مجلس الحكم الانتقالي.
وقال الطبيب ان «المستشفى
كان تسلم جثتي قتيلين ونقل إليه 24 جريحاً ستة منهم في حالة خطرة أجريت لهم جراحات
مات على أثرها شخص آخر فأصبح عدد القتلى ثلاثة أشخاص».
وأضاف: «تم احضار
ثمانية جرحى آخرين فأصبح عدد الجرحى الكلي 31 جريحاً».
وأوضح أحد الجرحى
ويدعى علي حسين محمد، 19 عاما، «أن سبب اطلاق البشمركة النار هو ترديد المتظاهرين
شعارات فيها شتائم ضد الأكراد مما دفعهم إلى اطلاق النار»، مشيراً إلى أن بين
الهتافات التي رددها المتظاهرون شعارات فيها شتائم ضد الأكراد مما دفعهم الى اطلاق
النار مشيراً إلى أن بين الهتافات التي رددها المتظاهرون «لا إله إلا الله كردستان
عدو الله».
قال مسؤول الشرطة في
المدينة ان الاشتباكات حدثت حين تجمع حوالي ألفي متظاهر أمام مبنى المحافظة مرددين
هتافاتهم ومعربين عن احتجاجهم، ففتح المقاتلون الأكراد النار عليهم، وأوضح المسؤول
الأول في الاتحاد الوطني الكردستاني ان مجموعة من المتظاهرين توجهت إلى مقر
الاتحاد قرب المحافظة، مما أدى إلى اشتباكات بينهم وبين عناصر البشمركة التي أطلقت
النار باتجاههم وفي الهواء لابعادهم. وطالبت المجموعة العربية والتركمانية في
ادارة مدينة كركوك من الادارة المدنية الأميركية بفتح تحقيق حول الحادث، لمعرفة
حقيقة ملابساته ومحاسبة المسؤولين عن اطلاق النار، حتى لا تتكرر المشكلة مستقبلاً.
لم تتوقف الاشتباكات
للأسف، ولكنها استمرت بصورة منقطعة، حتى نقلت الأنباء في يوم «1/3» أنه عثر على
جثتي كرديين في وسط كركوك قتلا طعناً، كما تم إلقاء قنبلة على منزل عضو عربي في
مجلس المحافظة وأصيب مقر الحزب الوطني التركماني برصاص مجهول المصدر.
وهذا نموذج نمطي متكرر
على مدار أيام الأسبوع.
الذين زاروا كركوك في
الآونة الأخيرة يقولون انها أصبحت تنفرد بمشهد لا مثيل له في أي مدينة عراقية
أخرى، يتمثل في قيام الأحزاب الكردي والتركماني والكلداني والأشوريين برفع أعلامهم
الخاصة فوق مقارهم وفي مظاهراتهم، في حين أن العرب الشيعة والسنة يرفعون علم
العراق.
إلى جانب القنبلة
العرقية الكامنة في الشمال، فالقنبلة المذهبية موجودة في الوسط والجنوب، ذلك أن
قضية الشيعة والسنة وحظوظ كل منهما في الوضع المستجد، ما زالت تشيع قدراً لا
يستهان به من التوتر، المسكون بدرجة عالية من الخوف والتوجس في الجانب السني على
الأقل، وفي الأسبوع الماضي ظهر التيار السلفي على السطح حيث اجتمع حوالي 500 من
أنصاره في أثناء صلاة الجمعة بأحد مساجد العاصمة «مسجد ابن تيمية»، وعبروا عن
مشاعر الغضب ازاء اعتقال أحد شيوخهم مع 20 من أنصاره، ثم تطور اللقاء إلى دعوة
لإنصاف أهل السنة باختيارهم «الأكثر عدداً والأقوى شوكة».
وإذا كان للسلفيين
موقفهم الأكثر حساسية ازاء الشيعة، إلا أن ذلك لا ينفي أن ثمة قلقاً مشهوداً في
أوساط عموم أهل السنة، الذين يستشعرون أنهم غبنوا أكثر من مرة في ظل الوضع المستجد.
مرة حين حاول البعض نسبه صدام حسين اليهم واتهامهم بموالاته وهو الذي لم يدخل أياً
من مساجد السنة طيلة 30 عاماً من حكمه. ومرة ثانية لمعاملتهم كأقلية عددية في
العراق. وهو ما حرص الدكتور محسن عبد الحميد أحد ممثلي السنة في مجلس الحكم على أن
يردده في حوار نشرته له «الشرق الأوسط» في 1/1 قال فيه ان أقلية السنة في العراق
كلام يرفضه أي عاقل في العراق. فإذا جمعنا سكان ثلاث محافظات سنية فقط هي الموصل
وصلاح الدين والأنبار، لفاق عددهم كل الشيعة في العراق. وبعد أن ذكر أن هذا موضوع
لا يجب الحديث فيه بطريقة النسب، فإنه تمنى أن يتم التركيز على أن نسبة المسلمين
في العراق 95%، بدلاً من المجادلة في نسب الشيعة والسنة.
ثمة تفاصيل كثيرة في
هذا الصدد، تنصب على ممارسات الغلاة على الجانبين الشيعي والسنة، التي يحاول بعض
العقلاء من الطرفين كبحها وتجاوزها بمختلف أساليب التهدئة والتسكين. لكن ذلك وان
مرر الأزمات إلا أنه لا يلغي حقيقة وجود مصدر لها لم يعالج بعد.
ان أهل السنة يحاولون
اقامة مرجعية لهم، تمثل تياراتهم الرئيسية، وتكتسب شرعية، ولم ينجح المتطرفون في
افشاله، فقد يكون عنصر تهدئة يمتص بعضاً من مظاهر الغضب والتوتر، أما اذا لم ينجح
وتفجرت القنبلة المذهبية من ناحية، اضافة إلى القنبلة العرقية من جانب آخر، فعلى
العراق «الجديد» السلام!.
لا يفوتنا في هذا
السياق ان نذكر ان سلطة الاحتلال هي التي مهدت لإذكاء الحساسيات المذهبية
والعرقية، لأنها جعلتها أساساً ومعياراً للتمثيل في مجلس الحكم الانتقالي الذي
شكلته. وهو ما فتح شهية كل فئة لأن تحصل في ظل الوضع الجديد على أكبر قدر من
المكاسب والمغانم، الأمر الذي فتح أبواب منافسة مليئة بالمزالق والشرور.
أياً كانت دوافع سلطة
الاحتلال في ذلك، فإن المعيار العرقي والمذهبي الذي اعتمدته في تشكيل مجلس الحكم
أضعف الجميع، وجعل كل فئة تحاول الاستقواء بالأميركيين أو الاحتماء بهم، أو بأي
قوة خارجية أخرى، لكي تعزز موقعها في مواجهة الفئات الأخرى. من هذه الزاوية، فلعلي
لا أبالغ إذا قلت ان من مصلحة الاحتلال أن يستمر ذلك التوتر، ومدرسة «فرق تسد» حاضرة
لا ريب في هذا السياق. لكن السؤال الذي يثيره المشهد هو: هل تبقى الأمة العربية
والاسلامية متفرجة على مشهد الفتنة وهو يتشكل، أم أنه بوسع عقلاء الأمة أن يفعلوا
شيئاً ان لم يكن لمصالحة العرب والأكراد، فعلى الأقل للتعايش بين الشيعة والسنة،
خصوصاً أن ثمة مؤسسات ترفع شعار وحدة الأمة وتدعو للتقريب بينها في مؤتمرات سنوية
تعقد لهذا الهدف. لماذا لا نسمع لهذه الجهات صوتاً الآن؟
نقلا عن الشرق الأوسط