بلغ
السيل الزبى
لم
يكتف الشيخ بضرب الاقتصاد الإسلامي في
مقتل بفتواه بحل فوائد البنوك الربوية
ولم
يكتف بجرجرة المجمع إلى تمرير فتواه بعد أن تقدم إليه بسؤال ملتبس عن حكم
الاستثمار
ولم
يكتف بمواقفه المتخاذلة من القضية الفلسطينية والعراقية وقضايا الشعوب والتحرير
والتعليم
ولكنه
أخيرا بدأ يمتد بفتاواه المردودة إلى الوضع الدستوري للبلاد التي يسكنها
مسلمون .
والشيخ
بفتواه أضاف إلى أمجاده التاريخية قتلى جدد من بينهم دور الأزهر في العالم
الإسلامي
لقد
صرح الشيخ محمد سيد طنطاوي المتربع فوق كرسي مشيخة الأزهر الذي خلا منذ سنوات
بوفاة الإمام الأكبر فضيلة الإمام الأستاذ الشيخ جاد الحق حتى اليوم ، صرح الشيخ بمقر المشيخة وفي حضور وزير داخلية
فرنسا وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية بتاريخ 30\12\2003 :
بأن من حق" فرنسا فرض قانون يمنع ارتداء
الحجاب على المسلمات المقيمات بهذا البلد . وأنه على المسلمات المقيمات بفرنسا أن
يتعاملن "مضطرات" مع هذا القانون. إسلام
أون لا ين في 1\1\2004
وأن
الحجاب فريضة على المرأة المسلمة في البلاد الإسلامية
ومبدأ
الشيخ المختزل في مقولة " هذا حقها " يؤدي إلى نتيجة منطقية في
مباركة العلمانية لا في فرنسا وحدها ولكن في كل بلد تنكر الشريعة أو تجمدها
ذلك
أنه ينطبق على كل بلد له وضع فرنسا في موقفها من الشريعة الإسلامية
وهذا
يعني أن فرنسا بلد يسكنها مسلمون ( ستة ملايين ) فكذلك الوضع في البلاد المسماة
" إسلامية لأنها بلاد يسكنها مسلمون ، وهل يسكن تونس " مثلا" أكثر من ذلك ؟
وطالما
أن الشيخ لا يمكنه أن يبين لنا مفهوما خاصا بما يسمى البلاد الإسلامية طالما كانت هذه البلاد قد أزاحت الشريعة عن
التشريع ، فالموقف واحد فيها وفي فرنسا على حد سواء ، أراد الشيخ ذلك أم لم يرد ،
والشيخ من شأنه أن يعود لثقافته الأزهرية حيث تعلم أن " المبادئ العقلية لا
تخصص "
ولا
يغير من الأمر شيئا أن بعض هذه البلاد تنص في دستورها على " أن الشريعة
الإسلامية مصدر التشريع " طالما أنها جمدت هذا النص شأنها في ذلك شأن النص
على كونها " اشتراكية " ، وإذن فهي بلاد يسكنها مسلمون شأنها شان فرنسا
وإن سميت إسلامية باللغة الدارجة
كما
لا يغني في الأمر شيئا الاحتكام إلى مبدأ الأغلبية فهو مبدأ فرعي يسهل التجاوز عنه
والتفاوض في شأنه على الطريقة التونسية ، ولا يسهل الدفاع عنه على الطريقة
الإسلامية
ورجوعا
إلى مبدأ الشيخ في مقولته بالنسبة لفرنسا " هذا حقها " لنجده ساريا في
كل بلد عطلت الشريعة ويسكنها مسلمون .
وبهذا
فقد أعلن الشيخ العلمانية في البلاد التي يسكنها مسلمون – وإن سميت إسلامية باللغة الدارجة
ومن
هنا وجدنا الدفاع عن الشيخ يصدر عن قلعة العلمانية في صحافة المجلات المصرية
"روزاليوسف" – في عددها الأخير - لأنها أدركت بذكاء ما يترتب على مبدأ الشيخ
" هذا حقها " في بلاد يسكنها مسلمون .
ونحن
نعلم أن العلمانية إن كانت لا تتعارض مع دين ما على وجه الأرض فهي على وجه اليقين
تتعارض مع الإسلام ، والذين يقولون بغير ذلك يجهلون لعلمانية أو يجهلون الإسلام أو
بالأحرى يتجاهلونه.
فهنيئا
للعلمانية لا في فرنسا وحدها ولكن في كل البلاد التي يسكنها مسلمون ولها نفس موقف
فرنسا من الشريعة الإسلامية
نعم
أعلن الشيخ العلمانية في البلاد التي يسكنها مسلمون – وإن سميت إسلامية باللغة الدارجة
–
أعلنها نيابة عن حكامها ، وصل إليها منهجا
وفكرا، وإن لم يبصرها نتيجة وقصدا ، وعلى الحالين فقد شق بها سفينة الأزهر أو يكاد
، الأمر الذي جرده تماما من صلاحية الاستمرار في قيادته .
بلغ السيل
الزبى
إما أن ننقذ الأزهر من الشيخ بإقالته ،
وإما أن نستمع غدا إلى ما يقال اليوم همسا : أنقذوا الإسلام من الأزهر .
****
ومن الواضح أن هذه الفتوى باطلة مردودة
على المستوى السياسي والأزهري والإسلامي جميعا
****
أما أنها مردودة سياسيا فلأنها
وبالرغم من اتهامها بالتعامل السياسي في قضية دينية فذلك لأنها - وبعكس المتبادر
منها في القول بأن من حق فرنسا فرض قانون يمنع ارتداء الحجاب على المسلمات
المقيمات بهذا البلد - تعتبر تدخلا سافرا في الشئون السياسية والداخلية لفرنسا لأن
من يبين لفرنسا حقها في إصدار قانون يفترض أنه يعطي نفسه الحق في أن يبين لها ما
هو ليس من حقها
ولولا أن وزير الداخلية الفرنسي الجالس في هذا
الاجتماع اعتبر نفسه حاصلا على غنيمة ثمينة بهذا
التصريح لكان من واجبه أن يحتج – تصريحا أو تلميحا
، بطريقة أو بأخرى - على هذا التصرف من الشيخ
الذي أعطى نفسه الحق في تقدير ما هو من حق الدولة الفرنسية وما ليس من حقها
وإنني لأعتبر مجرد الإشارة ولو من بعيد لتدخل من
مستوى معين في الحكومة المصرية لتوجيه الشيخ لإصدار مثل هذا التصريح إساءة لهذا
المستوى أيا كان ، واتهاما له بعدم الخبرة في تذوق المواقف الدبلوماسية والتصريحات
السياسية ، اللهم إلا أن يكون الخط المفتوح للشيخ للاستشارة في مثل هذه المواقف من
مستوى غير مناسب .
وإنه
لمما يؤكد ذلك أن الجدل مازال يدور في فرنسا نفسها حول مدى أحقية الدولة الفرنسية
في إصدار قانون بمنع المسلمات من ارتداء الحجاب في المدارس أو في غيرها ، ويدل على
ذلك المقال الذي كتبه / دانييل أمسون
الأستاذ بكلية الحقوق في جامعة ليل الفرنسية
بمقال افتتاحي نشر بجريدة "لوفيجارو"
2003/12/27 – إسلام
أون لا ين – وقد
جاء ما يـلي في مقاله نصا :
( لقد نطق الرئيس الفرنسي أخيرا وأعلن
قراره ، لكنني أرى من وجهة نظري ضرورة عدم وضع تشريع يمنع الحجاب الإسلامي؛ لثلاثة
أسباب على الأقل:
أولها: أن الإطار
القانوني لمناقشة القرار الأخير كان يرتكز على أساس وجهة نظر مجلس الدولة التي تم
إعلانها في 27 نوفمبر 1989، وتؤكد على منع أي علامة دينية مميزة في المؤسسات
العامة للدولة، وهي وجهة نظر تستجيب تماما لقواعد علمانية الدولة الفرنسية. إلا
أن هناك مبدأ آخر كان من الواجب أخذه في الحسبان؛ هو مبدأ حرية التعبير عن
المعتقدات الدينية، وبسببه أضاف المجلس الأعلى للدولة جملة "على ألا
تتسبب التشريعات التي تحد من هذه العلامات في أي ضغوط أو إثارة أو دعاية، ولا تنال
من كرامة الطالب، ولا تعوق سير الأنشطة التعليمية، ولا تبلبل النظام في المؤسسة أو
السير الطبيعي للخدمة العامة".
لكن
هذا القانون الأخير يسمح باستبعاد الطالبات اللواتي يرتدين الحجاب أثناء دراستهن؛
مما سيسبب حتما عدة اضطرابات ستؤثر في نظام المؤسسة، وستعوق كذلك من سير أنشطة
التعليم بالنسبة للطلبة.
وثاني هذه الأسباب أكثر أهمية؛ إذ هل يمكن تخيل مدى الجدل الذي سيثار حول أي مشروع لقانون عن الحجاب الإسلامي، حتى وإن كان مشروع القانون يقتصر على منع ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة. فهل المرحلة التالية هي أن يناقش شكل الحجاب المسموح به وألوانه مثلا؟
إن
لجنة ستاسي لم تطالب إلا بمنع العلامات الدينية الظاهرة من الصلبان الكبيرة
والحجاب والطاقية اليهودية في المدارس، وركزت على الفصل بين مثل هذه العلامات
"الواضحة" وغيرها من المظاهر التي لا تعد دليلا صارخا على الانتماء
والتمييز الديني، مثل الميداليات والصلبان الصغيرة، ونجمة داود، والمصاحف الصغيرة.
إلا أن الواقع هو أنه لا يوجد أي معيار موضوعي لتحديد "العلامة الدينية
الظاهرة". معناها الحرفي في القاموس هو "علامة يتم إعلانها بوضوح
لتمييز بعض الأفراد عن غيرهم"؛ لذلك فربما كان الحجاب والطاقية اليهودية
والصلبان الكبيرة علامات ظاهرة، ولكن فقط لمن يهتمون بالأمر، وليس لأي شخص لا
تعنيه المسألة برمتها.
إضافة إلى ذلك فإن لجنة ستاسي قد ذكرت الأمثلة الشائعة للعلامات الظاهرة فقط، لكنها لم تذكر شيئا مثلا عن الملابس التي يمكن لها أن تقوم بدور في التمييز، وتشير إلى الانتماء إلى أي طائفة دينية أو مذهبية في فرنسا.
لذلك
فلا بد أولا من تحديد معيار موضوعي للعلامة الظاهرة، وهو أمر يصعب بشدة، بل ربما
يجد المشرع نفسه في موقف حرج ومضحك، وهو يصر على تحديد مفهوم جامع شامل للعلامة
الدينية المميزة؛ فيتخيل موضات الملابس التي يمكن أن يرتديها الطلبة والطالبات،
ويحاول أن يفكر بعقولهم كي لا تفلت منه علامة واحدة قد يبتكرونها كي تميزهم
ويعبرون بها عن معتقداتهم.
وثالث هذه الأسباب أنه حتى إذا سلمنا بنجاح البرلمان في وضع نص تشريعي أكثر تماسكا وأقل إثارة للانتقادات والجدل من التشريع الحالي؛ فستظل هناك مشكلة أخرى قائمة؛ هي متابعة تطبيق النص الذي سيتم التوصل إليه.
والواقع
أن مشكلات تطبيق القانون من الأمور التي لا يمكن حلها.
هل
من الممكن مثلا إيجاد عقاب مثالي لمن يخالفون هذا التشريع لا يشعرهم بالظلم
والاضطهاد؛ لأنهم يعبرون عن عقائدهم؟ والسؤال التالي هو: على مَنْ
ينبغي توقيع العقاب؟ هل على أولئك اللائي يرتدين علامة دينية ظاهرة أثناء لحظة
دخولهن إلى المؤسسة العامة؟ أم على اللائي يرتدينه على بابها أثناء خروجهن منها؟
أم على اللائي يخرجن من جيوبهم كي يرتدينها أثناء الدراسة؟ كل تلك الأمور ستحول
المدرسين إلى حرس للمراقبة، بدلا من التركيز في مهمتهم الأساسية وهي التعليم. إلا
إذا تم حل هذه المشكلة بتأسيس "حرس علماني" يكرهه الكل، ويتم نشر وتوزيع
أفراده للمراقبة على كل الأماكن التي يتم إلقاء الدروس فيها؛ وهو ما يجعل الأمر
شبه مستحيل.
فليفكر
المشرعون إذن في المشاكل التي سيثيرها تطبيق القانون الجديد والتي ستضاف كذلك إلى
المشاكل الموجودة أصلا فيه، ولم يمكن حلها حتى الآن. )
فهل
ما يزال الشيخ يعتقد أن إصدار هذا القانون من حق السلطة الفرنسية إذا كان بعض
الفرنسيين – على مستوى الكاتب المذكور - يشكك في ذلك ، وهلا يرى في تصريحه
طابعا فرنسيا أكثر مما لدى الفرنسيين ؟
وألا يرى نفسه وقد تدخل في الشئون الفرنسية الداخلية أكثر مما يبدو على السطح ؟
****
أما أن فتوى الشيخ في حجاب المرأة الفرنسية باطلة ومردود ة أزهريا
فلأنها
قد صدرت كما رأينا في اجتماع لمجمع البحوث الإسلامية – الجهة
الأعلى في الأزهر لإبداء الرأي في هذه الشئون – وقد علمنا أن
المجمع في اجتماعه المذكور بحضور الوزير الفرنسي فوجئ بتصريح الشيخ أعلاه ، وقد
كان من الواجب قانونا أن يتداول المجمع في الموضوع قبل إصدار هذا التصريح ، وهذا
ما لم يحدث ، كما أن المجمع لم يعرب عن رأيه
أثناء الاجتماع بعد إصدار الشيخ تصريحه وقبل رفع الجلسة ، و انتهى الاجتماع
، وتأبط الوزير " التصريح "
مسارعا إلى الانصراف بالغنيمة ، فهل يعتبر الاجتماع قانونيا ؟
و
بعد انفضاض الاجتماع " سارع الأعضاء إلى إبداء رأيهم المعارض أمام وسائل
الإعلام ، وهذا التصرف في مجمله فوق أنه يسلب الفتوى معناها ويجردها من
موضوعها فإنه لا يعفي الأعضاء أمام الله
والتاريخ عن مسئوليتهم فيما كان المتوقع منهم أن يتمسكوا به من واجبهم في إبداء
الرأي والمشورة قبل عرض الشيخ رأيه أثناء اجتماعه بهم ، أو بعد عرضه ، وفي حضرة
الوزير الفرنسي حصرا
وإذا
لم يكن أعضاء المجمع وهم من هم في مستواهم العلمي والاجتماعي قادرين على إخراج
رءوسهم من تحت الغطاء الاستبدادي الذي يتلحف به " طلاب السلامة " فمن
للمسلمين في دينهم ؟
إذا
كان في سلطة الشيخ أن يطيح برءوس من يملك مصير وظائفهم التي يقتاتون منها في
الأزهر دون أن تهتز له شعرة عن مسئوليته عن ذلك يوم القيامة لمجرد انهم أقدموا على
معارضته مثل الدكتور يحيى إسماعيل ومن جرى مجراه فماذا عنكم أنتم وقد من الله
عليكم بحصانة من ذلك كله وفيكم من هو في درجة شيخه ، وفيكم من كان في منصب أعلى من
منصبه وفيكم من يحق له أن يدرس له ما يجهله ، كيف تعتذرون عن موقفكم أمام الله وقد
حصنكم ضد غضب الشيخ أو عقابه بينما - وأنتم خير من يعلم – لم يحصنكم الشيخ
ضد غضب الله وعقابه ؟
ألا تخشون ان تقعوا بقربكم من الشيخ الأمير في
من قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (
إن ناسا من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرأون القرآن يقولون نأتي الأمراء
فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ، ولا يكون ذلك ، كما لا يجتنى من القتاد إلا
الشوك ، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا
) مسند الشاميين ج 3 ص 405ورواه
ابن ماجه
ألا
تخشون ان تقعوا بعلمكم في الوبال الذي تحدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم :
(
العلماء ثلاثة : فرجل عاش في علمه وعاش معه الناس فيه ، ورجل عاش في علمه ولم يعش معه فيه أحد ، ورجل عاش الناس في علمه وكان وبالا عليه )
سنن الدارمي ج 1 ص 114
ألا
ترون أن الأمر قد وصل عند الجماهير إلى حد التشكيك لا في شخص الشيخ فحسب ولكن في
الصفوف التي يقف بينها والصفوف التي تقف من خلفه ومدى صلاحيتها للقيام بدور
العلماء في الإسلام ؟ ،
لقد
وصلنا نتيجة لهذه المواقف إلى الوضع الذي
أخذ البعض يتساءل فيما نتلقاه منهم من تعليق واقرؤا معي :
( شيخ
الأزهر هل هو حالة فردية أم ظاهرة تستحق التحليل؟ هل شيخ الأزهر هو فقط من يُلام
على حالة التردي التي وصل إليها ورثة الرسالة ؟ هل هو أقل ذنباً ممن سكت على
إفتراءاته ..و فتاويه الباطلة ؟ و هل مجرد الإعتراض والشجب و الإستنكار هو الرد
المقبول من باقي علماء الأزهر ؟ أليس هناك من طرق أخرى غير الشجب .. ؟ اليس هناك
الإضراب السلمي ، و التهديد بالاستقالة الجماعية ؟ هلا أعطونا المثل و القدوة في
كيفية التغيير ؟ فمتى يصحوا علماء الدين من سباتهم ؟ متى يعرفون أنهم قد ناموا بما
فيه الكفاية .. ؟ و أنهم تركوا أهم دور لهم حملوا من أجله العلم .. و هو تغيير
سلوك الناس إلى الأفضل .. و أنهم إن لم
يفعلوا ذلك فهم كمن كتم العلم ..
لقد دأبنا على أن نسأل أنفسنا هذا السؤال التقليدي .. من أين
يبدأ الإصلاح .. من الشعب أم من الحكومة ؟ …و لا أدري لماذا حصرنا الاختيار في هذين العنصرين .. اللذين ما
برحا يدخلاننا في دوامة البيضة أولاً أم
الدجاجة .. و رغم أن معظم حركات الإصلاح على مر التاريخ و في أمم مختلفة لم تبدأ
من أيً منهما .. بل قاد عملية الإصلاح غالباً أناس متميزون في كل أمة .. بدأوا
الإصلاح بأفكار قد تكون فلسفية النشأة في عقول هؤلاء المتميزين من الشعب .. ثم
تبلورت هذه الأفكار و تُرجمت إلى عمل و تحَرُك على مستوى الخاصة و العامة من الشعب
، حكاما كانوا أو محكومين .. إذاً فعملية الإصلاح لا بد لها من قادة .. و ليسوا أي
قادة .. بل يجب أن يكونوا قادة فكر يُترجَم إلى عمل .. أو فكر يُصدقَه العمل
.. قادة ميادين لا قادة مكاتب و صحف و اجتماعات و مؤتمرات .. قادة يمشون في
الأسواق .. و يأكلون مما نأكل من طعام ...يجالسوننا و نجالسهم .. فليست القراءة
كالاستماع كالمشاهدة كالمعايشة ...و لا أدري لم غفلنا ، عن عمد أو عن جهل ، عن
النموذج الأعظم من حركات الإصلاح على طول خط البشرية .. و هو " نموذج
الأنبياء في الإصلاح " .. و خير هذه النماذج .. هو نموذج النبي محمد الأمين
.. و الذي عده الغرب .. على رأس المؤثرين من العظماء .. أتعجب كيف غفلنا عنه .. و
هو أقرب النماذج إلينا .. و أنسبهم لظروفنا و معتقداتنا)
ثم يصل التعليق إلى النهاية المفجعة التي يضرب بها في وجوهنا
جميعا والتي أوصلنا إليها سلوك الشيخ وكل من هو على شاكلته : إذ يقول التعليق : (
...فلا شك أننا الآن نعيش في عصر ما قبل البعثة .. إن جاز لنا أن نتمثل بحقبة
معينة من التاريخ لنقيس عليها .. و أننا لم نصل بعد إلى أعتاب الفترة المكية من
البعثة)
ألا
ترون أن المطروح اليوم لم يعد التساؤل عن دور الشعب ودور الحكومات ولكن بالدرجة
الأولى عن دور العلماء الذين قيل فيهم بحق وإن لم يثبت كونه حديثا صحيحا : " صنفان من الأمة إذا صلحا صلح الناس وإذا
فسدا فسد الناس " .
مسئوليتكم
أيها السادة – لا مسئولية الشيخ الميئوس منها - أصبحت هي القضية الكبرى المطروحة
عليكم جماهيريا والتي تنخر في عظام المؤسسة الأزهرية حتى لتكاد ان تقع بسقوفها على
رأس الجميع
وليس عذرا لكم أيها السادة ما سمعناه من أنكم لم
تعارضوا في حضرة الوزير الضيف أدبا ، لأن
الأدب حركة مزدوجة الاتجاه ، وعلى كل حال – وأنتم خير من
يعرف - لا يكون الأدب بالسكوت عن الحق في حضرة من جاء ليسمعه ولو شكلا ، وهو
الوزير الفرنسي وإلا كان الشيطان الأخرس خيرا منكم ، أعاذكم الله
وأنتم
خير من يعرف أن المرأة التي عارضت عمر بن الخطاب لم تنتظر منه إذنا بإبداء ما رأت
، ولو أنكم فعلتم ما فعلت المرأة في حضور الوزير لما تمكن الوزير من الإفلات
بالفتوى المردودة ، ولأفلتم أنتم من مسئولية إقرارها أزهريا أمام المسلمات في
فرنسا ، وفي جميع أنحاء العالم وأمام الله من قبل ومن بعد
فهل قدر الشيخ أثر موقفه - أو قدرتم اثر موقفكم - في مواصلة هدم سمعة الأزهر في الداخل والخارج
ولم
تكن تلك بداية الغيث
فهاكم
ما نقلته الأنباء من خطبة الجمعة المدوية التي ألقاها في دمشق فضيلة الأستاذ
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي – من علماء الأزهر
الأعلام - يوم الجمعة الماضي وكأنها "برقية
نعي الأزهر " يرسلها إلى الآفاق.. جراء فتوى الشيخ ؟
وما
نقلته الأنباء حيث اعتبرت الرابطة الفرنسية للنساء المسلمات أن تصريح "
طنطاوي يمثل أمرا مؤلما للآلاف – إسلام
أون لا ين في 1\1\2004 –
من
نساء فرنسا المسلمات اللاتي عبرن طوال الأشهر الأخيرة عن حقهن الإنساني والشرعي في
ارتداء الحجاب ".
وقالت
نورة جاب الله رئيسة الرابطة، وهي أكبر تمثيل إسلامي نسوي في فرنسا في تصريحات
خاصة لـ"إسلام أون لاين.نت" الأربعاء: "إن موقف شيخ الأزهر
فاجأنا وصدمنا؛ ففي الوقت الذي دعت أبرز المراجع الدينية السنية والشيعية في
العالم الإسلامي -وعلى رأسهما الشيخان يوسف القرضاوي ومحمد حسين فضل الله- لمساندة
قضية الحجاب في فرنسا باعتبارها قضية عادلة من الناحية الشرعية والإنسانية؛ نجد أن
شيخ الأزهر يخالف ما أجمع عليه العديد من العلماء".
وحول
التأثير الممكن لتصريحات شيخ الأزهر، قالت نورة جاب الله: "لا أعتقد أن
رأي شيخ الأزهر سوف يغير من معركة الحقوق التي نخوضها والتي سنواصل خوضها؛ لأن
القضية بالنسبة إلينا هي قضية تطبيق لأمر شرعي أولا وقضية حقوق شخصية يضمنها
الدستور الفرنسي ثانيا".
من
جهتها توجهت سعيدة كادة صاحبة كتاب "الأولى محجبة والأخرى لا"، والتي
أدلت بشهادتها في 5-12-2003 كامرأة محجبة أمام لجنة ستاسي الفرنسية التي أوصت بحظر
الحجاب في المدارس الحكومية، توجهت بالنقد إلى وزير الداخلية الفرنسي نيكولا
ساركوزي.
وقالت
في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت": "إن موقف طنطاوي لا يهمني
كثيرا؛ لأني
ومسلمي فرنسا علماؤهم الذين
يفهمون بيئتهم وعلى رأسهم المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء الذي كان خير مدافع شرعي
عنا".
وبينت
كادة أنها كمسئولة في جمعية نسوية جنوب فرنسا ترى أن "خطورة" ما حدث في
الأزهر الثلاثاء 30-12-203 تتمثل في أن "يلتجئ وزير الداخلية إلى مؤسسة دينية
خارج فرنسا في حين أنه حرص بنفسه على تكوين مجلس يمثل مسلمي فرنسا" خلال
2003.
وحول
التحركات المناهضة لسن قانون يمنع الحجاب بمدارس فرنسا الحكومية، بعد تصريحات
طنطاوي، قالت مليكة شواربي التي تمثل "ائتلاف البند 18"، وهو ائتلاف
نسائي مسلم أنشئ مؤخرا للدفاع عن حق النساء في ارتداء الحجاب اعتمادا على البند
الثامن عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "إن طنطاوي لا يمثلنا من
الوجهة الشرعية".
وفي
السويد صدرت أيضا انتقادات عن المسلمين لتصريحات شيخ الأزهر التي رأوا فيها أنها
تعطي "الشرعية" لفرنسا في تضييقها ومحاصرتها للمسلمين وتضييق حرياتهم في
أداء مناسكهم وشعائرهم.
ورأى
محمود الدبعي نائب رئيس المجلس الإسلامي السويدي في تصريح لـ"إسلام أون
لاين.نت" الأربعاء أن "موقف شيخ الأزهر موقف سياسي لا يمت بصلة إلى
الشريعة الإسلامية، وموقفه ليس شرعيا مطلقا".
ومما لم يبال به الشيخ أيضا أن يعلم أن قانون فرنسا القادم
بمنع الحجاب سوف يكون له توابع في دول أخري في مقدمتها ألمانيا حيث صدر بالفعل
قرار من المستشار الألماني جيرهارد شرودر بحظر الحجاب في المدارس ولاقي قراره
اعتراضا داخل ألمانيا .
وهاهي حبات السبحة تتقاطر : ففي اخبار 7\1\2004 تقدم عضوان من
مجلس الشيوخ البلجيكي بمشروع لإصدار قانون بمنع الحجاب ، كما جاء بصحيفة LESIR
وهل قدر الشيخ اثر موقفه هذا في
هدم سمعة الأزهر في الداخل والخارج ؟
هل قدر الشيخ نتيجة تراجع سمعة الأزهر في تذكية التيارات
التي سرعان ما تتهم بالتطرف عندما تقطع
آخر خيط لها في الارتباط بالأزهر جراء فتواه -
وسكوت المشايخ في حضرة الوزير - كمثال ؟
إنه
من الزاوية الأزهرية البحتة يجب أن نسجل هنا أن الشيخ أخل إخلالا جسيما بواجبه
الذي يفرضه عليه وضعه الأزهري عرفا وقانونا وتاريخا في القيام بإبداء
الرأي في كل ما يهم المسلمين ، لا في مصر وحدها كما يحاول الشيخ أن يفعل كلما وجد
حرجا سياسيا خارجيا أو داخليا .
وقد كان هذا الواجب يفرض عليه خطابا مختلفا
للسلطة الفرنسية بتبصيرها بمواقع الخطأ- إسلاميا – في مشروع قرارها
الذي لم يصدر بعد وما انطلقت فيه من اعتبارها الحجاب رمزا إسلاميا بينما هو فوق
ذلك ، وبما يؤدي إليه من الإضرار بقيام المسلمين بفرائض أساسية في دينهم وفي سلامة
موقعهم في بلدهم ومستقبلهم فيه ، لا أن يتفوه بما تفوه به مما يعتبر خروجا عن واجبه الإسلامي الأصلي من ناحية ،
وتدخلا طفيليا في بيان ما هو من حق الدولة الفرنسية وما ليس من حقها من ناحية أخرى
لقد
كان الأولى به لا بحكم مسئوليته الدينية فحسب ولكن بحكم موقعه في الأزهر أيضا أن
يعنى ببيان ما هو من حق الأزهر أن يقوله ،
وبخاصة أمام الوزير الفرنسي الذي جاء لهذا الغرض ، ولم يأت الوزير ليتلقى درسا
دستوريا من الشيخ في حقوق الدولة الفرنسية . وأحسب أن هذا الإخلال يضع شغل الشيخ لوظيفته في الأزهر موضع السؤال والتحقيق
والمحاكمة من الناحية القانونية ، والتاريخية .
لا إنقاذا لسمعة الأزهر فحسب ولكن ..
إنقاذا
لسمعة مصر الإسلامية من الضياع ليتولاها غيرها من قيادات الإسلام في العالم ،وتلك
خسارة كبرى حتى على المستوى السياسي البحت ،
وإنقاذا
لشبابها من فتنة يأسه في قيادته الدينية ، وإنقاذا له من الانجراف نحو ما لا تحمد
عقباه من أشكال الانحراف أو أشكال التطرف .
أنقذوا
الأزهر بإقالة الشيخ
أنقذوا
مصر بإقالة الشيخ
أنقذوا
المسلمين بإقالة الشيخ
أنقذوا
التاريخ بإقالة الشيخ
إن
الإمساك بالشيخ على قمة الأزهر –
وهذه آثاره - بزعم كونه مطواعا مع المواقف السياسية أشبه بذبح الدجاجة التي تبيض
ذهبا .
****
وأما أن فتوى الشيخ باطلة فقهيا
فلأنها
أولا : خصت فريضة الحجاب بالمسلمات في البلاد الإسلامية ؟
يا
للعجب ، عشنا وشفنا ، ولو سألنا طالبا في الثانوية الأزهرية القديمة التي لا نظن
أن ثقافة الشيخ الفقهية توقفت عندها كما يبدو لأجاب
: خطأ \ صفر
ولو
أن الحجاب فريضة على المسلمات في البلاد الإسلامية دون غيرها كما هو مقتضى الحال
في نطق الشيخ - دون قصده قطعا - لكانت
الصلاة والصوم والزكاة والحج كذلك ، ولكان قصر ممارسة الجنس على الزواج كذلك ، ولكانت العفة والطهارة والصدق كذلك
،ولكانت حرمة الخمر ولحم الخنزير والقمار والربا كذلك ، ولكانت فتوى الشيخ في
تداعياتها ترخيصا غير مقصود – قطعا - بالفسق
والرذيلة بين المسلمين والمسلمات في كل بلد غير إسلامي
ولكان
على الشيخ أن يبين لنا بعد ذلك مفهوم الدولة الإسلامية في العصر الحديث الذي أزيحت
فيه الشريعة عن التشريع في الغالبية الساحقة من البلاد التي يسكنها مسلمون لكي
نعرف مدى كونها ملزمة بالفرائض الشرعية ولكي نتمكن من التفرقة بينها وبين غيرها
!!.
وهي
باطلة فقهيا لأنها ثانيا :
تتعارض مع أصل شرعي في قوله تعالى
( 'وما كان لمؤمن ولا
مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله
فقد ضل ضلالا مبينا ) الآية 36 سورة
الأحزاب
و تتعارض مع قوله صلى الله عليه وسلم فيما خرجه الترمذي في
سننه عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول
الله عليه وسلم : السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية
فإن أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة) قال أبو عيسى وفي الباب عن علي وعمران بن
حصين والحكم بن عمرو الغفاري وهذا حديث حسن صحيح
وقبل
أن يقدم الشيخ هذا الأصل في فتواه بعد أن
لاح له – ربما - تخلص منه
بما أفرغه من جعبته في قوله للمسلمات الفرنسيات " " وعليكن أن تتصرفن
تحت حكم الضرورة"
هنا
نتساءل : أية ضرورة ؟
وبالرغم
من أن المرء هنا يتساءل : لم لم يوجه الشيخ للوزير الفرنسي – وبخاصة أن قرار
فرنسا بمنع المحجبات لم يصدر بعد بصفة نهائية – لم لم يوجه له
رجاء قويا بان لا تتسبب الدولة الفرنسية في وضع المسلمات الفرنسيات في وضع الضرورة
بدلا من ان يعرب للوزير عن قدرته على التعبير عن وجهة النظر الفرنسية …
بالرغم من ذلك فإننا قبل ذلك وبعده نسأل الشيخ :
أية ضرورة ؟
كما
نتساءل عن صور الضرورة التي أقر الشيخ بان من حق الدولة الفرنسية أن تضع المسلمين
فيها ؟
نعم
أية ضرورة ؟
حسنا
فنحن نعلم جميعا أن القاعدة الفقهية تقرر أن الضرورات تبيح المحظورات ، فإذا أخذنا
في الاعتبار ان الضرورة بمعناها الشرعي هي التي تفضي إلى الهلاك فأية ضرورة هنا
يتحدث عنها الشيخ ؟
هل
علم الشيخ بالضرورة التي وضعتها الدولة الفرنسية حول رقاب المسلمات الفرنسيات إذا
تحجبن ؟
ألا
يعلم الشيخ أن الدولة الفرنسية لم تتطرق بعد إلى تقرير العقاب الذي يمكن أن تتعرض
له المحجبة الفرنسية في الأماكن التي يمنع فيها الحجاب ؟ وأنه لم يتقرر بعد ما إذا كان مما يؤدي إلى هلاك وفقا لمفهوم الضرورة أم لا ؟
وما زالت تلك هي المشكلة الدقيقة التي تتعرض لها السلطة الفرنسية كما جاء بمقال
الأستاذ دانييل أعلاه ؟
هل
استولت على الشيخ " فوبيا " من انه سيكون الإعدام مثلا !! ؟ أو السجن ؟
أو الضرب ؟ أو الطرد من الجنسية ؟ أو
الطرد من المجتمع ؟ أو الطرد من التعليم
؟ أو الحرمان من رخصة سير او .. أو ضربة على اليد من مربية في مدرسة ؟
لا زال الأمر موضع البحث : تقريرا ، وموضع البحث
تنفيذا ؟
وكيف
يمكن تنفيذه أمام رفض شعبي جماهيري إسلامي واسع ؟
وهل
يمكن تنفيذه أمام إصرار إسلامي عالمي على تقرير حق – بل واجب – المسلم في ممارسة
شعائر دينه حيث كان ؟
وهل
يمكن تنفيذه امام حركة فرنسية جادة في المحافظة على حقوق الإنسان ؟
وهل
يمكن تنفيذه أمام حركة عصيان مدني ضد إغراق المسلم في مستنقع الضرورة ولو بمباركة
الشيخ ؟
وهل
علم الشيخ أنه في مشروعات القوانين التي تطرح في الدول الديموقراطية يمكن للرئيس
أن يطرح مشروعا تحت ضغط تيار معين ، ويتمنى أن لو لم ينجح هذا المشروع مستعدا
لسحبه إذا ما تحصن بقوة المعارضة في الرجوع عنه ؟ وقد يشجع قوة المعارضة ويسعى إليها ؟
وهل
علم الشيخ أنه مسئول بكلمته تلك أمام الله عن إصابة المعارضة التي تتحرك في أحشاء
فرنسا ضد مشروع القانون في مقتل ؟ سواء توقعنا أثرها في هذه الدورة أو في دورة
برلمانية في المستقبل ؟
هل
أدرك الشيخ أثر فعلته التي جعلته مسئولا أمام
التاريخ بمثل مسئولية جاك شيراك أو
اكثر ؟ هل أدرك أثر كلمته ؟
وهل
يذكر الشيخ للرسول صلى الله عليه وسلم حديثا درسناه معا في صفوف الثانوية الأزهرية
القديمة في الكلمة التي تهوي بصاحبها في نار جهنم سبعين خريفا ؟كما جاء في مسند
أبي يعلى بسنده عن الحسن عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن
الرجل ليتكلم بالكلمة فما يرى أن تبلغ حيث بلغت يهوي بها في النار سبعين خريفا )
يا لله للشيخ ، يا لعفو الله عمن أسرفوا على
أنفسهم في غضب الله ولكن بأن يتوبوا .
وبعد
: فهل علم الشيخ بشيء من ذلك وهو يتحدث عن الضرورة ؟
وإذا
كان الشيخ قد لزم القول بعدم التدخل في الشئون الداخلية للمسلمة الفرنسية فلماذا
يبيح لنفسه التدخل بمنع المسلمات الفرنسيات من اختيار الحل الذي يروقهم في مواجهة
السلطة ؟ وقد يكون هذا الحل في أيديهم :
بدءا
من الاحتجاج ومواصلته – حتى
بعد صدور القانون – بقصد تعديله لو أن الشيخ أيدهم فيه
ومرورا
بإنشاء مدارس إسلامية خاصة قد لا تلبي المنفعة والزينة ، ولكنها بالقطع تلبي
الضرورة وقدرا من الحاجة
وانتهاء إلى البحث عن أرض واسعة قد تسعهم
وتحميهم ؟
وبعد
:ألا يعلم الشيخ أنه تتعلق بهذه القاعدة --
الضرورات تبيح المحظورات – قواعد مكملة :
أولاها أن : الضرورات
تبـيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها، ومن هنا جاز أكل الميتة عند
المخمصة
ثانيها : أن ما أبـيح
للضرورة يقدر بقدرها، ومن فروعه: المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سدّ الرمق
ثالثها :أن الضّرر لا يزال بضرر مثله أو أكبرمنه ومن فروعه
ألا يأكل الميتة تخلصا من ضرر أكل
الجراد .
والرابعة : أنه إذا
تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضرراً بارتكاب أخفهما ، ومن فروعه أن يتحمل المفسدة
الأخف بلبس الثوب الخشن بدلا من المفسدة
الأعظم بالتعري ، أو أن يتحمل المفسدة
الأخف في المدرسة المتواضعة بدلا من المفسدة الأعظم بخلع الحجاب وبخاصة إذا كان من
ورائها يكمن قطع دابر كل ما ينتسب للإسلام
، كما بدأ الأمر ثم انتهى مع الموريسكيين في الأندلس منذ أكثر من أربعة
قرون . . .
ورجوعا إلى الشيخ
لنسأله : فما هو التعليم الضروري وما حدوده الذي يبيح ارتكاب المحظور ( خلع الحجاب
) في فتوى الشيخ ؟ أم أن الشيخ يتسلل إلى
باب المنفعة والزينة بعد دخول باب الضرورة تلك التي ما تزال مجهولة ؟
أية ضرورة ؟
هل أجرى الشيخ هذه المقارنات
الفقهية الدقيقة ثم اهتدى إلى أن المحظور هنا وهو خلع الحجاب اقل درجة من
الضرورة وهي – في أقصى الحالات – لا تتعدى الطرد من مدارس الدولة ؟ وقد كان وما يزال في إمكان المسلمات في فرنسا
الاحتجاج والاستقواء بمسعى المسلمين والشيخ – لو أراد - كي يزيل الضرورة من طريقهم لا أن يدعوهم إلى الوقوع
فيها ؟
ألا يدخل ذلك كله في الحسبان قبل
أن يفتح الشيخ باب الضرورة في كل ما هب
ودب : " تلك ضرورة " ، تلك ضروة
" ، فانتهكوا المحظور أيها المسلمون وذنبكم على مفتيكم ؟
وإذا
كان الشيخ يدعو متسرعا إلى التصرف في حدود الضرورة فأين هو من حديث الرسول صلى
الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد مسند الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن أبي
هريرة : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (
ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا
ويمسي كافرا ، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل ، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض
على الجمر ) وهو كما لابد يفهم الشيخ :
يدعو إلى الصبر والمقاومة لا إلى ما يدعو إليه الشيخ من الانبطاح تحت مفهوم
الضرورة ؟
أما كان الأجدر بالشيخ أن ينظر
للموضوع من خلال هذا التحذير النبوي الذي يصدقه اليوم ما لم يعلمه الشيخ من
أن القضية أبعد من الحجاب وغطاء الرأس
.. فهناك – كما تقول السيدة نجوى طنطاوي ( حصار للمسلمين في أوربا يدعمه
اللوبي اليهودي .. .. وفي فرنسا تحديدا حقق المسلمون مكاسب منها تأسيس أول مجلس
فرنسي للدين الإسلامي ووجود 1600 مسجد واختيار اثنين من المسلمين في الحكومة لكن
رغم ما تحقق للمسلمين إلا أن العنصرية في فرنسا تجاوزت كراهية العربي لتصبح كراهية
الدين .. )
ثم ماذا في جعبة الشيخ من تزكية
الوقوع في ضرورات أخرى وقعت في بلد الصديق الفرنسي فعلا :
من مثل ما كشف عنه " فانسان جاير" الباحث
الفرنسي بمعهد الأبحاث والدراسات حول العالم العربي في كتاب عنوانه : 'موجة كراهية
الإسلام علي الطريقة الفرنسية':
من حوادث اعتداء علي المساجد ؛ تراوحت بين إلقاء
ألوان علي جدار المسجد ، إلي إشعال حرائق
، وإلقاء مواد حارقة ، وإرسال طرود مفخخة
ومن صدور قرارات محلية في بعض المدن : منها قرار
عمدة مدينة 'اومون' في الشمال بمنع المسلمين من اقامة احتفالات الزواج يوم السبت
علي أساس أن هذا يوم كريم مخصص للفرنسيين الكاثوليك المؤمنين .
وفي مدينة 'ايفري' حيث عارض العمدة قرار صاحب
سوبر ماركت بعدم بيع الكحوليات ولحم الخنزير.
ومن استدعاء المسئولين عن الاتحادات الإسلامية
وأئمة المساجد أمام مراكز الاستخبارات بصفة دورية ..
ومن هدم صالات للصلاة ..
ووصف
المحجبات بالمريضات ، والأئمة بالأميين في بعض الكتابات.
ومن طرد
وزير العدل الفرنسي دومنيل بيرفان عضوة هيئة المحلفين في محكمة قرب باريس
لارتدائها الحجاب.
ومن دعوة
لتطويق الإسلام بالرقابة علي مصادر تمويل المساجد والجمعيات الخيرية
ومن مثل ما
كتبه الكاتب الفرنسي ميشيل هو لبيك لمجلة 'لير' ان الإسلام دين غباء وانه يصاب
بالانهيار عند سماع القرآن . جريدة
الأسبوع 5\ 1\2004
ماذا عند
الشيخ المفترض كونه مسئولا عن بيان الحكم الشرعي في كل ما يتعلق بالمسلمين في
أنحاء العالم غير الانبطاح أمام ما قد يسميه ضرورة ؟
ثم ماذا – وفي هذا الإطار- ما ذا في
جعبة الشيخ من تزكية الوقوع في ضرورات أخرى متوقعة في ضوء قرارت الملكة جوليانا ( 1479 – 1555)
ماذا من محظورات أخرى سوف يدعو
الشيخ المسلمين إليها في مواجهة ضرورات
أخرى منتظرة يشجع الشيخ الأصدقاء
عليها حسب القانون الفرنسي الجديد؟
أن تقفل أبواب المساجد باعتبارها
رمزا ؟
أن تمنع اللغة العربية باعتبارها
رمزا ؟
أن تمنع قراءة القرآن جهرا ؟
أن يمنع النطق بالبسملة ؟
أن يمنع النطق بالتكبير ؟
أن يمنع الأكل عند المغرب في رمضان
؟
أن يمنع التوريث وفقا للشريعة ؟
أن يمنع ذبح الحيوانات على الطريقة
الإسلامية ؟
أن يمنع لبس الثوب السابغ على
الجسم ؟
أن يمنع لبس الجلباب للرجال – وقد حرمته
قوات الاحتلال في العراق أخيرا على المتظاهرين – ؟
أن يمنع الشيخ من لبس العمة عند زيارته لباريس ؟
أو أن يمنع ذلك كله وغيره على كل
بقعة أرض تنتمي إلى السيادة الفرنسية أو في مستعمراتها السابقة ؟
أ
و أن تنتقل فرنسا كطليعة في اضطهاد
المسلمين إلى ملف الممنوعات التي حرمتها الملكة جوليانا ( 1479 – 1555) على " الموريسكيين " في عملية إبادة
المسلمين في الأندلس – وعلى الشيخ أن يعلم شيئا عنها – إذ يجري الآن التحرك نحوها بتؤدة وحذر ؟
****
إن بناء فتوى الشيخ هذه على أساس
قاعدة الضرورات تبيح المحظورات قبل أن تتبين له ملامح هذه المحظورات وملامح
الضرورات المتوقعة ..وملامح تداعيات ذلك مستقبلا
.. وإجراء الموازنة بين ذلك بدقة
شرعية .. باطل شرعا
وعلى أعضاء مجمع البحوث الإسلامية أن يتبرءوا منها في أول جلسة قادمة للمجمع وقبل
التصديق على الجلسة السابقة .
وعلى كل من أكرمه الله من رجال
الأزهر بحصانة ضد بطش الشيخ ، أن يصرخ بكلمة الله في وجه الشيخ ، فإنه لا خير فيهم
إذا لم يقولوها بعد أن كان لا خير فيه إذ لم يسمعها
وعلى الذين لم يتحصنوا ضد بطشه أن
يحصنوا أنفسهم ضد بطش الله
وعليهم جميعا قبل ذلك أو بعده أن يحاولوا إنقاذ سمعتهم شخصيا
وسمعة الأزهر من ورطتها التي وقعت فيها
بسبب فتوى الشيخ ، بالطريقة التي تعفيهم من المسئولية أمام الله والتاريخ
وأخيرا فهنيئا للعلمانية بتصريح
الشيخ الذي كان يفكر علمانيا فصار إلى ما صار إليه وإن لم يكن يعني ما ذهب بنا
إليه – فرضا –
، غفر الله لنا وله .
تقربوا إلى الله بإقالة الشيخ
أثابكم الله
والله أعلم
-------------------------------------
* عميد كلية أصول الدين
بالأزهر سابقا