خطيب المسجد الأقصى يحذر من محاولة إنهاء من الوجود تستهدف الشعب الفلسطيني

 

 

الرباط - خدمة قدس برس- مريم التيجي

حذر الشيخ يوسف جمعة سلامة وزير الأوقاف الفلسطيني وخطيب المسجد الأقصى المبارك، من أنّ "الشعب الفلسطيني يتعرض لمؤامرة كبيرة، ولمحاولة إنهاء من الوجود"، على حد تأكيده.

 

وانتقد وزير الأوقاف الفلسطيني وخطيب المسجد الأقصى تذبذب التحركات التضامنية في الشارع العربي مع الشعب الفلسطيني وانتفاضته، وقال "نحن نثمِّن مثل هذه المسيرات والمواقف الشعبية، لكن للأسف الشديد كانت هذه المواقف عابرة، ولم تكن مواقف ثابتة".

 

وبلهجة متفائلة مضى سلامة، في حوار مع وكالة "قدس برس" في الرباط، إلى القول "إن كانت الأمة الآن في مرحلة جزر؛ فسرعان ما ستنهض و تعود إلى مكانها المرموق".

 

وفي ما إذا كانت مقاومة التطبيع مع الدولة العبرية ما زالت ممكنة في ظل مساعيها للتوسع الاقتصادي في المنطقة، وهي المساعي التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية؛ قال الشيخ سلامة "أنا أقول إنها ممكنة ومثمرة"، داعياً إلى تفعيلها.

 

وأشار الشيخ سلامة إلى أنه "عندما تقاطع الأمة البضائع الأمريكية والإسرائيلية وبضائع الدول التي تؤيِّد الاحتلال؛ قد تُراجِع هذه الدول مواقفها، وقد تعود إلى رشدها وتصحِّح سلوكها، بدلاً من أن تقوم بالكيل بمكيالين، لأنّ الأمة الآن تقاسي من سياسة الكيل بمكيالين"، كما قال.

 

وفي ما يتعلق بالموقف من اليهود كونهم يهوداً؛ قال "القضية بيننا وبينهم أنهم اغتصبوا أرضنا وأذلوا شعبنا، ولوا أعادوا الحق إلى أصحابه، وانتهت أسباب الصراع بيننا وبينهم؛ لانتهت كل أسباب العداء القائم"، مؤكداً أننا "لا نقاتلهم لأنهم يهود؛ ولكن لأنهم محتلين"، على حد تعبيره.

 

وبينما شدّد على أنّ الإسلام ليس نظاماً إرهابياً، قال إنه بل هو دين الحب والتسامح والرحمة؛ وحمّل الغرب المسؤولية عن انتشار التطرف هو الغرب. فهو يحارب الفكر المعتدل، ولا يعطي الفرصة للأصوات المعتدلة التي تعطي صورة مشرقة عن الإسلام، على حد تقديره.

 

وفي ما يلي نص الحوار الذي أجرته مراسلة "قدس برس" في الرباط مريم التيجي مع الشيخ يوسف جمعة سلامة وزير الأوقاف الفلسطيني وخطيب المسجد الأقصى المبارك.

 

 

الانتفاضة.. والتضامن العربي والإسلامي

 

* ما تعليقكم على ما يجري في الأراضي المحتلة؟ وأين وصلت انتفاضة الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال؟

 

- ما يحدث في فلسطين يندى له جبين هذا العالم الذي يدّعي أنه يحمي حقوق الإنسان، والانتفاضة هي عمل بطولي يقوم به الفلسطينيون الذين يتولون الدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بالنيابة عن الأمتين العربية والإسلامية. فالشعب الفلسطيني يتعرض لمؤامرة كبيرة، ولمحاولة إنهاء شعبنا من الوجود، لكنّ هذا الشعب والحمد لله بدينه متمسك، وعن عقيدته مدافع، والشعب الفلسطيني لا يطلب المستحيل، بل يطلب فقط أن يتنفس نسائم الحرية، وأن يحيا حياة كريمة طيبة، كباقي الشعوب في هذا العالم.

 

* إلى أي حد كان يصل صدى المسيرات والمظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني، من مختلف أنحاء العالم الإسلامي؛ إلى الفلسطينيين؟

 

- نحن نثمِّن مثل هذه المسيرات والمواقف الشعبية، لكن للأسف الشديد كانت هذه المواقف عابرة، ولم تكن مواقف ثابتة. كان تعلو المشاعر المتعاطفة في العالم العربي، وينزل مئات الآلاف إلى الشوارع، ولكن سرعان ما تنفضّ هذه الجموع، في حين أنّ الشعب الفلسطيني في محنة منذ أكثر من أربع سنوات، ناهيك عن المحن السابقة، ويعيش يومياً في واقع القتل والتشريد وهدم البيوت وتدمير المزروعات واقتلاع الأشجار ودوس المقدسات، وهذا الواقع المؤلم يحتاج إلى وقفة الأشقاء من الشعوب ومن الحكام، كي يقفوا مع أبناء شعبهم الذين يدافعون عن أغلى ما تملكه الأمة؛ عن مقدساتها، وعن مسرى نبيها، وأرض المحشر والمنشر.

 

 

في ظلال المرحلة الراهنة

 

* ماذا يحتاج الشعب الفلسطيني بالضبط في هذه المرحلة؟

 

- الشعب الفلسطيني يحتاج إلى كل شيء، يحتاج إلى دعم مادي، يحتاج إلى كلمة طيبة، يحتاج إلى دعاء، إلى وقفة، يحتاج إلى أن تكون هناك مسيرات ومحاضرات ومؤتمرات وندوات تعرِّف بقضيته وتبصِّر الأمة بما يعيشه الشعب الفلسطيني.

 

ونحن عندما نطالب بذلك؛ لا نطالب به إحساناً من أحد، فقد سُئِل الرسول عليه الصلاة والسلام في ما رواه الإمام أحمد: يا رسول الله افتنا في بيت المقدس، فقال: "أرضُ المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه، فإنّ كلّ صلاةٍ فيه كألفِ صلاة في غيره". قالوا يا رسول الله؛ ومن لم يستطع أن يأتيه؟ قال: "فليبعث بزيت يُسرَجُ في قناديله، فإنّ من أهدى له زيتاً كان كمن أتاه".

 

وهذا نداء نبوي إلى الأمة، لأنّ الأقصى هو أغلى ما تملك الأمة بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي، بل دعيني أقول صراحة إنّ المسجد الأقصى هو البقعة الوحيدة التي شهدت مؤتمر قمة للأنبياء والمرسلين في ليلة الإسراء يوم صلى بهم النبي عليه الصلاة والسلام إماماً، فكانت تلك بيعة من الأنبياء لرسولنا عليه الصلاة والسلام، والأمة الإسلامية تسلمت الراية بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

* وقعت أحداث كبرى في العالم العربي مؤخراً، لعلّ أهمها احتلال العراق. ألم تؤثِّر هذه الأحداث في حضور القضية الفلسطينية وتأثيرها في الرأي العام العربي والإسلامي، ما قد يكون له انعكاس ارتدادي على الانتفاضة؟

 

- نحن لا ننكر أنّ الأمة العربية تتعرض لهجمة شرسة من أعداء الله ورسوله، وهذه الهجمة سببها بُعد الأمة عن دينها مصدر عزتها وكرامتها. وأنا أقول إنّ الأمة الإسلامية الآن في حالة من المرض، ولكنها لم تمت، لأنّ الأمة لا تموت وسرعان ما تتشافى.

 

وقد مرّت الأمة، كما يقول ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"؛ بأيام صعبة، حيث وصل الأمر لدرجة أنّ القرامطة هدموا الكعبة وأخذوا الحجر الأسود ومكث عندهم ربع قرن، وما عاد إلا بعد لأي، وأنّ التتار قد أذلُّوا المسلمين ودخلوا عاصمة الخلافة وقتلوا الخليفة. لكن ما مضى قرن من الزمان حتى طرق المسلمون أبواب فيينا، ودخلوا بلاد الأندلس، وهذا يدلّ على أنّ تاريخ الأمة يتأرجح بين مدٍّ وجزر، فإن كانت الأمة الآن في مرحلة جزر؛ فسرعان ما ستنهض و تعود إلى مكانها المرموق، وتتولى قيادة العالم، لأنّ الله يقول "إن يمسسكم قرحٌ فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس".

 

 

سلاح المقاطعة.. بين الوجوب والإمكان

 

* ألا تزال المقاطعة الاقتصادية سلاحاً يمكن أن يخدم القضية الفلسطينية، كما كان يقال؟

 

- المقاطعة أحد الأسلحة المشروعة، ونتذكر المقاطعة التي شنّها أعداء الله ورسوله على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين في مكة، يوم حاصروه في شعاب أبي طالب، وقاموا بتحريم الزواج من المسلمين، ومنعوا بيعهم أي بضائع أو الشراء منهم، وقد كان هذا نوعاً من المقاطعة، وهي سلاح فعال.

 

وعندما تقاطع الأمة البضائع الأمريكية والإسرائيلية وبضائع الدول التي تؤيِّد الاحتلال؛ قد تُراجِع هذه الدول مواقفها، وقد تعود إلى رشدها وتصحِّح سلوكها، بدلاً من أن تقوم بالكيل بمكيالين، لأنّ الأمة الآن تقاسي من سياسة الكيل بمكيالين، وكما قال الشاعر:

 

قتل امرئ في غابة جريمة لا تُغتفر... وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر.

 

ولنا أن نتأمل كيف تحالفت قوى الشر ضد العراق، وكيف اجتمع كل العالم لتحرير الكويت، فهل الكويت أغلى من فلسطين؟ لماذا لا تجتمع هذه القوى على شعب طرد من أرضه، نحن لا نؤيد احتلال الكويت، ولا نؤيد احتلال أي قطر عربي، لأننا كشعب ذقنا مرارة الاحتلال، لكني ما قصدت إليه من هذه المقارنة هو واقع شعب طُرد من أرضه، وانتُهكت أعراضه، وقُتل أبناؤه، ويُتِّم أطفاله، ورُمِّلت نساؤه، ولم يهبّ العالم الذي يزعم أنه يحمي الحق والعدل؛ للوقوف مع المظلوم ضد الظالم.

 

* وهل مقاومة التطبيع مع الدولة العبرية ما زالت ممكنة في مساعيها للتوسع الاقتصادي في المنطقة، وهي المساعي التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية؟

 

- أنا أقول إنها ممكنة ومثمرة. فلو لم تكن المقاطعة مثمرة؛ لما سلكها أعداء الرسول عليه السلام، وتعرفين أنّ العالم اليوم يقوم على الاقتصاد، وأنّ أي دولة مهما كانت قوية تحتاج إلى سوق تقدم فيه بضائعها وتحتاج إلى أيدٍ عاملة والى عقول مفكرة، وتحتاج إلى دول تمدّها بالمواد الأولية للصناعة، وإلاّ ماذا كان موقف المغفور له الملك فيصل عندما أعلن عن سلاح النفط عام 1973، عندما اهتز الغرب واهتزت أمريكا.

 

* لكن مفاتيح الاقتصاد اليوم في يد الولايات المتحدة، والحكومات العربية أصبحت مُكرهة على ما يبدو على كسر طوق المقاطعة..

 

- .. نحن لا نطلب غير الممكن، نحن نطالب دائماً بالممكن. أما غير الممكن فلا أحد يطالب به. نحن نتمنى أن تسير الأمور سيراً حسناً، وأن يوحِّد الله شمل المسلمين، وأن يجمع كلمتهم على الحق، في هذا يكون الخير الكبير للأمة التي تملك الأرض الزراعية والمياه والأيدي العاملة والعقول المفكرة والسوق والمواد الخام. فالأمة تملك من أسباب العزة والتمكين ما يجعلها الأمة الرائدة، ولو أنّ هذه الأمة اجتمعت لكان الأمر مختلفاً، وهذا غير مستحيل. فعندما توحّدت الأمة عبر التاريخ كان يطأطئ لها الشرق والغرب الرأس إجلالاً واحتراماً، ولا زالت علوم علمائنا تُدرّس في جامعات أوروبا إقراراً واعترافاً بما لهؤلاء من مكانة.

 

* ألاّ تتفق معي في أنّ هناك مفارقة بين الممكن والمتاح، وبين ما كان في التاريخ وبين ما نحن عليه الآن، أليس كذلك؟

 

- الأمة تتعرض لهجمة شرسة، وهي في حالة جزر، لكنّ هذا لا يمنع المريض من السعي للعلاج الذي يمكِّنه من القوة والصحة والعافية. فالأمة تستطيع انطلاقاً من مكوناتها وإمكاناتها الخروج مما هي فيه من ضعف وذل.

 

 

العمليات الاستشهادية.. والجدل

 

* لعلكم تابعتم الجدل الذي شهدته أوساط الأزهر ودار الفتوى في مصر مؤخراً؛ بشأن العمليات الاستشهادية. أين تقفون من الآراء التي أثيرت بهذا الصدد؟

 

- أعتقد أنّ هذه القضية انتهت الآن، وعاد الأزهر وأعلن أنّ من أحسن أنواع الجهاد هو الدفاع عن الوطن، ونستطيع أن نقول أنّ الأمر قد طُويَت صفحته، فنحن ندافع عن الوطن والدين والمقدسات بكل الوسائل.

 

* لكن ما تعليقكم على إثارة هذا النوع من النقاش في الظرف التاريخي الراهن التي تعيشها القضية الفلسطينية؟

 

- نحن لا نستطيع أن نمنع أحداً من أن يدلي بدلوه في قضية معينة، أو أن بتحدث عن موضوع معين، لكنّ رأي الإسلام واضح، وقد وضّح العلماء العاملون وجهة نظر الإسلام التي تُحِلّ هذه العمليات، و تعتبر أنها من الوسائل المشروعة للدفاع عن المقدسات والأوطان.

 

 

العداء.. بين اليهودية والصهيونية

 

* يحدث أحياناً خلط بين الصهيونية واليهودية، فترتفع بعض الأصوات في مكان ما من العالم الإسلامي للدعوة إلى تصفية اليهود. ما رأيكم في هذه المواقف؟

 

- اليهود عاشوا في ظل الدولة الإسلامية وفي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهون عند يهودي، وكان يتعامل معهم في التجارة وغيرها. ويوم كانوا ملتزمين بعهدهم كانوا أحراراً ويحيَون حياة كريمة مع المسلمين، ولكن يوم أخلُّوا بالعهود والمواثيق تغيّرت الأمور، ونحن نقدِّر اليهود كأتباع ديانة كتابية، وإلا كيف أباح الإسلام للمسلم أن يتزوج من اليهودية والنصرانية، ومعنى ذلك أن تكون الزوجة أماً لأولاده، وأباها سيكون جداً لأبنائه، وشقيقها سيكون خالاً لأبنائه. وهذه أرحام، والله يوصي بصلة الرحم، وقد بيّن الدكتور يوسف القرضاوي في أحد كتبه بأنّ الإسلام لا يحارب اليهود لأنهم يهود، لكن نحن نحارب الصهيونية.

 

وقد حاول أحد المسلمين واسمه طعمة بن عبيدة اتهام يهودي بالباطل، عندما سرق درعاً من جاره قتادة بن النعمان، ووضعه في جراب، فأحدث فيه خرقاً، مما جعل الدقيق يتدفق من الجراب ويحدث أثراً، فلما وصل إلى بيته اكتشف الأثر وقال: لو تتبعوني لعرفوا بأنني سارق. فأخذ الدرع ووضعه عند جاره اليهودي، واسمه زيد ابن السمين، فلما جاء قتادة تتبع الأثر الذي قاده إلى طعمة، لكنه صار به إلى بيت اليهودي، وقال له هاهو الأثر. ودافع أهل طعمة عن ابنهم وأنكروا أن يكون سارقاً، وبلغ الأمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كاد يدافع عن طعمة، فنزل جبريل عليه السلام بتسع آيات تبرئ يهودياً، وتقول بأنّ السارق مسلم، قال تعالى "إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس مما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً، واستغفر الله إنّ الله كان غفوراً رحيماً، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم أنّ الله لا يُحبّ من كان خوّاناً أثيماً"، فهل هناك عدل ورحمة وسماحة أكثر من ذلك.

 

* ولكن من المثير للانتباه أنّ موقف الذين يدعون إلى معاداة اليهود لمجرد كونهم يهوداً يتعلل بتاريخهم المليء بخرق العهود والمواثيق.. فما هو القول في هذه الحجة؟

 

- لو أنّ اليهود خرجوا من فلسطين؛ فماذا بيننا وبينهم كفلسطينيين؟ لا شيء. فالقضية بيننا وبينهم أنهم اغتصبوا أرضنا وأذلوا شعبنا، ولوا أعادوا الحق إلى أصحابه، وانتهت أسباب الصراع بيننا وبينهم؛ لانتهت كل أسباب العداء القائم. فنحن لا نقاتلهم لأنهم يهود؛ ولكن لأنهم محتلين.

 

 

"ملف الإرهاب" وأعمال العنف في العالم الإسلامي

 

* بعض العمليات التي تحدث هنا أو هناك من طرف بعض المسلمين، وتستهدف المدنيين؛ يعتقد أصحابها أنهم يخدمون القضية الفلسطينية، وربما يحاكون ما يجري على الأراضي الفلسطينية. ما تعليقكم على مثل هذه الأحداث؟

 

- الإسلام ليس نظاماً إرهابياً، بل هو دين الحب والتسامح والرحمة، وهو الذي ابتدع حرية العبادة والعقيدة، وهو لم يُسِئ إلى أهل الديانات الأخرى. وعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عندما فتح مدينة القدس حان موعد الصلاة وهو في الكنيسة، وأذِن له البطريق أن يُصلي في الكنيسة عندما همّ عمر بالخروج، ولكنه قال لا، أنا أريد أن اخرج لأني أخشى أن يأتي قوم من بعدي فيدّعون أحقيتهم في هذا المكان.

 

فلو كنا نظلم، أو تأخذنا نشوة النصر؛ لصلّى عمر في الكنيسة، وبالتالي لأخذها المسلمون، لكنهم إذا انتصروا لم يظلموا، فالتاريخ الإسلامي تاريخ حافل.

 

وأيضاً في كتاب "الخراج" لأبي يوسف؛ يُروَى أنّ عمر رضي الله عنه كان يسير ذات يوم فرأى شيخاً عجوزاً يتوكأ على عصا ويسأل الناس، فسأل عنه فقالوا هذا كتابي، فقال: خذوا هذا وضربائه، أي وأمثاله، إلى بيت مال المسلمين، فو الله ما أنصفناهم إن تركناهم عند شيبهم وأخذنا شبيبتهم.

 

وأيضا العهدة العمرية التي وقّعها عمر مع البطريرك في القدس، تدل على التسامح، فقد جاء فيها ألا تُهدم كنائسهم وألا يُجبروا على الدخول في الإسلام. يعني أنّ الإسلام دين التسامح وليس دين الإرهاب، فالله يوم خلق الخلق جعلهم مختلفين، والكون يسعنا جميعاً، ولو شاء ربّك لجعل الناس أمة واحدة، فأية عمليات تحدث وتسيء إلى هذا المفهوم الشرعي فهي تسيء إلى الإسلام، وأما ما يتوافق مع الشرع؛ فهو يخدم قضيتنا، ويخدم الإسلام والمسلمين.

 

لذلك نحن نريد من المسلمين أن يبرزوا الوجه المشرق من الإسلام، فالشيخ محمد الغزالي رحمه الله قال: أخشى ما أخشاه على المسلمين من عدو حاقد يريد القضاء على هذا الدين، ومن متبع جاهل يضرّ الإسلام أكثر مما ينفع.

 

* ما موقفكم من التفجيرات التي عاشت على إيقاعها مجموعة من البلدان مؤخرا؟

 

- الإسلام دين التسامح والمودة والإخاء. وهذا ما جعله ينتشر ويمتد إلى ربوع كثيرة دون أن يصل إليها الفاتحون والدعاة، بل انتشر بسبب التجار المسلمين الذين كانوا يتاجرون مع تلك الأقطار.

 

وأذكر أنه لما وقع الهرمزان عظيم الفرس في أيدي المسلمين؛ قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إما أن تُسلِم أو أقطع عنقك، فقال له اقطع عنقي، قال له هل لك طلب قبل أن نقوم بقطع عنقك؟ قال له نعم، أن أشرب الماء. فأحضر له كأس ماء، لكنه قال لعمر: وما يدريني أنك ستقتلني قبل أن أشرب الكوب؟ أعطني الأمان حتى أشرب كوب الماء، فقال له أمير المؤمنين: لك الأمان حتى تشرب الكوب. فأمسك بالكوب وألقاه أرضاً، وبدأ يستفز عمر رضي الله عنه وهو كالصخرة لا يتحرك، فاندهش الهرمزان وقال له: قبل قليل كنت ستقطع عنقي، ما الذي تغيّر، فقال: أعطيتك الأمان، فو الله لو بقيت على حالك إلى يوم القيامة لما مسّك مسلم بسوء. فردّ عليه: هل دينك هكذا؟ قال عمر: نعم، قال: أشهد أنّ لا إله ألا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله.

 

ولو انتشر الإسلام بالسيف لزال يوم أن زال السيف، واليوم المسلمون في حالة ضعف ولا قوة لهم، ومع ذلك لازال الناس يدخلون في دين الله أفواجاً والإسلام يضع أسساً، فإذا زاغ المسلمون وتطرّف بعضهم وخرجوا عن سماحته؛ فالخلل فيهم وفي الظروف التي أفرزتهم، وليس في الإسلام أو في قيمه، حتى لو تكلموا باسمها.

 

* من يتحمل المسؤولية الأولى عن انتشار التطرف في نظركم؟

 

- إنّ المسؤول عن انتشار التطرف هو الغرب. فهو يحارب الفكر المعتدل، وفي المقابل يحمي الغلاة والمتطرفين الذين يعيشون في ديار الغرب حياة كريمة، ويبوحون بأفكارهم المتطرفة التي تدعو إلى القتل والتكفير، وتفتح لهم المنافذ الإعلامية ليعبِّروا عن تطرفهم، أكثر مما تفتح للأصوات المعتدلة التي تعطي صورة مشرقة عن الإسلام.