مرحيا بمبادرة تجمع اسطنبول لمؤتمر عالم الشرق

 

 

 

 

بقلم كمال السعيد حبيب

 

يزور مصر وفد تركي يضم مختلف القوي والتيارات السياسية والأهلية في تركيا مطلقا مبادرة أهلية لتأسيس ما أطلق عليه " تجمع اسطنبول لعالم الشرق " وفق ترجمتي – وفي هذا السياق يأتي ترحيبي بهذه المبادرة ودعمها والبناء عليها ، متمنيا من كافة  المعنيين بالشأن التركي هنا في مصر الاشتباك الحقييقي وليس البيرواقراطي أو الاحتفالي مع هذه المبادرة وذلك عبر هذا المقال :

 

يزداد الاهتمام والوعي اليوم بين الحركات والتجمعات في العالم الإسلامي بضرورة التواصل بين التيارات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يمور بها هذا العالم الثري من حيث حضارته وثقافته وتاريخه ، ويزداد إيمان هذه القوي بهذه الحقيقة مع تعاظم الهيمنة الأمريكية التي تسعي إلي فرض ثقافتها وقيمها بالقوة المسلحة علي العالم كله لكنها فيما يتصل بالعالم الإسلامي تحديدا فإنها تبدو أكثر عنفا وضراوة إلي حد أنها تطبق ولكن بصيغة جديدة منطق الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي .

 

وفي زيارتي الأخيرة والثرية لتركيا كنت أظن أنني سأواجه بدولة تغلغلت العلمانية  الأرثوذكسية في أوصالها لدرجة أنني كنت أعتبر أن مسألة البحث عن مسجد للصلاة ستكون مشكلة لكني فوجئت مع أول فريضة تحضرني للصلاة هناك بمآذن اسطنبول العريقة تهزها أصوات المؤذنين بأعذب لحن وهو الآذان باللغة العربية الجميلة وبأصوات مدرسة اسطنبول الإبداعية في استمرار تقاليد الألحان والترانيم الصوتية الرائعة للفرائض الدينية مثل قراءة القرآن والآذان ، دخلت أول مسجد قابلني وهو مسجد صغير لكنه قديم بناه المعماري العظيم سنان باشا وقرأ الأمام القرآن وتعرفت علي الإمام الذي صار صديقاً لي وكان يقوم علي خدمتي وبمساعدتي بروح أخوة صادقة وحقيقية إنه شرف الدين خوجه " الذي تخرج من معاهد الأئمة والخطباء التي خرجت رئيس وزراء تركيا اليوم وهو رجب طيب أردوغان " وخرجت ياسين خطيب أوغلو " أحد القيادات السياسية الكبيرة في حزب الرفاه ثم حزب السعادة اليوم وهو شاعر كبير ولايزال حتي اليوم يضع شارة معاهد الأئمة والخطباء

 

وجدت المجتمع التركي مجتمع حي وعفي ووجدت الشعور بالهوية الإسلامية علي أشده وهناك تحول هائل لايمكن لعين أن تخطئه ناحية الهوية الإسلامية والتوجه شرقا وليس التوجه  غربا ، نبهني أحد أصدقائي المتخصصين في الشئون التركية أن كل تماثيل كمال أتاتورك " تشير ناحية الغرب ولكن التحول الهائل اليوم هو ناحية الشرق وكما هو معلوم فإن أحد استرتايجيات حزب الرفاه بزعامة أربكان كانت قيام مجموعة الدول الثمان الاقتصادية الإسلامية حتي يمكن مواجهة وموازنة التوجه ناحية الغرب حيث تكون تركيا مجرد خادم وفضاء للغرب وليست فاعلا حقيقيا .

 

التقيت المفكرالكبير سزائي كاركوج " وهو مدرسة هائلة في الفكر تقوم علي ضرورة التواصل بين شعوب الشرق الإسلامية وكان من بين ماقاله لي في حواراتي الهامة معه حين سألني عن جريدة الشعب التي أعمل بها وماذا تعني ؟ وشرحت له التطور التاريخي لحزب العمل من أحمد حسين ومصر الفتاة ثم الحزب الوطني الذي كان استمرارا لخط مصطفي كامل ومحمد فريد وكان من قياداته الكبيرة الأستاذ فتحي رضوان " ثم التحولات التي قادت إلي ظهور حزب العمل في حقبةالسادات ثم التحولات الإسلامية داخله ، اندهش الرجل جدا وقال أول مرة نسمع هذا الكلام في تركيا ، نحن لم نكن نسمع إلا عن الإخوان المسلمين وقال كلمة هامة وهي " علينا أن نفهم أنفسنا ونفهم التيارات الفكرية داخل مجتمعاتنا الإسلامية الشرقية قبل أن نذهب لمعرفة مدارس الغرب الفكرية بداية من الوظيفية والبنوية وحتي مابعد الحداثة "

 

التقيت المفكر الاستراتيجي التركي الألمعي " أحمد داوود أوغلو " وهو من نفس الجيل الذي ينتمي إليه كاتب هذه السطور وهو نفس الجيل الذي يحكم تركيا اليوم لذا تم اختياره المستشار الرئيسي لأردوغان وجدته يسألني عن أصدقاء وزملاء ومفكرين وأساتذة مصريين بلهفة وشوق ، زرت جامعة الفاتح الإسلامية والتقيت المفكر السياسي بولنت أراس وغيره من أساتذة الجامعة الخاصة وزرت مركز " إسام " الذي يصدر أهم موسوعة إسلامية عن العالم الإسلامي وفيه خيرة العقول التركية في كافة المجالات ، التقيت علي بولاتش " الكاتب التركي المعروف والذي ينتمي لجيل الوسط الإسلامي  الحاكم في تركيا اليوم وهو عربي من ماردين ويكثر العرب في منطقة الجنوب التركي والذين يتحدثون التركية لدرجة أنك تشعر بوجودهم الفعلي .

 

الملاحظة الجوهرية هي الشعور بأهمية التعاون التركي العربي والمصري خاصة لذا فإن تركيا هي أحد الدول المحورية مع مصر وإيران لبناء محور حقيقي للتعاون بين دول العالم الإسلامي فجميع هذه الدول أغلبتيها مسلمة وله إمكانياتها الجبارة الاقتصادية والمعرفية والتاريخية والثقافية المشتركة .

 

تركيا دولة متاخمة للعالم العربي وهي دولة جوار حقيقي ويملك مفكروها رؤية لضرورة التعاون مع دول الجوار العربي والإسلامي وللمفكر التركي الاستراتيجي " أحمد داوود أوغلو " كتابا كبيرا وهاما بعنوان الدولة العميقة يشرح فيه ضرورة التوظيف التركي للتاريخ العثماني في العلاقة مع العالم العربي خاصة وقامت الأستاذة الدكتورة ماجدة مخلوف الأستاذة بقسم الدراسات الشرقية في جامعة عين شمس بترجمة لجوهر فكر داوود أوغلو " سنسعي لنشرها كاملة بمجلة المنار الجديد " لأهميتها الكبيرة وللاطلاع علي الفكر الاستراتيجي التركي ، ولأربكان وحزب السعادة رؤية واضحة في ضرورة توظيف التاريخ العثماني في توجهات تركيا الشرقية .

 

من هنا تأتي أهمية"  تجمع إسطنبول لعالم المشرق " وفي الحقيقة فإن التيار الشرقي الحضاري ضارب بجذوره العميقة في التاريخ والفكر التركي ويمثل المفكر التركي الكبير " نجيب فاضل " تمثيلا لهذا التيار حيث أسس " جبهة الشرق الكبير " بالطبع في مواجهة التوجه الغربي المتعسف الذي مثله التيار الأتاتوركي الحاكم في هذا الوقت .

 

الإعلان الذي أطلقه تجمع اسطنبول لعالم الشرق أو مؤتمر الشرق أوعصبة الشرق هو مبادرة تستحق من التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية  الاهتمام في مصر وقد بذلت محاولات متواضعة لبناء جسور بين هذا التجمع الوليد والهام وبين قوي المجتمع المصري المختلفة ولكني لا حظت سيادة روح البيرواقراطية وعدم الاهتمام واللامبالاة لكن الفرصة قوية لبناء جسور حقيقية مع المجتمع التركي علي أن يكون ذلك موضوعا للاهتمام الحقيقي من الباحثين والمهتمين والمتخصصين في الدراسات التركية وقليل ماهم " ، إن إعلان تجمع اسطنبول يسعي لبناء جسور مع العالم العربي والإسلامي وهو نواة ممكن البناء عليها والبدء منها لأنه كما قال الإعلان لا يجب أن يكون موقفنا هو رد فعل للغرب الذي يتبني صدام الحضارات ويتبني " الضربات الاستباقية لتحطيم الحضارات الأخري وخاصة الحضارة الإسلامية وإنما يجب العمل عبر بناء قنوات ومؤسسات بين قوي المجتمع الأهلي في الدول الشرقية الإسلامية وهي قنوات جري تدميرها ، يجب إحياء فريضة التواصل بين المسلمين في تركيا ومصر وبقية العالم الإسلامي للصمود أمام وحشية الهجمة الأمريكية ونزقها وجنونها علي عالمنا الإسلامي .

 

إنني أدعو جميع المهتمين الحقيقيين في البلدين للتواصل وبناء الجسور فهناك فرصة حقيقية لإمكان عمل شئ نحفظ به تراثنا وتاريخنا وثقافتنا الذي يمثل حاجة حقيقة للعالم لحمايته من وحشية العقل الأداتي الأمريكي والغربي والذي ينظر للقتل في العراق وفلسطين علي أنه وسيلة لتمدين وتحديث أهلها الذين يصرون علي الاحتفاظ بصوت وهوية مختلفة عما تريده لهم أمريكا والغرب الغاشم .