الناشطون شبكيا ويوم الحجاب العالمي
التوقعات الموضوعية من يوم 17/1/2004م
بقلم : نبيل شبيب
تناقلت منتديات
الحوار والمجموعات الشبكية نداء إلى إعلان يوم السابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2004م
يوما عالميا للاحتجاج على المخططات الفرنسية لتقييد الحرية الدينية للمسلمات
المحجبات بسلطة القانون، وحرمانهنّ بذلك من حقوق أخرى على صعيد العلم والعمل
وسواهما. ووصل هذا النداء بفضل إحدى الناشطات المسلمات العاملات في بريطانيا إلى
شاشة فضائية الجزيرة، من خلال مداخلة لها أثناء برنامج "الإسلام والحياة".
المسلمون يعدّون
مليارا ونصف المليار نسمة أو أكثر في أنحاء الأرض، والسؤال: ماذا لو لم يشهد يوم
الحجاب العالمي مشاركة جماهيرية ضخمة في المظاهرات والتجمّعات والمسيرات المراد
لها أن تنطلق في بلدان عديدة، فلم تتجاوز الأعداد الألوف أو عشرات الألوف فحسب؟.. ألن
يكون ذلك "ذريعة" مزيّفة أخرى يتحجّج بها أنصار تلك الخطوة التقنينية في
فرنسا، ومؤيّدوها عموما، مثل ذريعة موقف الطنطاوي، للمضيّ فيما هم عازمون عليه،
والادّعاء أنّ "المعارضة" على مستوى المسلمين ضعيفة لا يُعتدّ بها؟..
المشكلة ليست في
حقيقة حجم التجاوب مع هذه الدعوة، وإنّما في نوعيّة "التنظيم" الذي
تتطلّبه لتحقق النجاح المرجوّ لها، سواء من حيث إيصالها إلى أكبر عدد ممكن من
المسلمين في أنحاء الأرض، أو من حيث توضيح أبعاد القضية لتحفيز من علم بها على
المشاركة، أو من حيث ما يحتاج إليه الاحتجاج الجماعي العالمي من إرشادات تفصيلية
لأسلوب المشاركة. وقد يأتي اليوم المتفق عليه، ولا يكون قد علم بالدعوة إلى
الاحتجاج سوى نسبة ضئيلة من المسلمين، فلا يتجاوب إلا فريق محدود منهم، وهو ما لا
يرجوه أصحاب الدعوة قطعا، كما لا يرجوه كاتب هذه السطور، لا سيّما وأن "خيبة
الأمل" آنذاك قد تنعكس سلبا على صعيد مستقبل التحرّك الضروري على صعيد هذه
القضية وسواها.
إنّ تناقل المعلومة
عبر وسائل التواصل الشبكية أمر بالغ الأهمية لتجاوز الحدود المفروضة والتعتيم
الإعلامي على مثل هذه الدعوات، ولكنّ هذه الميزة تواجه سلبيات معروفة على أرض
الواقع، منها دون حصر (1) أنّ نسبة انتشار الوصلات الشبكية داخل البلدان الإسلامية
لا تصل إلى خمسة في المائة من السكان على أفضل التقديرات والدراسات الموضوعية، و(2)
أنّ نسبة انتشارها بين المسلمين في البلدان غير الإسلامية أيضا نسبة أدنى من
المعدّل الوسطي في كل من هذه البلدان على حدة، فغالبيتهم جزء من فئات المجتمع
الأفقر ماديا، والتي تعاني من "الفجوة الشبكية" داخل كل بلد علىلا حدة،
كالفجوة الشبكية القائمة بين شمال وجنوب في عالمنا المعاصر.
إنّ فعالية مثل هذه
الدعوات لا تتحقّق على الوجه الأمثل إلاّ إذا تمّ توظيف التواصل الشبكي كحلقة
واحدة من حلقات تواصل أوسع نطاقا، فالدعوة تصل عن طريق الشبكة بقيمة "معلومة"
فقط إلى الأحزاب والجماعات والروابط الطلابية وغيرها من المنظمات والهيئات، ولا
تكتسب قيمة "عمل" دون أن تتحرّك هذه المنظمات والهيئات خارج نطاق العالم
الافتراضي، فتصل بالدعوة إلى العامّة من الناس، في كل بلد من البلدان، بوسائل
الاتصال الأخرى، من منشورات واجتماعات، وفق الظروف المحلية للبلد، ومع الإرشادات
اللازمة المناسبة لتلك الظروف، بما في ذلك ما يرتبط بالجوانب التنظيمية والإدارية
والقانونية وغيرها، كتسجيل طلب المظاهرة لدى السلطات، أو اختيار العبارات المناسبة
للتعبير عن الهدف المشترك وغير ذلك.
ولا شكّ أنّ التشاور
قبل إطلاق دعوة من هذا القبيل، لاختيار الموعد الأنسب، وتحديد الخطوط العامّة
المشتركة، يمكن أن يرفع من فعالية العمل نفسه، ويسمح بتوقّع مشاركة أكبر فيه،
ويسهّل على الجميع تلك المشاركة، ولكنّ مثل هذا التشاور "المسبق"، وكذلك
متابعة التواصل أثناء التنفيذ، ثمّ التقويم واستخلاص الفوائد للمستقبل، يحتاج إلى
حديث مفصل آخر.
ونبقى هنا في إطار
الدعوة الحالية، والتي نعتقد بأنّ الأحداث جعلت أسبابها معروفة على نطاق واسع بين
المسلمين، وبأنّ طبيعة القضية نفسها تسمح بتوقّع مشاركة كبيرة مرجوّة، للتعبير عن
رفض الإجراءات المزمع تقنينها في فرنسا، وتبقى حتى الموعد المتفقق عليه أيام، قد
تكون كافية لتتحرّك المنظمات والهيئات المحلية في البلدان المختلفة تحركا أكبر في
نشر هذه الدعوة والحثّ على التجاوب الجماهيري معها على أرض عالم الواقع، وبحيث لا
تتعرّض النتيجة إلى خيبة أمل قد يضخّمه مفعول "العالم الافتراضي" عن غير
قصد.
وعلى جميع الأحوال
يجب اعتبار يوم 17/1/2004م محطّة على الطريق، فلن تتوقف الإجراءات المعادية
للإسلام والمسلمين من جهات عديدة، كما أنّه لا ينبغي أن يتوقّف العمل من أجل
الصعود بمستوى مواجهة تلك الإجراءات جنبا إلى جنب مع الصعود بمستوى العمل على
النهوض بأمّتنا وأوضاع بلادنا إلى المستوى الذي يفرضه إسلامنا، في كلّ ميدان من
ميادين الحياة والحكم، ومستوى الريادة على صعيد الاسرة البشرية.