البلدة القديمة: حصار داخل حصار
نابلس الجراح تنهك جسدها بعد (18) يوما على عملية المياة الراكدة
نابلس مدينة الحزن
والجمال، وصفها الرحالة العرب أنها (قصر في بستان) ويسمونها (دمشق الصغرى) حولها
جنود الاحتلال الى ثكنة عسكرية، ومدية أشباح موت وتلاشي امكانية الحياة، الدبابات
تتجول في الشوارع، الجنود يتربصون للصبيه او كل من يحاول الخروج من بيته، يتفننون
قتلا وقنصا ومطاردة للمواطنين البسطاء الذين يرفضون الموت والحصار القاتل.
نابلس او ما يطلق
عليها عاصمة الاستشهاديين، تتعرض منذ اكثر من ثمانية عشر يوميا لفرض حظر التجوال،
ولعربدة جنود الاحتلال ولهدم جرافاتهم، في عملية تهدف كما يدعون البحث عن ما
تسميهم اسرائيل مطلوبين.
وتتذرع قوات الاحتلال
بأن انفاقا تحت البلدة القديمة يستخدمها المقاومون في البلدة القديمة، ومن المعروف
ان البلدة القديمة في نابلس منذ العهد البيزنطي تستخدم قنوات كبيرة لنقل المياه من
نبعين رئيسيين هما "رأس العين، وعين العسل" والمياه تصل عن طريق القنوات
التي يدعون أنها سراديب حيث تتفرع منها المياه إلى البيوت المدينة التي يسكنها (200)
الف نسمه منهم (40) الف نسمة يسكنون في البلدة المحاصرة من (18) يوما.
"المياه الراكدة"
هذا هو الاسم الذي
اتحفتنا فيه اسرائيل هذه المره، فبعد عملية "خرم الابره" و "السور
الواقي" و "حرب الألوان" و "الخطة الصارمة"، جاءتنا
اسرائيل الان باسم اخر هو "المياه الراكدة"، واعلنت اسرائيل ان هذه
الحمله تستهدف نشطاء الجبهة الشعبية وكتائب شهداء الاقصى بالتحديد، حيث أعلنت
الفصائل الفلسطينية ان هذه الحملة ما هي إلا أساوب إسرائيلي يستهدف تركيع
المواطنين وقتل إرادتهم.
وجاء في بيان للجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين أن هذه العملية ما هي الا عملية للتغطية على الفشل
الاسرائيلي في استهداف المقاومة.
ويتنقل الجنود
الإسرائيليون من منزل إلى منزل في البلدة القديمة بنابلس, بعد أن أصبحت تعيش حصارا
مزدوجا يصفة المواطنون بحصار داخل حصار بأنه الأعنف الذي يستهدف المدينة التاريخية
والأثرية القديمة، حيث أحدثوا فتحات في الجدران للتنقل من خلالها لتجنب التعرض
لمسلحين في الخارج أثناء ملاحقة المطلوبين. وأكدت مصادر أمنية وفصائل فلسطينية
لوكالة الأنباء الفرنسية أن العملية العسكرية الإسرائيلية في نابلس فشلت حتى الآن
في اعتقال أي من المطلوبين للاحتلال الإسرائيلي، بالرغم من اعتقال عشرات الشباب من
سكان المدينة، وتقوم قوات الاحتلال بتقييد أيدي المعتقلين خلف ظهورهم وترغمهم على
الركوع أو الوقوف ووجوههم إلى الحائط, وتمادى جنود الاحتلال في التنكيل ببعض
المعتقلين حيث تم سحبهم في الشارع.
حرق وهدم وانذار
لم تترك اسرائيل
وسيلة الا وجربتها، فقد وصلت عمليات هدم البيوت والتدمير، والحرق في عدة أحياء من
المدينة، حيث أصاب التدمير والهدم، أكثر من خمسة عشر منزلاً في البلدة القديمة،
منها قصرعبد الهادي في البلدة القديمة، ومنزل نايف ابو شرخ قائد كتائب شهداء
الأقصى التابعة لحركة "فتح" في المنطقة، وكان الجنود احتجزوا قبل يومين
زوجة ابو شرخ وشقيقه واجبروا الزوجة على مناداته عبر مكبرات الصوت قبل ان يطلقوهما
بعد ساعات من الاعتقال ليوصلوا عمليات "مطاردة المطلوبين" التي تحولت
كما يقول سكان البلدة القديمة إلى "مطاردة التاريخ والانتقام" من الشعب
الفلسطيني من خلال تدميره", كما يقول احد المسنين في البلدة: من يكترث لما
يحل بالتراث والتاريخ من تدمير في وقت يتساقط فيه الفلسطينيون فتية وشباباً من دون
ان يلتفت احد لمحاسبة الجناة؟
وكما عملت قوات
الاحتلال على تفجير أبواب المحلات التجارية في عدة مناطق من المدينة، خاصة في
منطقة وسط المدينة، ونفذ جنود الاحتلال هجمات على عدة أحياء من المدينة، خاصة في
رفيديا والجبل الشمالي واحتلوا مزيداً من المنازل وحولوها إلى ثكنات عسكرية، وكانت
قوات الاحتلال الاسرائيلي قد انذرت أهل الشاب يأمن فرج 24عام من بلدة مادما بهدم
بيتهم المكون من طابقين، حيث تتهم قوات الاحتلال يأمن بأنه كادر من كوادر الجبهة
الشعبية في مدينة نابلس، وبأنه مسؤؤل عن عدة عمليات ضدهاوخصوصا العملية الاخيرة
للجبهة الشعبية في تل ابيب.
وحسب تصريحات عائلة
الغائب منذ عام ونصف العام، قامت قوات الاحتلال بمداهمة منزل العائلة المكوّن من
طابقين، وسلمتهم إخطارا خطيا باللغتين العربية والعبرية يمنح العائلة مهلة 48 ساعة
لإخلاء البيت تمهيدا لهدمه.
كارثة انسانية
وحذرت مصادر طبية من
كارثة إنسانية وصحية وشيكة الوقوع في البلدة القديمة، حيث مازالت قوات الاحتلال
تحاصر العديد من الأسر وتمنع عنها مقومات الحياة الأساسية.
وقال شهود عيان، إن
بعض الأطقم الطبية والاجتماعية تمكنت من الدخول إلى المنازل المحاصرة بعيداً عن
أعين الجنود المنتشرين هناك، وقوات الاحتلال تمنع الأطقم الطبية من تقديم المساعدة
الطبية الضرورية للأسر المنكوبة في المدينة، وتمنع قوات الاحتلال سيارات الإسعاف
من دخول البلدة القديمة لتقديم العلاج للمرضى، وتقديم الاسعاف اللازم للمصابين،
كما حدت من حركة الطواقم الطبية ومنعتهم من الوصول الى المستشفيات، التي يعملون
فيها، وكذلك نقل الأدوية والمستلزمات الطبية اليها، الأمر الذي ينذر بكارثة
اجتماعية، وصحية بإغلاق جميع المداخل ومنع ادخال المواد التموينية والاطعمة، الأمر
الذي يستدعي تدخلا دوليا لانقاذ حياة السكان.
2004 و نابلس
هنا نقول ان مدينة
نابلس المكلومة تترنح تحت بربرية وهمجية الاحتلال الإسرائيلي، في الوقت وتحديداً
عشية رأس السنة الجديدة تظهر مدن كثيرة في شتى أنحاء العالم في أبهى صورها ويخرج المحتفلون
إلى الشوارع والطرقات مزهوون بانصراف عام وقدوم آخر, جلس سكان نابلس في منازلهم
وجل تفكيرهم في أول أيام السنة وهو متى ستغيب الآليات العسكرية الإسرائيلية من
الشوارع.
وبدأت مدينة نابلس
عاماً جديداً آخر والجراح التي أنهكت جسدها المتهالك تزداد يوما بعد يوم لوجود
الدبابات المرابطة فيها والتي حولتها إلى ساحة حرب خلال أعوام الحصار الماضية
وبشكل خاص العام المنصرم.
ونابلس التي يصطلح
على تسميتها في المحافل الاقتصادية ووسائل الإعلام "عاصمة فلسطين الاقتصادية"
لا تعدو اليوم أكثر من ساحة رماية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يلبث أن يخرج
منها مخلفاً الدمار والخراب فيها حتى يعاود الكرة مرة ثانية راسماً نفس المشهد
المرعب في حاراتها العتيقة وأزقتها الضيقة.