سياسة بوش وسياسات محدودي الطموح

 

 

 

بقلم :د.مدحت ابراهيم

kfa@maktoob.com

 

 

الموقف الامريكي المتعالي والمتغطرس تجاه العرب المسلمين لم يبدا ببوش ولن ينتهي بانتهاء ادارته فالتهاون الرسمي بات يشجع الجميع علي انتهاج سياسات معادية لكل ما يمت للاسلام او العروبة بصلة، وما يزيد الامور تعقيدا ان الامة ابتليت بمجموعة من محدودي الطموح اصبحوا علي سدة الحكم في الكثير من دول المنطقة ولاننسي ان يوما ما قام احد اكبر الرؤساء العرب في ذلك الوقت وهو الرئيس السادات  بطرد الخبراء الروس من بلاده وهو موقف نال الاعجاب حينذاك ولم تلبث ان ظهرت الحقائق واتضح ان السادات قام بذلك لخطب ود امريكا وبدون مقابل سياسي حتي ان السقف السياسي المرفوع دوليا حينذاك كان يقتضي بمبادلة الارض مقابل السلام طبقا للقرار 242 حتي بدون دخول حرب  وبمجرد انهاء حالة الحرب مع الدولة العبرية، وقد قام ذات الرئيس غير مشكور بمبادلته بمبدا السلام مقابل تقسيط الارض فنالوا هم السلام واخذ هو الارض علي اقساط بغرابة شديدة. وطالما ان السادات كان ينوي الدخول في الحل السلمي فهو بذلك لم يستفيد لا بطرد الخبراء الروس ولا بانهاء حالة الحرب وبات السادات اذكي من تعامل مع الدولة العبرية يقدم الهبات المجانية وينقذ الدولة العبرية بمنح ربما لما تنالها الدولة العبرية ولن تنالها ابدا حتي لو جلس علي سدة الحكم جماعة من بني اسرائيل. واذا كان السادات هكذا فما بالنا بالمسوخ من القيادات والزعامات التي تقف الان لتضحي بالغالي والنفيس من اجل مبدا السلام مقابل السلام وحتي علي هذه الارضية  لم يرضي السادة في البيت الابيض لا عن المبدا ولا عن اصحابه فاصبح الان المفروض علي هؤلاء المسوخ الاستسلام التام، ولا شك ان انعدام الطموح ولد لديهم حالة من البلادة وانعدام الرؤية اوصلت المنطقة الي ما هي عليه الان وباتت ايامهم في الحكم معدودة بشهادة السيد الامريكي الذي طالما تباروا في تقديم القرابين اليه من كرامة و اقوات شعوبهم حتي بات الاستسلام مبدا والتهاون امر واقع.

ولذلك لم يكن عجيبا في ظل هذه المقدمات ان تنال ليبيا صكا من الادارة الامريكية يتضمن بعض الاشادة والثناء بقرار ليبيا المفاجي بالتخلي عن برامجها لانتاج الاسلحة، ولاشك ان ادراك امريكا اننا معشر العرب قد نفرح لقراءة تقرير اخباري هنا او هناك طيرت وكالات الانباء خبرا يقول ان هناك حالة من التعجب والانبهار الي ما وصلت اليه برامج الاسلحة الليبية، هذا بالرغم من علم الجميع ان ما لدي ليبيا من اسلحة لا يكاد يغطي حدودها. وبنفس المفاجاة في الاعلان عن الليبي قام الرئيس الليبي بمطالبة الجميع بحذو حذو بلاده في التخلص من برامج الاسلحة ، هكذا مرة واحدة بدون اي مقابل. وعلي الجانب الاخر جاء الرد الحاسم والسريع من  الرئيس الأمريكي جورج  بوش الذي  قام يوم الاثنين بتجديد  العقوبات المفروضة على ليبيا منذ عام 1986. وبذلك تثبت الادارة الامريكية انها ادارة ذات سياسه واضحة لم تتغير ابدا، ومهما تعاقب الرؤساء علي الولايات المتحدة الا ان السياسة الامريكية تجاه المسلمين تسير بخطي ثابتة نحو المزيد من الهيمنة علي المقدرات. جربنا شتي اطياف الحكام الامريكيين فلم نعهد عليهم الا الوضوح التام في التعامل مع بلادنا،  واعني بالوضوح هو ذلك الثبات علي الموقف من العرب المسلمين افرادا وشعوبا فرغم انتهاج ليبيا لسياسة مهادنة لاقصي درجة الا ان السيد الامريكي تمادي ولم يغير الموقف المعادي لليبيا وغيرها من الدول العربية.

والان ماذا بعد..

ان الموقف الليبي اصبح الان مرشحا لمزيد من التعاون مع امريكا، فلا يعقل ان تسير ليبيا في هذا الطريق ثم تتخلي عن طموحها العسكري وتقف عارية الظهر فقد يطرا علي الذهن ان قليل من التنازلات قد يحل الموقف ويزيل العزلة والحصار، وهو ما يضع ليبيا داخل المرمي الامريكي لتتحول الي ورقة مهمة للادارة الامريكية بالمنطقة.   بل الاخطر من ذلك ان ليبيا لو واصلت السير في هذا الاتجاه  قد تتحول يوما ما الي تحالف الشمال الجديد الذي قد يستخدم لتطويق مصر ولا شك ان الحصار الخانق ومشاهد الدمار في بغداد قد صارت عبئا ثقيلا علي ليبيا وربما صارت مع الضغوط الامريكية دافعا كي تتخلص ليبيا من ثوابتها  لتنتج فصلا جديدا في كتابها الاخضر يتماشي مع المفاهيم الجديدة، وقد يكون ذلك حلا وقتيا لازمة ليبيا الا ان محدودية الطموح ما زالت باقية وواضحة وهو ما يرشح الموقف العربي بصفة عامة الي  المزيد من الازمات طالما ان بقي النظام الرسمي العربي في حالة محدودية الطموح  وربما تكون احد اهم البواعث علي تفكيك النظام الرسمي العربي.