بقلم : محمد حسنين هيكل
خطر على بالي أن هناك حاجة إلى كلمة عن مهمة
كاتب اختار لنفسه مجلة شهرية بعيدة عن أعمدة الصحف اليومية و زحامها وظروفها
أيضاً!
وخطر على بالي أنني في هذا الصدد أستطيع أن
أحدد عدة أغراض لا يصحّ لهذا الكاتب أن يطمح إلى غيرها:
1 في مهمته استثارة الذاكرة حتى تترابط
الحوادث وتتأكد طبيعتها تياراً يتدفق وموجات تتلاحق، يتواصل بها الأمس واليوم، مع
المنتظر والمحتمل.
2 و في مهمته أن يبحث في الحاضر ويطيل النظر
إليه بجهد يتجاوز العارض والعابر حتى يركّز على فهم سياقه ومعناه ودلالته.
3 و في مهمته أن يقدم ما يمكن أن يكون حواراً
هادئاً مع الناس والأفكار ومع العصر والتاريخ ويستدعي الاهتمام بالشأن العام.
4 وفي مهمته أخيراً أن يقوم بدور يشبه ما
يقوم به الراصد الجوي، بحيث يكون قارئه مستعداً لتقلبات الطقس، فلا تدهمه على غير
تنبه وتحوّط، فإذا وقعت مفاجأة وجد أمامه بابا أو أبوابا لها مفاتيح قد تتوافق مع
الأقفال.
في هذه الحدود عليه أن يمارس مهمته يصيب مرة
أو يخطئ، وينجح مرة أو يفشل ويجرب دائماً، فإذا استطاع الوصول فقد أضاف، وإذا لم
يصل فقد غطّى جزءاً من الساحة.
تلك هي الحدود... أو كذلك أتصوّر، ولعلي لم
أخطئ كثيراً لم أقصر دون الحدود، ولم أتجاوز بعدها!
أولاً: الإمساك بالبيت الأبيض
وبالقرن الحادي والعشرين!
لم يتنبّه كثيرون في العالم على الأقل بالقدر
الكافي لانتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة (نوفمبر 2000) لأن معظم المراقبين
اكتفوا بالنظر إلى ما يجري على واجهة المسرح، ولم تلفتهم كما كان لازماً تلك
الحركة الهادئة التي تمشي وراء الكواليس حيث يتواجد المشرفون والمديرون والمخرجون
و الفنيون من كل اختصاص ، وكان الاهتمام بهؤلاء أوجب ، لأن حركتهم كانت بمثابة
التحضير للعرض بما فيه بلورة الفكرة، وكتابة النص، وترتيب المشاهد، واختيار
الأبطال، والتأكد من تطابق شخصياتهم مع أدوارهم حين يرتفع الستار ويبدأ حوار
المشاهد ويتواصل نحو مقاصده.
وكما بدا فإن معظم المراقبين للمعركة
الانتخابية الرئاسية (سنة 2000) ركزوا على مرشحين واجه كلاهما الآخر في المناظرات
الانتخابية أمام عدسات التلفزيون، ثم أجمعوا على أنها منافسة بين السطحية والملل
جورج بوش عن الحزب الجمهوري وآل غور عن الحزب الديمقراطي) وهي على هذا النحو
منافسة تستحق أن يخسر فيها الرجلان معاً لو كان ذلك ممكناً، وهو لسوء الحظ لم يكن،
وبالتالي فإن الولايات المتحدة خطت إلى قرن جديد (الحادي والعشرين) وفي البيت
الأبيض رجل يمثل عوامل الضعف الأمريكي ولا يمثل عوامل القوة بمعنى أن ذلك التردي
على مستوى القيادة الأمريكية العليا، والذي زاد مع فضائح بيل كلينتون في البيت
الأبيض سوف يستمر ويواصل نزوله على السفوح بأساليب أخرى تؤدي فيها التفاهة أو
الملل في عهد جورج بوش الابن أو آل غور ما صنعه الشباب أو الجنس زمن رئاسة بيل
كلينتون الذي قضى في البيت الأبيض فترتين رئاسيتين:
الأولى : استعراض لفتوة الشباب ووعدها
المتحفّز، والثانية: عرض للضعف الأخلاقي والمعنوي أفقد مركز القرار مهابته.
لكن تلك كانت نظرة تركز على الواجهة لا
تتجاوزها إلى ما وراءها أو إلى ما سبقها، بظن أن الواجهة تكفي للحكم على أي عمل
باعتبار أن المرئي يغني عن المخفي ولم تكن تلك كل الحقيقة!
في ذلك الوقت لم يتنبّه كثيرون على الأقل
بالقدر الكافي إلى أن هناك فكرة إمبراطورية تملكت الولايات المتحدة، وأن هذه
الفكرة تمكنت بعد سقوط حائط برلين (1989) وما تلاه من تداعي الاتحاد السوفيتي، ثم
إن هذه الفكرة طرحت نفسها بإلحاح في ظروف حرب الخليج الثانية التي هيأت للقوة
الأمريكية فرصة تمارس فيها تجريب ترسانتها الإلكترونية المتطورة في ميدان قتال،
ورغم أن الهدف المُعلن في تلك الحرب كان تحرير الكويت (نفط الخليج) فإن الهدف
الثاني بعده بان درساً تعطيه أميركا للعالم بالذخيرة الحية في فاعلية البطش لا
ينساه أحد!
وكان مغزى هذا الدرس أن يفهم العالم وليس فقط
أن يعرف العراق أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها الإرادة ولديها الوسائل التي
تضمن لها ما لا يصح لطرف أن يجاريها فيه، فضلا عن أن يتحداها عليه.
وكما يتأكد الآن فإن تلك الحرب (حرب الخليج
الثانية) كانت في جانب مهم منها رسالة موجهة إلى العالم بأنه زمن تاريخي مختلف
وأنه أمريكي في الإعلام والخرائط والبوصلات!
وبالفعل فإنه بعد تحرير الكويت راحت إدارة
بوش الأب تركز على فكرة رئيسية شاغلها: كيف يمكن تحويل السابقة التي عاشها الشرق
الأوسط أوائل سنة 1991 إلى قانون عام يسود ويتحكم في القرن القادم (الحادي
والعشرين).
والقصد أنه إذا كان القرن العشرون هو قرن
الصعود الإمبراطوري الأمريكي فإن القرن الحادي والعشرين عليه أن يكون قرن التعزيز
الإمبراطوري الأمريكي، بما يرسي الدعائم في عمق الأرض ويعلي السقف إلى بعد الفضاء،
وكان المفروض أن يكون ذلك هو شاغل إدارة جورج بوش (الأب) عندما يُعاد انتخابه كما
كان متوقّعاً لمدة رئاسة ثانية، وقد بدا لمن يعنيهم أمرها أنها في اليد شبه مضمونة
أو مضمونة بالكامل!
كان اعتمادهم أن رئاسة بوش الأولى (1988
1992) قامت بخطوتها الواسعة على طريق التعزيز الإمبراطوري بمقدرة وكفاءة:
ضربت ضربتها في المواقع الصحيحة من الناحية
الاستراتيجية، عندما وجهتها نحو الشرق الأوسط وهو المساحة المكشوفة بين آسيا
وكتلها البشرية الكبيرة (الصين والهند) وبين أوروبا (ودولها الصناعية القوية)،
وبالتالي تحقق الاختراق نافذاً حتى النخاع.
ثم إن هذا النفاذ تمثل في انتشار عسكري واسع
مد يده وقدمه! إلى أغنى منابع البترول (الذي أكد نفسه، رغم شكوك راودت البعض،
باعتباره السلعة الأكثر ندرة والأكثر قدرة على الوفاء بمطالب التقدم والرخاء على
الأقل حتى ثلث القرن الجديد).
ومع أن هذا النفاذ حقق مطلبه بواسطة تحالف
دولي واسع فإن الولايات المتحدة كانت هي التي رصت أطرافه، وتقدمت صفوفه، ونظمت
خُطاه، وضربت باسمه، وقد مشى هذا التحالف وراءها مسلّماً لها بالقيادة مبهوراً بما
ظهر من أدوات قوتها سواء بومض النار أو بوهج الأفكار يشيّعها إعلام تفوق في
استعمال إلكترونيات توجيه وتركيز السلاح، وبالدرجة نفسها في نقل ونشر الصور، وكان
سابقاً في الحالتين!
زاد على ذلك أن النفاذ الأمريكي استطاع أن
يعثر على ذرائعه القانونية والأخلاقية، لأن تلك الحرب في الخليج سنة 1991 بدت
لكثيرين حرب تحرير لبلد صغير أغار عليه جار أقوى منه، وذلك أثار فزعه ودفعه إلى
طلب النجدة من مصادرها، وقد وصلت النجدة بالفعل إلى طالبها قبل أن يوجّه طلبه
كتابة أو شفاهة لأن خطاً أحمر وقع تجاوزه، وذلك أخطر من حق الجيرة ومن حق القانون
معاً!
وعليه كان التقدير أن جورج بوش (الأب) على
خلفية حرب تحرير الكويت، سوف يحصل يقيناً على رئاسة ثانية تتم فيها عملية التعزيز
الإمبراطوري وتأكيد ثلاثة أهداف:
سيطرة الأمريكي مطلقة في العالم، غير قابلة
للمناقشة أو التحدي (الآن وفي المستقبل أيضاً).
سيطرة مباشرة على منابع النفط تتحكّم في
إنتاجه وتقنين استهلاكه (سواء بضبط الحصص أو توجيه جزء من الموارد للبحث عن بدائل،
لأن النفط مورد مستنفَد وما هو معروف عن مخزونه يغطي نصف هذا القرن بالكاد).
ونفاذ غائر وراسخ في منطقة هي على الخريطة
قلب العالم ومفترق طرقه البرية والجوية والبحرية ولا تزال (لأن التكنولوجيا مهما
حققت لا تستطيع إلغاء الجغرافيا، باعتبارها الجسم الطبيعي لكوكب الأرض مهما قال
وقيل).
لكن غير المتوقع يحدث دائما (باستعارة عنوان
قصة مشهورة لأندريه موروا) وذلك ما جرى حين خسر جورج بوش (الأب) معركته الانتخابية
وسقط أمام مرشح آخر مجهول من ولاية أركانساس أطلق شعارا سحريا لمس فيه نبض الشعب
الأمريكي بقوله إنه الاقتصاد يا غبي موجّها الخطاب بالطبع إلى الرجل الحالم بتعزيز
الإمبراطورية الأمريكي دون أن يتنبه إلى أن الاقتصاد الأمريكي متعب مرهق، فقد خرج
من الحرب الباردة مستنزفاً، بشاهد أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر بلد مدين في
العالم، كما أن ظاهر رخائه يعود في صلبه إلى أن أموال الآخرين تدفقت عليه بحثا عن
ملاذ بعيد يمكن أن يكون آمناً (وضمن هذه الأموال فوائض البترول).
وقد نجح كلينتون لكن المشروع الإمبراطوري
الكبير الذي تجلى لإدارة جورج بوش (الأب) ولأقطابها لم يسقط، فلم يكن ذلك المشروع
هو المطروح على الناخبين لأن المشروعات التاريخية الكبرى أوسع من الضرورات اليومية
المؤثرة مباشرة على صناديق الاقتراع!
ومن المفارقات أن الخطوط الرئيسية للمشروع
الإمبراطوري كتبت وثيقة على الورق في شهر مارس سنة 1992، أي بعد دخول كلينتون إلى
البيت الأبيض بخمسة أسابيع، وتحت إشراف وزير الدفاع السابق ريتشارد تشيني، وكان
القائم على صياغتها معاوناً مقرباً منه هو زالماي خالد زاده (وهو الآن مبعوث
الرئيس بوش (الابن) للإشراف على ترتيب الأوضاع في أفغانستان وقد انتقل أخيرا إلى
مهمة أخرى هي العراق قبل حرب أميركا ضده وبعدها).
وحتى هذه اللحظة وبعد إحدى عشرة سنة من كتابة
تلك الوثيقة، فإن قراءتها (وهي مدرجة في ملفات مجلس الأمن القومي) يظل مفيدا
وكاشفا لكثير جرى من وقتها وحتى الآن.
وتقول الوثيقة في مقدمتها بالنص:
إن الولايات المتحدة الأمريكي عليها أن تعمل
بكل جهدها حتى تتأكد من أن أي قوة منافسة (أو صديقة) في أي مكان في العالم لن تبلغ
مكانة توازي مكانتها في القوة وعواملها.
إن هذه المهمة في مقدور الولايات المتحدة وهي
تستطيع أداءها عندما تتصرف باسم القوى الصناعية الكبرى في العالم بعد إقناع تلك
القوى بأن الولايات المتحدة سوف تراعي مصالحها المشروعة وتحميها بقوتها العسكرية
الغالبة، وعلى هذا الأساس فإن الولايات المتحدة مطالبة بإيجاد الآليات التي تضمن
ردع أية قوة منافسة لها ورد طمعها أو طموحها إلى القيام بدور إقليمي أو عالمي
أكبر.
وعلى مثل هذه القوى الطامعة أو الطامحة إلى
أدوار كبيرة ومنها ألمانيا واليابان وروسيا والصين أن تفهم مبكرا أن أية محاولة من
جانبها لدخول مجال الأسلحة النووية أو زيادة ترسانتها على ما هو موجود فيها سوف
تلقى مقاومة شديدة تتولد من الشك في نواياها ودواعيها إلى زيادة قوتها العسكرية، وحينئذ
فإن مثل هذه القوى لا بد أن تفهم أن ذلك سوف يضعها سواء قصدت أو لم تقصد على طريق
صدام مع الولايات المتحدة، وعليه فإن الولايات المتحدة لا بد أن تظهر استعدادها
مبكراً لمنع أية درجة من درجات الانتشار لأسلحة الدمار الشامل لكي يتأكد للجميع
تصميمها على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمواجهة مثل هذه الاحتمالات، سواء كان ذلك
بطريقة جماعية أو بطريقة منفردة.
ومؤدى الموضوع في هذه النقطة أن حدود السلاح
لدى أي دولة في العالم اليوم، هي حدود ما هو موجود لديها الآن فعلاً، ولا يحق
لدولة منها أن تتجاوزه، وهنا يتكشف أن العالم أمام مشكلة على الطريق بعيدا عن
العراق ووراءه، وأن هناك مضاعفات واسعة المدى تترتب عليها ولعل تلك معركة الغد وما
يليه.
وكانت إدارة بيل كلينتون بحقائق الأشياء
واعية بأهمية المشروع الإمبراطوري الأمريكي، مطلعة على وثائقه لكنها كانت عازمة
على تحقيقه بمزاجها وليس بمزاج أصحابه الجمهوريين الأصليين، ولدى إدارة كلينتون في
ذلك سببان:
من ناحية لأن تلك الإدارة أعطت الأولوية
للاقتصاد (وبلغت في شأنه درجة مقبولة من النجاح).
ومن ناحية أخرى لأن إدارة كلينتون آثرت أن
تتخذ مع بقية العالم أسلوبا أكثر نعومة (يعتمد الحرير بديلا عن الحديد).
والحقيقة أن كلينتون كان خليطا من متناقضات
شديدة، بعضها يشده إلى النجاح وبعضها يُقعده مع الفشل:
فهو من الأول شاب ذكي، موصول إلى درجة كبيرة
بروح عصره، وذلك تجلّى في برامجه الاجتماعية التي أعطت الولايات المتحدة فرصة
لاستيعاب التحولات التكنولوجية الهائلة دون ضغط على أعصاب الناس أو على مستوى
معيشتهم أو على فرصهم في العمل.
وهنا فإن إدارته حققت أدنى نسبة بطالة وأعلى
نسبة فائض في الميزانية (رغم استمرار التزايد في الدين العام الأمريكي).
يلي ذلك أن كلينتون أدرك أن مشروع أميركا الإمبراطوري
يصعب تنفيذه بتجاهل أوروبا (أو كتل آسيا البشرية الكُبرى التي سارعت لتلحق بأسباب
التقدم)، وكذلك استقرت إدارة كلينتون على أفضلية السماح بقيام مجلس إدارة لشؤون
العالم له رئيس وعضو منتدب يمثل أغلبية أسهم الشركة الدولية، وذلك يعني حضور
أوروبا وكتل آسيا الضخمة في المشاورات والإجراءات (وإلى درجة ما في القرارات) وتظل
الكلمة الراجحة لرئيس المجلس والعضو المنتدب، وهذا ترتيب لا يتجاهل حصة الأقلية أو
يهملها، وفي حساب إدارة كلينتون أن نجاح المشروع الإمبراطوري الأمريكي يلزمه تجنب
إثارة الشكوك وتقليب مواجع أطراف إمبراطورية أوروبية سابقة مازال لها حتى هذه
اللحظة تأثير في القارة وعبر البحار.
وبعدها كانت إدارة كلينتون متفقة على أن
النداء الذي يستطيع إقناع الكل بقبول دور متميز للولايات المتحدة هو التصدي
للإرهاب الذي تتفاقم مخاطره (مع ظهور انقسام طبقي حاد على مستوى الدنيا بين أغنياء
وفقراء وبين متقدمين ومتخلّفين)، وفي تقدير الإدارة الأمريكية (وقتها) أن الحرب ضد
الإرهاب تستطيع المحافظة على تحالف عالمي واسع يستقطب كثيرين حتى من الفقراء
والمتخلّفين ثم إنه تحت مظلة الحلف المعادي للإرهاب يمكن فتح الساحة أوسع كل يوم
لقرار أو فعل أمريكي يضيف إلى قدرة الإمبراطورية الجديدة دون أن يستثير حساسية
الآخرين، خصوصاً وأن كثيرين في مجتمع الدول يسلّمون بأن الإرهاب يحتاج إلى يد طولى
تقدر على الوصول إلى أي مكان في العالم أي وقت من الليل أو النهار، وذلك متوافر
لأميركا قبل أية قوة دولية غيرها!
في ذلك كله (مما سبق) كانت إدارة كلينتون
حريصة وواعية، لكن عُقدة تلك الإدارة أن شخصية رئيسها لها جانبها الرمادي، فهو
أثناء صعوده إلى القمة عقد أحلافاً كثيرة مع الشياطين طاردته أشباحها حين كان
حاكماً لولاية أركانساس ثم لاحقته عندما انتقل إلى البيت الأبيض رئيسا للولايات
المتحدة (وبين الأشباح علاقات منافع متبادلة مع أموال مشبوهة ورجال أعمال يقترب
إصرارهم على الثراء من حدود الجريمة).
وزاد أن التكوين الإنساني لكلينتون وظروف
نشأته الأولى في بيت محطّم، مع أم لم تستطع أن تحدّد له على نحو قاطع من كان أبوه
عرّضته لتناقض في المعايير ما لبث أن طغى على رئاسته وكسح إيجابياتها.
وفي مدة الرئاسة الثانية لإدارة كلينتون،
وبينما الرئيس شبه معوق بمحاولات عزله، وشبه مجروح باضطراره للدفاع عن نفسه أمام
شعبه وأمام شعوب العالم يحاول شرح الفارق بين جنس كامل وجنس غير مكتمل (والناس في
كل أرجاء الأرض يسمعون ويضربون كفاً بكفّ ولا يصدّقون آذانهم!) بدت واشنطن حاملة
طائرات ضخمة جنحت على الصخور!.
وعندها بان لمن يشغلهم الشأن الإمبراطوري أن
إدارة كلينتون لا تقدر على المهمة الإمبراطورية، وأكثر من ذلك لا تُؤْتَمَنْ،
وبالتالي فإن عليهم مسئولية استعادة الزمام إلى أيديهم. ولأنهم كانوا بعيدين عن
الإدارة (هم جمهوريون وهي ديمقراطية) فقد صرفوا الجزء الأكبر من جهدهم في النصف
الثاني من تسعينيات القرن العشرين في البحث والدرس وصياغة المشروعات والدعوة لها
على أمل أن تجيء إدارة جمهورية (تملك فرصة للفوز إذا استطاعت حملتها الانتخابية
استغلال عيب الضعف الإنساني الذي شاب إدارة كلينتون بالقوة نفسها التي استغلت به
حملة كلينتون ذلك الضعف الاقتصادي الذي عاب إدارة بوش (الأب) ).
وظهرت عدة بؤر تجمّع فيها دعاة المشروع
الإمبراطوري الأمريكي المؤمنين بقدره المكتوب والمؤهلين للتنظير له، والساعين
لتحقيقه كمهمة مقدسة.
وكذلك ظهرت على الساحة الأمريكية وفي مواقع
النفوذ (وإن لم يكن في دائرة السلطة) وفي مراكز التأثير (وإن لم يكن عند موقع
القرار) جماعات معنية بالأمر راحت تسابق بعضها:
كانت البؤرة الجماعة الأولى هي الغلاة من
دعاة الإمبراطورية رجال من أمثال دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع الحالي)، وريتشارد
بيرل (مدير التخطيط الاستراتيجي في وزارة الدفاع الذي اضطر لتقديم استقالته قبل
شهر بسبب فضائح مالية ثبت فيها استغلاله لمنصبه) وبول وولفويتز (نائب وزير الدفاع
الحالي) وكلهم من أقطاب إدارة بوش (الأب) وأركانها ونجومها، وهؤلاء ركزوا على بند
إحكام السيطرة السياسية والعسكرية على الشرق الأوسط. والسائد في اعتقادهم أن
“إسرائيل” هي الدعامة الرئيسية لخططهم في تلك المنطقة، لأن الشرق الأوسط فيه
دولتان لديهما المؤهلات اللازمة لخدمة مشروعهم:
الأولى: “إسرائيل” لأنها دولة تملك الكفاءة
(في حين أن الدول العربية المحيطة بها حسب تعبير رامسفيلد هي في أحسن الأحوال
أراضٍ عقارية مازالت خالية وبعضها خرائب!!) وذلك التقدير أدّى بأصحابه تلقائيا
وبالعاطفة والعقل معاً إلى تحالف مع أكثر العناصر تشددا في “إسرائيل ” ، أي أن
أصحابه أصبحوا جميعاً مؤيدين لحزب الليكود، وأنصاراً لزعيمه الحالي آرييل شارون.
(وقد كتب أحد الأقطاب من غلاة هذا التيار وهو
ويليام سافير (من أبرز كتاب جريدة نيويورك تيمس) مقالاً أورد فيه أنه لا يستطيع أن
ينام الليل مستريحا إلا بعدما يسمع صوت شارون على التليفون ثم يغمض عينيه!).
وأما الدولة الثانية التي يمكن الاعتماد
عليها فهي تركيا، لأنها بالحجم أقوى دولة في الإقليم، وفي الوقت نفسه فإنها ليست
عربية، وإنما على الحافة الموازية للعالم العربي، ولأن السلطة فيها للقوات المسلحة
بنص الدستور، فإن القرار التركي يجيء أقرب إلى الانبهار بالتكنولوجيا حيث تتفوق
أميركا و(إسرائيل) وأبعد عن الالتزام بالتراث الذي يجمع تركيا بالثقافة مع العرب.
ومن وجهة نظر أقطاب هذه البؤرة الجماعة فإن
تاج الشرق الأوسط يمكن تثبيته على رأس الإمبراطورية الأمريكية بعملية تصفية نهائية
لمؤثرات عربية قومية قد تعاودها أحلام قديمة لم يعد لها الآن مجال، وتأمين ذلك
يقتضي إجراء عملية جراحية واسعة في العالم العربي تغير أفكاره وتوجهاته وتغير قيمه
ومعتقداته، حتى إذا اقتضت الجراحة زرع قلب جديد، يقبل به الجسم العربي فكراً
وفعلاً مهما كانت درجات الحساسية والمقاومة والرفض وإذا أصرّ الجسم العربي على
العناد، فإن الجَرَّاح القائم على زرع القلب مخوّل بتوقيع شهادة وفاة!
وكانت البؤرة الجماعة الثانية من أقطاب صناعة
البترول، وبينهم جورج بوش (الأب)، وجيمس بيكر (وزير خارجيته)، وريتشارد تشيني
(وزير دفاعه، والآن نائب الرئيس)، وكان إجماع هؤلاء أن البترول هو المستقبل
المنظور (حتى يجيء اختراق تكنولوجي يوفر بديلا للطاقة بسعر اقتصادي) وكذلك كان
رأيهم أن المشروع الإمبراطوري الأميركي لا يمكن إسناده بغير سيطرة كاملة على موارد
البترول.
وكان الإطار الذي التقى فيه أقطاب هذه
الجماعة للبحث والدرس هو مكاتب وقاعات المركز الذي أنشأه جيمس بيكر في هيوستون
(عاصمة تكساس) لاستراتيجيات البترول و(بيكر لا يزال يديره حتى الآن)، ومن المُلاحظ
أن كاتبي التقرير الأول لهذا المركز سنة 2000 اختاروا تصديره بمقدمة لها معنى،
منقولة عن نص قديم من سنة 1950 كتبه السفير الأشهر في الدبلوماسية الأمريكية جورج
كينان يقول فيه بالنص:
إن الشعب الأمريكي يمثل 6,3% من سكان العالم، لكنه
يستهلك 60% من بترول هذا العالم، والمهمة الأولى للاستراتيجية الأمريكية تقتضي
المحافظة على هذه النسبة مهما كانت ظالمة للآخرين والعمل على فرضها بكل الوسائل،
دون أن تخدع نفسها بأية أوهام عن مبادئ العدل والمساواة حتى لو اضطرت في سبيل ذلك
إلى استعمال قوة السلاح، لأن المبادئ تخاطب الضمائر والحقائق تصنع الحياة!.
وكانت أبرز الحقائق كما يظهر في الخطوط
الاستراتيجية المطروحة للبحث في إطار مركز بيكر منطقاً شديد التركيز:
الخيار الأكفأ للولايات المتحدة هو السيطرة
على صناعة البترول (بكافة مراحلها).
والولايات المتحدة لم تعد تستطيع الاعتماد
كما فعلت على مصدر رئيسي هو البترول السعودي كما وقع بعد الثورة الإيرانية ومع أن
السعودية تملك أكبر مخزون احتياطي محقق، إلا أن الاعتماد على البترول السعودي (مع
المطالب المالية المتزايدة لأصحابه) يمكن أن تستنزفه بأسرع من أي حساب.
ومع ملاحظة أن بترول العراق (وبترول بحر
قزوين) كلاهما لم يصل استغلاله إلى الحد الأقصى أو قريبا منه، فإن الاستراتيجية
الأمريكية تستطيع إنشاء شبكة واحدة واسعة ومأمونة لبترول الشرق الأوسط يصب فيها
بترول السعودية وغيرها من دول الخليج، مضافاً إليها البترول العراقي، وبترول بحر
قزوين (وبترول إيران بعد تصفية نظام الثورة الإسلامية) فإن المستقبل يمكن ضمانه أمريكا للولايات المتحدة و أمريكيا فوق بقية العالم.
وكانت البؤرة الجماعة الثالثة هي دائرة مجلس
السياسة الخارجية في نيويورك وهو هيئة تساندها أكبر المصالح المالية والتجارية
والإعلامية في الولايات المتحدة (من عائلة روكفللر إلى بنك الاحتياطي الأمريكي إلى
بورصة الأوراق المالية في نيويورك إلى باحثين من مستوى هنري كيسنجر وزبجنيو
برجينسكي وحتى كونداليزا رايس (مستشارة بوش (الابن) للأمن القومي).
وكانت هذه البؤرة تولي اهتماما خاصا بالاتحاد
السوفيتي (وروسيا بعده) وبالصين، وبأوروبا ودولها الرئيسية مثل فرنسا وألمانيا،
إلى جانب حزام الزيتون على شاطئ البحر الأبيض جنوب أوروبا (إيطاليا أسبانيا
اليونان).
وبرغم علاقات القرب بين أوروبا وأميركا، فإن
مجلس السياسة الخارجية تولد لديه هاجس أن أوروبا هي القوة التي تستطيع أن تبدأ
بتحدي التفرد الأمريكي بالنفوذ في العالم.
والدواعي كثيرة:
بينها أن أوروبا لها مصالح حيوية في الشرق
الأوسط حيث تريد الولايات المتحدة أن تنفرد بالسيطرة.
وأوروبا تعتمد على بترول الشرق الأوسط في
أكثر من 85% من استهلاكها، ومن الصعب عليها القبول باحتكار أمريكي يمسك به ويحكم
القبضة عليه.
و أوروبا بلدان قريبة عهد بالمجد الإمبراطوري
لم تنس مكانة سابقة عاشتها ثم تخلت عنها الحظوظ فأضاعتها، ومع أنها اعترفت
للولايات المتحدة بحق القيادة فإنها غير مستعدة بعد للاعتراف لها بحق التفرد.
وأوروبا يسودها اعتقاد بأنها راكمت من الحكمة
مخزوناً يزيد في تأثيره عما راكمته أميركا من قوة السلاح.
ويظهر أن فريقاً من الإدارة الجديدة في
واشنطن أراح نفسه بمختصر غير مفيد عبر عنه رامسفيلد بقوله: إن أوروبا قارة عجوز
أرهقها الزمن (الذي تسمّي عمرها فيه حكمة)، وأقعدها التردد (الذي تسمّي استسلامها
لضوابطه فكرا)، وعليه فإن الولايات المتحدة يحق لها أن تتصرف وتترك أوروبا تمارس
الحكمة والفكر كما يحلو لها!
وكان حساب هذا الفريق في الإدارة الجديدة أن
دول أوروبا الكبيرة أصبحت مثل غيرها في ملجأ الشيخوخة يهمها أن تقضي بقية عمرها في
أمان مدخراتها ومن أجل تأمين هذه المدخرات فهي على استعداد للاستثمار في أي مشروع
رابح، وعندما تصبح الإمبراطورية الأمريكية كذلك فإن أوروبا مهما كانت دواعي حذرها
وأسباب شكها سوف تهرع للاستثمار فيها على عجل حتى لا تتعرض مدخراتها للتآكل.
وإذن فعلى الإمبراطورية الأمريكية أن تتمسك
بمشروعها الأكبر، وتترك أوروبا مع حساباتها الصغيرة (حكمة وفكرا)!
كانت هذه البؤر الثلاث (جماعات المشروع
الإمبراطوري وصناعة البترول وأصحاب الفكر والتنظير للاستراتيجيات والسياسات) وربما
بؤر وجماعات أخرى تدرس وتستعد لعصر ما بعد كلينتون حتى يستأنف المشروع الإمبراطوري
مسيرته أشد حزما وأسرع اندفاعا في ظل إدارة ترعاه جمهورية وليست ديمقراطية
بالتأكيد!
وكانت وساوس أصحاب المشروع الإمبراطوري أن
إنجاز إدارة كلينتون في مجال الاقتصاد، ربما يستطيع مساعدة نائبه آل غور في
انتخابات الرئاسة سنة 2000 كما أن آل غور وجه معروف باعتباره النائب الحالي
للرئيس، وأي نشاط له خبر، وهو يجاهد ليحتفظ لنفسه بمسافة بُعْد مناسب عن فضائح
رئيسه.
وفي الاستعداد لملاقاة الحزب الديمقراطي وآل
غور على مقدمة الصورة فعلا ظهر في الحزب الجمهوري رجال رشحوا أنفسهم، لكنهم لم
يصمدوا للتجربة:
فكّر ريتشارد تشيني (نائب الرئيس الحالي) في
ترشيح نفسه اعتماداً على شخصيته المليئة بالحيوية وقت أن كان وزيراً لدفاع جورج
بوش (الأب) أثناء حرب الخليج لكن تشيني تردّد لأسباب عديدة فيها السبب الصحي (علل
القلب) وفيها وهو الأهم أنه لا يريد تعريض نفسه وأسرته لعملية العري المالي
والإنساني والشخصي التي يتعرض لها أي مرشح للرئاسة وإذا حياته ميدان رماية مفتوح
(كذلك تعبيره) لأية قناة تلفزيونية أو إذاعية أو أي صحيفة أو مجلة أو أي مخبر أو
كاتب عمود!
وفكّر دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع الحالي)
أن يرشح نفسه ثم تراجع لنفس الأسباب تقريبا.
وفكّر بعضهم في ترشيح كولين باول الذي اكتسب
سمعة رجل متزن، صاحب تجربة نضجت في ميادين القتال (فيتنام)، والسياسة (مساعدا
لكيسنجر في البيت الأبيض)، والاستراتيجية (رئيسا لهيئة أركان الحرب المشتركة) لكن
كولين باول بعد أن وافق من ناحية المبدأ عاد وتراجع عن التنفيذ بضغط شكوك ألحّت
عليه:
بينها تخوفه أن يكون ترشيحه (وهو ملوّن)
مناسبة لإذكاء قضية التفرقة العنصرية، بحيث يجد نفسه إذا فاز أمام معضلة التعامل
مع مؤسسة بيضاء، وإذا سقط وسط غضب الملونين قد يتحول إلى فتنة ساخنة. وبينها تحسبه
لعبء جمع التبرعات اللازمة لإدارة حملته الانتخابية،
فالتكاليف باهظة (ثلاثة بلايين دولار) وجمع
التبرعات يحول المرشح رهينة للمتبرعين (بحقهم في استرداد ما دفعوه)، وهو يخشى أن
لا تتمكن حملته (بسبب لونه) من أن تجمع ما هو كافٍ للصرف عليها، وتشهر إفلاسها قبل
أن يحل يوم الاقتراع.
وأخيرا ضغط مارسته عليه زوجته (آلما) التي
رفضت الفكرة أصلا، لأنها تخاف عليه من متطرف أبيض يكرر معه ما حدث للزعيم الزنجي
مارتن لوثر كنج، وآلما في النهاية تريد زوجها معها حيّا في البيت ولا تريده شهيدا
بعيدا عنها في القبر!
وساعد على تردّد كولين باول إحساسه بأن جماعات الإمبراطورية تقبل به على مضض، لأنه في رأيهم
طبعة (أمريكية غامقة) من شخصية هاملت في مسرح شكسبير رجل مُعَذَّب بالحيرة،
تتجاذبه الهواجس و تستغرقه التصورات، وكعادة هذا النوع من الشخصيات فإن ترددهم في
الفعل يستهلك استعدادهم للقيادة، وهي في النهاية حسم بين البدائل وقرار!
وكذلك فإن كولين باول أعفى نفسه وأعفى غيره
من ترشيح نفسه، وأعلن رسميا أنه خارج السباق الانتخابي!
ثانياً: دوبيا يولد من جديد أمام المرآة!
وعلى خلفية هذه الساحة المزدحمة، تمكنت
النخبة الإمبراطورية داخل الحزب الجمهوري وحوله من وضع مسودة أولى شبه كاملة
للمشروع الإمبراطوري ومعها تحديد إطار لتوجّهاته وحركته.
كان واضع المسودة الأولى فريق عمل محدود
ومتحمس يضم (طبقاً لتحقيق قام عليه روبرت نوفاك أحد أشهر وأكفأ الصحفيين
الأمريكيين) كلاً من:
ريتشارد تشيني (نائب الرئيس الآن) ودونالد
رامسفيلد (وزير الدفاع الآن) وريتشارد بيرل (مدير التخطيط الاستراتيجي لمجلس
الدفاع القومي الآن) وبول وولفويتز (نائب وزير الدفاع الآن) ودوج فايث (وكيل وزارة
الدفاع الآن) وجيمس وولسلي (رئيس المخابرات المركزية سابقاً) وريتشارد أرميتاج
(نائب وزير الخارجية الآن) وفرانك كارلوتشي (وزير الدفاع سابقاً).
وقد تولّت السكرتارية العامة لفريق العمل
السيدة كونداليزا رايس (مستشارة الرئيس للأمن القومي الآن).
وكان إعداد هذه المسودة الأولى (وفق تحقيق
نوفاك وآخرين غيره) قد انتقل ابتداء من صيف سنة 1997 أي مع اقتراب (موسم الحملات
الانتخابية) من مركز جيمس بيكر لدراسات البترول في هيوستون (عاصمة تكساس) إلى
البيت الصيفي للرئيس جورج بوش (الأب) كينيبنكبورت على شاطئ ولاية ماين.
والداعي أن الرئيس جورج بوش (الأب) أصبح
الراعي والحامي لهذه الجماعات بداعي جملة من الملابسات:
فهو نائب الرئيس ريغان الذي كسر إمبراطورية
الشر السوفياتي.
وهو الرئيس الذي خلف ريغان ثم بدأ في عهده وضع إطار الحلم الإمبراطوري الأمريكي وتوفير
أدوات تحقيقه.
وهو الرئيس الذي قاد الخطوة الافتتاحية
الرئيسية في المشروع ببناء تحالف حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت.
وهو أيضاً السياسي الذي يملك خبرة متشعّبة،
فقد شغل بوش (الأب) عدة مناصب عُليا: مديراً لوكالة
المخابرات المركزية الأمريكية، وسفيرا للولايات المتحدة في الصين، وبعدها نائبا
لرئيس الولايات المتحدة، ثم إنه بالمولد والأصل من أسرة بنت ثروتها و راكمتها من
صناعة البترول، وبالتالي فإن خبرته وافية ومعرفته مباشرة واصلة إلى النواحي التي
يمكن أن يتحرك فيها المشروع الإمبراطوري.
علاوة على ذلك فإن جورج بوش (الأب)
هو الذي أنشأ في البيت الأبيض مجموعة إدارة الانتشار الإمبراطوري بعد حرب الخليج
الثانية، وكان أمله أن يستكمل المشروع في رئاسته الثانية، ثم إنه مثل غيره من
أركان إدارته خرج من منصبه الرئاسي، ولم يخرج من مشروعه الإمبراطوري، وهو يستطيع
أن يواصل خدمة المشروع بالرعاية والحماية ولديه فوق الأسباب العامة دوافعه
الشخصية:
فهو في أعماق قلبه يحس بجرح، لأن مرشحا شابا
مجهولا من أركانساس بيل
كلينتون هزمه في الانتخابات، رغم
أنه ( جورج بوش (الأب) الرجل الذي
قاد أميركا إلى النصر في عاصفة الصحراء.
وهو في جزء من جهازه العصبي يشعر بحافز يلح
عليه في ضرورة استئناف دوره (على نحو أو آخر) لأن المشروع الإمبراطوري مازال يطغى
على عقله وقلبه (رغم اعتزاله السياسة في أعقاب فشله الانتخابي المدوّي).
ثم إن كل الذين شاركوه في المشروع
الإمبراطوري يدفعونه إلى درجة التحريض، بحجة أن عليه مسؤولية تاريخية لا يملك أن
يتخلى عنها ويتركها (خصوصاً لهذا المتورط في الخطيئة، الجالس بدلاً منه دون
استحقاق في البيت الأبيض بيل
كلينتون !).
وأخيراً فإن جورج بوش رجل
غني راكمت أسرته ثروة طائلة من صناعة البترول في تكساس، وقد عززت الأسرة هذه
الثروة بعلاقات في العالم العربي توثقت أواصرها واتسعت تعاملاتها بعد حرب الخليج
الثانية، وهذا الغِنى وما يحيط به يساعده ويكاد يدفعه دفعا إلى أداء دور الراعي
والحامي لمشروع الإمبراطورية.
وقضى
فريق العمل سنة كاملة في
بيت جورج بوش (الأب) يجدد خطة المشروع، ومرة ثانية تمّ
تجهيز تقرير نهائي وقّعه أيضاً!
ريتشارد تشيني (نائب الرئيس
الآن)، وهو في الحقيقة خلاصة جهد مشترك لكثيرين، وكانت الخطوط الرئيسية محددة
وأحياناً بالتفصيل:
1 الحزب الجمهوري لا بد له أن يمسك من جديد Recapture) ) موقع رئاسة الولايات المتحدة
مرّة أخرى، لأنه الحزب المهيأ لمهام الزمن القادم، وفي نفس الوقت صاحب الرؤية
الأوضح لمهام ذلك الزمن القادم.
2 الرئاسة القادمة عليها أن تدرك بعمق أن
الولايات المتحدة الآن في وضع فريد لم يُتَح لأي قوة غيرها في التاريخ، فلديها
الآن شبه تفرّد بالنفوذ، لأن انهيار الاتحاد السوفيتي واختفاءه جعلها قادرة
على نشر قيمها وترسيخ مسؤوليتها عن حماية هذه القيم !
3 الولايات المتحدة على عهد ريغان و بوش (الأب)
تمكنت من الإمساك باللحظة التاريخية واستغلت الإمكانيات المادية والمعنوية للحفاظ
على تلك اللحظة، وذلك ما ينبغي استئنافه مع الرئاسة القادمة والتمسك به وعدم
التفريط فيه.
4 الإدارة الجمهورية القادمة عليها أن تمارس
دورها في الدفاع عن المصالح الأمريكية والتمكين لها بغير قيود لا تستوجبها
ضرورات حقيقية ، بل إن الإدارة الأمريكية القادمة يحق لها وحدها توصيف المصالح الأمريكية دون اعتبار لغيرها، وهي مطالبة بالعمل
على مسؤوليتها سواء من داخل الأمم المتحدة أو من خارجها.
5 الولايات المتحدة في ممارستها لمسؤوليتها
الحالية يصح لها أن تتشاور مع غيرها من الأطراف الدوليين، على أن تحتفظ لنفسها بحق
التصرف منفردة إذا وجدت ذلك ضرورياً.
6 التصدي لخطر الإرهاب (حتى بميراث
إدارة كلينتون الحالية) هو النداء الذي يمكن حشد القوى
الكبرى عليه (والصغرى أيضا)، وهذا النداء مازال قادراً على تحقيق حشد عالمي، لأن
الكل معرّض لخطر الإرهاب. والولايات المتحدة قبل غيرها مكلّفة بالقيادة في مجاله
لأنها الأكثر تعرّضاً لضرباته، وذلك يوفر لها إلى جانب حق الدفاع المشروع داعيا
أخلاقيا يضيف إلى مشروعية دورها القيادي.
(كان
جورج بوش (الأب) على عهد
خدمته كنائب للرئيس ريغان مسئولا عن
قضية الإرهاب ومكافحته، وكان مسئولا عن لجنة عليا شكلها رونالد ريغان لمتابعة وملاحقة ومواجهة خطر العصر كما كان يسميه!).
و الآن صيف سنة 1998 بدا أن الخطوط والتفاصيل
تحددت مواقعها على الصورة الشاملة للمشروع الإمبراطوري، غير تفصيل واحد مازال
معلقاً رغم أنه بالغ الأهمية: شخصية الإمبراطور (القيصر)!
وهنا ظهر جورج بوش
(الابن) ولم يكن ظهوره تلقائيا، ولا سهلا، مع أن الأمر تداعى إليه خطوة بعد
خطوة دون تصميم سابق يُفَصِّل دور
الفاتح على مقاسه:
في البداية كان هناك واقع أن استعادة الجمهوريين للبيت الأبيض من
جديد، جهد يجرى في إطار عائلة بوش
أكثر مما يجري في المقر الرسمي للحزب الجمهوري، والمبرر أن الحزب أثناء
رئاسة كلينتون الأولى فقد معنوياته من ناحية، بسبب سقوط مرشحه بوش (الأب) ومن
ناحية أخرى ضيع نفوذه بسبب ارتفاع شعبية كلينتون الذي تقدم بنجاح يعالج مشكلة
الاقتصاد.
تلى ذلك أن بوش (الأب) ظل يستشعر مسؤوليته أمام معاونين زيّنوا أمامه مشروع
تكريس الإمبراطورية باعتباره رسالته المقدسة بعد أن أتم رونالد ريغان رسالة مقدسة سبقت وهي هدم إمبراطورية الشر
السوفيتية، وقام بنفسه مدة رئاسته الأولى بوضع الأسس والقواعد للحجر الأساس، لكن
الناخب الأمريكي انخدع ب كلينتون وأرسل بوش إلى المنفى بقسوة لم يكن لها تبرير! ثم
أن هؤلاء المعاونين ظلوا قريبين منه يبحثون معه عن وسيلة للعودة بكل طريق إلى
المفاتيح الذهبية للقرار (البيت الأبيض)، وقد ضاعت منهم عندما تركها بوش على مكتبه وخرج من البيت الأبيض (على عكازين!).
و بطبيعة الأمر فإن عائلة بوش وصناديقها المالية المختلفة
قامت على تمويل الجماعات الإمبراطورية التي خرجت مع (الأب) من البيت الأبيض وأعانت
تفكيرها وتدبيرها. ومع أن أفراد هذه الجماعات كانوا في مواقع متميزة ماليا
(مثل ريتشارد تشيني الذي يدير واحدة من أهم الشركات في مجال
خدمات البترول، وهي شركة هاليبورتن )، كما أن كثيرين منهم كانوا ومازالوا يعملون
في إطار بيروقراطية واشنطن الدائمة ونخبها المتميزة إلا أن مظلة رعاية واحدة
مطلوبة حتى تغطي الجميع، وكانت عائلة
بوش مؤهلة لتقديم هذه المظلة
الواحدة.
وفي إطار هذه الأجواء مضافا إليها مؤثرات
السقوط الأخلاقي الذي انزلق إليه
بيل كلينتون وانكشف أمره
خلال مدة رئاسته الثانية فإن بعض المتعصبين من دعاة الإمبراطورية راحوا يبحثون عما
إذا كان هناك سبب دستوري يحول دون ترشيح جورج بوش (الأب) نفسه للرئاسة من جديد بشعور أن رجلهم لم يقض غير
مدة رئاسة واحدة في البيت الأبيض، ثم قطعتها مدتان لكلينتون وربما أن إمكانية
عودة بوش (الأب) مطلوبة (إذا كانت ممكنة)
لاسترجاع الفضيلة (وهي في ضمائرهم عودة مُلِحَّة للمشروع الإمبراطوري) لكن البحث
في ترشيح (الأب) توقف بسبب غيبة السوابق حتى وإن غابت موانع الدستور، وبعد عناء
ظهر أن استعادة الماضي محاولة يأس (ليس لديه غير تكرار نفسه) أكثر مما هي استحضار
أمل (لديه رؤية على أفق جديد).
ولم يخطر ببال أحد قبل ذلك الوقت أن جورج بوش (الابن) يصلح مرشحا، لأن أوجه
القصور في شخصيته وثقافته وجاذبية حضوره تستبعده من أول نظرة. ومن المفارقات أن الأم (بربارة بوش) كانت أول من يسلم
بعدم صلاحية ابنها لدور
قيصر ، بل إن ابنها ذاته
( جورج بوش (الابن) الرئيس الحالي للولايات
المتحدة) اعترف عندما روى قصة حياته (ونشرتها صحف العالم الكبرى وضمنها الصنداي
تيمس) وقدّم بنفسه جانبا من الأسباب التي جعلت الآخرين يتشككون في صلاحيته لأي
مسؤولية على مستوى رفيع، وظل في عرفهم
دوبيا وليس جورج .
وكانت والدته هي أول من أطلق عليه هذا الوصف،
مستندة إلى الاسم الثاني له وهو ويليام (وحرفه الأول W)، وذلك لتمييزه عن والده جورج
الذي اختار لابنه الأكبر نفس اسمه، وكان الحرف الأول من الاسم الثاني للابن
وهو (W) الذي جرى تدليله
ب دوبيا ) هو الذي شاع في الإشارة إليه وليس جورج حتى لا تلتبس الإشارات.
وكان بوش
(الابن) هو الذي
أمعن في الاعتراف
بقصوره، قاصداً أن يكون الاعتراف كاملا (حتى يتحقّق الغفران)، فقد روى أنه ظلّ حتى تجاوز الخامسة
والثلاثين من عمره شاباً لاهياً عابثا كسولا عازفاً عن العلم، خصوصاً بعد أن حصل
بالكاد على شهادة من جامعة
تكساس أُلحق بها إجازة
من جامعة ييل (يكاد يلمح إلى أن نفوذ أسرته
أتاحها له بأكثر من جَدِهِ في طلب العلم!).
واعترف بوش
(الابن) بعدها بأن ثروة العائلة وحياته بين تكساس (حيث مصالح الأسرة) وبين واشنطن (التي قصد إليها والده
بحثاً عن فرص سياسية تحققت له) أخذت منه الاستقرار العائلي وتركت له فراغا عاش فيه
حياة غير مسئولة وصلت به إلى حد الإدمان الشديد على شرب الخمر نهارا وليلا، وكان
ذلك يضايق زوجته
لورا ، ويسبب لها حرجا شديدا
داخل بيت الزوجية وخارجه، فلم يكن يمر أسبوع إلا ودورية بوليس تستوقفه وتسحب رخصة
قيادته، لأنه يقود سيارته مسرعا ومخمورا.
ووصل الحال ببعض النوادي في تكساس إلى حد
منعه من دخولها، لأنه كل مرة يدخلها يثير خناقة لا داعي لها، أشهرها أنه قام في إحدى المرات بتوجيه
لكمات متوالية لزوج الصحفية الشهيرة جودي وودروف وهي من نجوم وكالة (C.N.N) وزوجها نفسه مسؤول كبير في إحدى
المؤسسات الصحفية الكبرى في تكساس) وكان دافع دوبيا إلى التهور أن إحدى صحف تلك المؤسسة أساءت إلى عائلته
بسلسلة تحقيقات عن مصادر ثروتها!
وأخيراً وصل جورج بوش (الابن) في اعترافاته إلى وقائع ذلك اليوم الذي وُلد فيه
من جديد متحولاً من شاب لاهٍ، عابث، سكير إلى مؤمن شديد الإيمان بعقيدته، وتقي
شديد الولاء لكنيسته، ونادم على الذنب مستعصم بالتوبة، وهنا يصف جورج بوش لحظة ولادته من جديد فيقول:
ليلتها شربت كما لم أشرب من قبل، وفقدت وعيي، وحملوني
إلى غرفة نومي لا أشعر بشيء حتى ظهر اليوم التالي، واستيقظت على صداع مروّع، وذهبت
إلى الحمام مترنحاً لا أقوى على المشي، ورأيت صورتي في المرآة وأحسست بما يشبه
نزول صاعقة.
اكتشفت أمام المرآة أنهم عندما حملوني إلى
غرفة نومي ارتميت على سريري بملابسي التي كنت ارتديها، وكانت شديدة القذارة لأنني
كما أدركت أفرغت كل ما في جوفي على سريري وعلى ملابسي قبل أن تخمد حواسي وتغيب.
وتحسستُ وجهي بيدي أمام المرآة، وإذا يدي
متسخة ببقايا القيء التي لطخت وجهي وجفت أثناء نومي، وأصابني منظرها في المرآة
أمامي بقشعريرة هزت كياني، وأعدت النظر إلى صورتي، ووجدتني أسأل المرآة
قائلاً: دوبيا.. دوبيا
ماذا فعلت بنفسك؟! ، ورُحت أصرخ
أمام المرآة أعاهد الله ونفسي أن ذلك لن يتكرر بعد الآن! ، ولم تصدقني لورا
(زوجته) بادئ الأمر، وظنته تأثير لحظة
المرآة، وأنني بعد أيام عائد إلى ما أدمنت عليه، كذلك أيضا قالت والدتي،
لكني أثبت للجميع أنها توبة بلا عودة، وولادة جديدة لنفسي ولأسرتي ولروح السيد
المسيح في قلبي! .
ومن وقتها حاول دوبيا أن يتخذ طريق الجد وبدايته تجربة حظوظه (مولوداً من
جديد) في ترشيح نفسه حاكما لولاية تكساس، لأنها المحيط المباشر لنفوذ الأسرة،
وكانت مفاجأة الجميع أنه فاز.
وأغلب الظن أنه عندما بانت علامات الهداية
وبُشرى الولادة من البداية فإن كثيرين لم يأخذوا دوبيا (جورج بوش الابن) في حسابهم وهم يبحثون عن قيصر ! لكنه مع مرور الوقت بدأ بعض أصحاب
المشروع الإمبراطوري يسألون أنفسهم: لم لا؟
كان الصف الأول من المرشحين الذين تخطر
أسماؤهم على البال طبيعياً مازالوا بين إقدام وإحجام، كلهم راوده الاحتمال وكلهم
قرر العدول: تشيني رامسفيلد كولين باول حتى
جيمس بيكر (مع اختلاف
أسباب كل واحد منهم في الإقدام والإحجام).
وعلى الجانب المقابل فإن الحزب الجمهوري الذي
تشرّد في التيه ثماني سنوات، لم يكن في حال تسمح له أن يطرح من صفوفه مرشحا يملك
فرصة نجاح مؤكد أمام ديمقراطي هو الآن بالفعل نائب للرئيس (آل غور).
وكان الأقطاب المشهود لهم داخل الحزب
الجمهوري قد تساقطوا واحداً بعد الآخر، بما فيهم الرجال الذين لمعت أسماؤهم في
الحملة على
كلينتون ، وفيهم زعيم
الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب نيوت غنغريتش ، وفيهم كذلك الرجل الذي تولى إدارة معركة إدانة كلينتون في مجلس الشيوخ وهو السناتور فرانك لوت زعيم الأغلبية الجمهورية، فكلاهما
طاردته ظروفه وطردته: أولهم وهو زعيم الأغلبية في مجلس النواب الذي رفع لواء
الأخلاق تكشف أن له عشيقة (وفيما بعد طلّق زوجته وارتبط بعشيقته واعتزل السياسة).
والثاني كانت له مشاكل عالقة في ولاية
مسيسيبي (وهو بسببها لا يريد أن يضع نفسه تحت الأضواء الباهرة للحملات الانتخابية
الصاخبة).
إلى جانب أن أشهر أقطاب الحزب وهو
السناتور روبرت
دول أنهك قواه في محاولات
فاشلة لترشيح نفسه، حتى أصبح اسمه خامداً بلا إشعاع، ومن هذا الإحساس حتى لديه هو
نفسه فإنه حاول الدعوة لزوجته
إليزابيث مرشحة
للرئاسة عن الحزب الجمهوري بدلا منه (ولم يك ترشيحها مقنعاً لأحد).
ولم تكن صحة
الحزب الجمهوري في كل الأحوال مما يهم جماعة الإمبراطورية المحيطة
بعائلة بوش ولعلها استفادت من هذه الغيبوبة
الحزبية، خشية بروز مرشح يتقدم الصفوف ومهيأ للفوز، ولعل هذه الغيبوبة للحزب كانت
ملائمة أكثر لمطالب الجماعة، فالمطلوب من منظورهم ليس مجرد مرشح جمهوري يعود
بالحزب إلى البيت الأبيض، وإنما مرشح جمهوري يمشي معهم إلى آخر الشوط!
وكذلك تغير السؤال عن دوبيا ب لم لا؟
، وحل محله سؤال ب
هل يستطيع؟ ، وكانت هناك
اعتبارات تزكي ردا على هذا السؤال الأخير بالإيجاب:
دوبيا
لم يعد لديه ما يخفيه عن ماضيه (وذلك هاجس كل مرشح، لكن دوبيا سبق واعترف بكل شيء!).
دوبيا
في سن الشباب ويستطيع أن يتحمل عناء حملة انتخابية.
دوبيا
لديه فرصة لاستثارة عطف الناخب الأمريكي الذي حرم والده من رئاسة ثانية
(متاحة له بالدستور وكان يستحقها لولا معركة إنه الاقتصاد يا غبي ، ولعل الناخب الأمريكي شعر بعد فضائح كلينتون أنه أساء الاختيار، وعليه واجب
اعتذار يستطيع تقديمه للابن مادام لا يستطيع تقديمه للأب.
دوبيا
وراءه أسرة ومصالح تستطيع أن تمول حملة انتخابية سوف تكون بالتأكيد صعود جبل لأنها ضد منافس في موقع نائب الرئيس ، وهو من هناك يملك ميزة أن أي كلمة
يقولها تلفت الأنظار وتستوقف الاهتمام وتضع اسمه في العناوين الرئيسية للصحف وملء
شاشات التلفزيون!
وأهم من ذلك كله:
دوبيا
سوف يكون إذا نجح رئيسا
لينا يترك الفرصة
لمستشاريه وهم حملة مشروع رئاسته، ويسمع منهم وهو ليس غريبا عنهم، لأن معظمهم عرفه
أيام رئاسة أبيه، وتابع عن قُرب حكاياته الكثيرة وآخرها حكاية الولادة من جديد،
وهذه أمور لها توابع أولها أن كل مساعد أو مستشار للأب، يقدر أن يكون معلما للابن
ومرشدا، وفى مطلق الأحوال صوتا مسموعا، وتأثيرا له وزن عند موقع القرار الأكبر في
السياسة الأمريكية (المكتب البيضاوي).
ومع التكرار والحيرة، فإن السؤال ب لم لا؟ ثم السؤال ب هل يستطيع؟ وجدا جوابا. السؤال الأول وجد جوابا يقول:
عونا نجرب. والسؤال الثاني وجد جوابا يرى
أن دوبيا ربما كان أنسب الحلول، وكذلك جرى.
وكان وصول جورج بوش بالفعل إلى البيت الأبيض معركة انتخابية شاقة وعنيفة،
وأسوأ من ذلك مشوبة فى شرعيتها إلى درجة غير مسبوقة تقريبا! في التاريخ الأمريكي .
كان واضحا أن المنافسة بين جورج بوش (الابن) و آل جور (نائب الرئيس) مباراة بين الأقل سوءا وليس بين الأكثر
قبولا، فكلا المرشحين مثقل بالحمولات من كل نوع، بعضها موروث ( بوش بمسحة الفشل الذي لحق والده، وبشعار إنه الاقتصاد يا غبي و جور بلطخة ما فعله رئيسه في المكتب البيضاوى
وبعوالق ماض لوالده عاد يذكر نفسه). ثم إن بعض الحمولات مكتسب، ( بوش بالشك في صلاحية شهادة ميلاده الجديد، وبحضور باهت لا
يشد بصرا أو سمعا و آل
جور بمحاولة يائسة بذلها فى
اللحظة الأخيرة بقصد توسيع المسافة بينه وبين رئيسه، قد حرمته هذه المحاولة من
استغلال إنجازات رئاسة
كلينتون الأولى إلى
جانب أن آل جور فى حد ذاته ظهر أمام الناس دائما
وكأنه لوح من الخشب، وعندما نصحه الخبراء بأن يلين ويتحرك، فإن قصارى ما توصل إليه
بدا صناعيا متكلفا مدهونا بزيت ملون لم يجف سائله بعد!).
وكان تقدير الجميع أن نتيجة المعركة
الانتخابية سوف تجيء متقاربة كذلك تقول استطلاعات الرأي العام وتؤكد الشواهد.
والآن يعرف كل الناس أنه بحساب الأرقام في
ولاية فلوريدا وهي آخر ولاية تم فرز صناديقها أن عدد الأصوات الحقيقي كان يعطي
الرئاسة ل آل جور ، لكن المجمع الانتخابي أعطى الرئاسة
ل بوش بسبب غياب عدة صناديق انتخابية
تخلفت عن الفرز، لأن حاكم ولاية كاليفورنيا (وهو جيب بوش
شقيق دوبيا ) تصرف بطريقة غريبة، فقد رتب لوضع خمسة
صناديق بما فيها من تذاكر على سيارة شحن تنقلها إلى مركز الفرز، ثم قيل إن
السيارة تاهت في الطريق (ستين كيلومترا) لمدة
خمسة أيام، ثم نشأ نزاع وصل إلى المحكمة العليا، مع مصادفة أن معظم قضاتها من
تعيين رؤساء جمهوريين (خمسة من أصل تسعة) وعندها أعلن فوز دوبيا (جورج بوش الابن).
وكان جيمس بيكر (أقرب الأصدقاء إلى الأب ووزير خارجيته السابق ومدير
حملته الانتخابية) موجودا بنفسه طول الوقت في مراكز الفرز وفي قاعات المحاكم، يقود
المواجهة القانونية لإثبات صحة الأصوات المؤيدة للمرشح الجمهوري، وكان ريتشارد تشيني الذي وقع الاختيار عليه مرشحا
لمنصب نائب الرئيس يدير من داخل بيت بوش الأب معركة التعجل في إعلان فوز المرشح الجمهوري (دوبيا) مهما
كانت الإجراءات، والمخالفات، والطعون، وموجبات الخلل في شرعية عدد الأصوات، وفي
الواقع العملي فإن تلك لم تكن مجرد معركة انتخابية، وإنما في تقدير مديريها
ومسئوليها معركة مشروع إمبراطوري يحتاج إلى إدارة في البيت الأبيض تؤمن به وتقوم
على تنفيذه، وهنا يمكن فهم أول تصريح أدلى به ريتشارد تشيني بعد صدور حكم من المحكمة العليا، فقد قال: لست مستعدا للبحث في
التفاصيل، لقد فازت التذكرة الانتخابية ( دوبيا
رئيسا و تشيني نائب الرئيس) وهذه بالضبط هي
التذكرة التي تحتاج إليها أميركا اليوم، بارك الله في أميركا دائما! .
وهكذا دخل جورج بوش (الابن) إلى المكتب البيضاوي، ووراءه نائبه ديك تشيني و بعدهما أركان الإدارة الكبار:
<دونالد رامسفيلد كولين باول ريتشارد
بيرل بول
وولفويتز و كونداليزا رايس .
ولحظتها استطاع الفريق الإمبراطوري في الحزب
الجمهوري أن يعيد القبض <> على البيت الأبيض من جديد ويمسك مرة أخرى
بالمفاتيح الذهبية للقرار الأمريكي طبقا لأولويات محددة، هي:
الاحتفاظ بتفوق أمريكي لابد أن يقبل به
الجميع (ويبقى إلى الأبد).
سيطرة كاملة على موارد النفط (في الشرق
الأوسط وحوله).
والمدخل للإمساك بالاثنين: تحالف عالمي مضاد
للإرهاب (وذلك هو الغطاء القانوني و الأخلاقي الأنسب!).
ثالثا: قادة قيصر لا يهتفون باسمه!
لم يكن دخول جورج بوش إلى البيت الأبيض يوم 29 يناير 2001 دخول فاتحين، بل
لعله كان أغرب دخول عرفه ذلك البيت في واشنطن، وكانت احتفالات قسم اليمين حافلة
بهواجس وشكوك تطال كل شيء: مستوى المعركة الانتخابية لمرشحين كلاهما في نظر الناخب
لا يستحق الجائزة، ثم المشاكل والتعقيدات القانونية التي حاصرت عملية عد الأصوات،
ثم انتظار أسابيع مشوبة بالإحباط في انتظار حيل محامين قبل إرادة ناخبين.
وكذلك تبدى أن الرئيس (الإمبراطور القيصر)
الجديد يصعب أن يكون مقنعا في أساس شرعيته، أو سابق تجربته، أو توقعات أدائه، أو
قيادته لفريقه، أو ما يمكن أن تثيره قيادته من طموح وإلهام.
وسرى إلى العالم كله إحساس بأن الولايات
المتحدة الأمريكية سلمت مقاليد السلطة فيها مع لحظة فاصلة على مسار التاريخ الحديث
لرجل لا يستحق، وفي أحسن الفروض لا يعرف.
وفي عواصم عديدة بدت تلك فرصة مفتوحة لمن
يريد أو لمن يقدر:
في لندن: تصور توني بلير رئيس الوزراء (العمالي) أن رئاسة بوش (بكل ما يكتنفها) تعطيه مساحة
لزيادة حجم التأثير البريطانى في مجتمع الناطقين باللغة الإنجليزية على جانبي
الأطلنطي، وبالتالي فرصة لتقوية الوزن البريطاني في العلاقة الخاصة التي تربط
واشنطن ولندن.
وفي باريس: تصور الرئيس جاك شيراك (الديجولي) أن أوروبا تستطيع أن
تعطي نفسها مجالا أرحب للحركة بعيدا عن دائرة النفوذ الأنجلوساكسوني (من لندن وواشنطن).
وفي برلين: تصور المستشار شرويدر أنه بتعاون ألماني فرنسي تستطيع
أوروبا أن تمارس دورا فاعلا، يؤكد دورا لها وحقا في القرار الدولي مع مطلع القرن
الحادي والعشرين.
وفي موسكو: تصور الرئيس بوتين أن غيابا أمريكياً ولو جزئيا يفتح
بصيص أمل لروسيا تستعيد بعض مواقعها الضائعة، أو على الأقل لتدعيم أوضاعها
الداخلية دون شغب يمارسه عليها رئيس أميركي يحاصرها حتى تظل أنقاض السقوط السوفيتي مكدسة من حول الاتحاد الروسي
الجديد تعوقه عن إصلاح أحواله ومد الجسور إلى جواره، ووراء ذلك الجوار.
وفي بكين: سرى شعور بالراحة مع ترجيح أن تكون
الرئاسة الجديدة في أميركا
رخوة تترك الصين
وشأنها تواصل بناء نفسها وتعزز اقتصادها وتكمل تحولاتها الواسعة دون عراقيل أو
شواغل خارجية.
وأما في العواصم العربية خصوصا تلك التي
تعاملت بعلاقة ود (ظنته حميما) مع إدارة بوش
(الأب)، فقد شاع أمل بأن الرئيس القادم إلى البيت الأبيض ضوء أزرق مريح
للأعصاب ورقيق، فالقادم الجديد إلى البيت الأبيض منا وعلينا
، و بالتأكيد
معنا .
وكانت تصورات العرب على تفاوت ما بينها
خاطئة، والحقيقة على العكس منها، لأن ما ظنه بعض العرب فرصة لصالحهم لاح خطره
عليهم، لأن الرئيس الجديد وهو يقدر حسابات الآخرين لرقته قصد أن يواجههم بخشونته،
وقد ظلوا بعدها شهورا لا يتصورون ما يرون، وحين اكتشفوا الواقع كان قُصارى جهدهم
أن يداروا ويتظاهروا!
في الأسبوع الأول من رئاسة جورج بوش وفي إطار اجتماعين لمجلس الأمن
القومي برئاسة جورج بوش (الابن) تكشف مناخ يدعو إلى القلق،
لأن ما أخفته ضرورات
الاستيلاء على البيت الأبيض
أخذ في البروز علنا، بمعنى أن المشروع الإمبراطوري تجلى للعيان، كما أن رجاله
ظهروا للعلن ثم زاد أن الداخلين إلى السلطة بدوا وكأنهم في سباق مع بعضهم، وعلى حد
تعبير استعمله كولين
باول لقد
تبين لي أن لحظة الحقيقة حلت علينا، وأن كل الطيور المهاجرة عادت الآن إلى أعشاشها
لكي تبيض (في المكتب البيضاوي!) .
كان واضحا أولا أن الرئيس الجديد لم يتأهل
بعد للدور الإمبراطوري الذي أسند إليه، وظلت تطارده حتى في البيت الأبيض نكات
ونوادر تركز جميعها على الرأس والعقل والذكاء!
وربما كان ذلك في جزء منه ينطوي على تبسيط قد
يكون مخلا، لكنه لا ينفي أن الرجل الذي ظهر في لقاءات العمل المبكرة لإدارته، بدا
رجلا أصغر من المجال المفتوح لرئيس الولايات
المتحدة وإمبراطور العالم!، والعلة المحسوسة دون انتظار أن تجربة الرجل حتى بعد الميلاد الجديد كانت محصورة في ولاية من ولايات
الجنوب الأمريكية، ومع أن تكساس ولاية غنية، فإن سلطتها ليست في مكتب حاكمها،
وإنما في دهاليز عدد من الشركات العابرة للقارات، وبينها بعض أهم شركات البترول في
العالم (مقارها الرئيسية في تكساس).
وكان واضحا بعد ذلك ثانيا أن الرئيس جورج بوش (الابن) وجد على قمم إدارته أصدقاء
وزملاء لوالده عرفوه على أنه
دوبيا ، ولم يتأقلموا بعد
على أنه السيد الرئيس Mr President))،
وكان بين هؤلاء رجال مثل نائبه
ريتشارد تشيني ، دونالد
رامسفيلد ، و كولين باول ، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة بالتحديد
(تشيني ورامسفيلد وباول) يعتبر نفسه وهو صحيح أصلح من دوبيا
للرئاسة لولا اعتبارات جعلت كلا منهم يتردد، في حين جازف هو (ولم يكن لديه
ما يخسره!). على أن جلوسه داخل المكتب البيضاوي الآن لا يجعله تلقائيا فوقهم زعيما
سياسيا يلهم ويوجه، أو رئيسا تنفيذيا يأمر ويُطاع!
وكان واضحا أخيرا وثالثا أن محرك ترشيح بوش (الابن) وفوزه وتشكيل إدارته
مشروعا له أصحاب، لديهم جدول أعمال جاهز يريدون طرحه، واعتماده مبكرا مع الأيام
الأولى للرئاسة الجديدة، بمنطق طرق الحديد وهو ساخن، مع العلم بأن جدول الأعمال
مُتَّفّق عليه سلفا:
إمبراطورية تمسك بمفاتيح السيادة ولا تقبل
شراكة معها أو منافسة.
سيطرة كاملة على موارد البترول (ومواقعه)،
تشرف على إدارته وتتحكم في توزيع حصصه.
حملة عالمية ضد الإرهاب تواجه خطرا يعلن عن
نفسه، وفي الوقت ذاته توفر غطاءً أخلاقيا للإمبراطورية الأمريكية.
لكن الاتفاق على جدول الأعمال سلفا، لم يستطع
أن يحجب مشاكل رئيسية:
المشكلة الأولى: خلافات بين دعاة المشروع على
ترتيب بنود جدول الأعمال (رغم الاتفاق على قائمته).
والمشكلة الثانية: اختلافات بين الذين اتفقوا
على جدول الأعمال لأنهم متنافرون لأسباب شخصية!
وتشابكت المشكلتان معا وهي طبيعة إنسانية
وعندها تداخل العام مع الخاص واختلطت الحدود.
والمشكلة الثالثة وقد راحت تتفاقم، أن الكبار الذين لم يستطيعوا
تقبل زعامة دوبيا السياسية (على فرض أنها تجلت)، ولا
سلطته التنفيذية العليا (على فرض أنها حسمت) تركوا خلافاتهم تظهر خارج الاجتماعات،
وربما عن عمد، لأن كل واحد منهم اعتبر نفسه مسئولا عن صورته
، وليس عن صورة
إدارة متضامنة، ولعدة أسابيع
بعد دخول البيت الأبيض كان أقطاب الإدارة الجديدة منهمكين بالكامل في مناورات
سياسية تخصهم، فقد راح كل منهم يحاول إعلاء دوره وتحجيم دور غيره، وإثبات صواب
مشورته مع تسفيه مشورة الآخرين، وإفساح مجال نفوذه الشخصي، ولو على حساب الرئيس الجالس في المكتب البيضاوي.
وكذلك أصبحت علاقات النفور بين أقطاب الإدارة
تسلية نوادي العاصمة، وصالونات
جورج تاون ، وتحولت إلى مادة
مشوقة في وسائل الإعلام داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وكان برنت سكوكروفت (مستشار الأمن القومي في عهد بوش
(الأب) أول من تحدث عن تلك الأحوال علنا، وإن كان حديثه جاء بأسلوب
دبلوماسي محسوب، فقد ذكر في حديث للنشر مع المحقق البارز فرانسيس فيتزجيرالد ما نصه:
هناك في الإدارة الجديدة صراع شخصيات <>، وهذه
صراعات موجودة باستمرار في كل إدارة، وكانت موجودة على أيامنا في إدارة بوش (الأب)، لكن هذه الصراعات ظلت
مكتومة في الداخل، وأما الآن وفي عهد هذه الإدارة فإن هذه الصراعات مطروحة في
العلن .
وطبقا لما نشره فيتزجيرالد فإن
سكوكروفت وهو خبير
مطلع (بحكم أنه كان مستشارا للأمن القومي مع الأب وصديق وفي له بعد سقوطه في
الانتخابات، وشريك معه في كتاب واحد بعنوان عالم يجري تغييره صدر سنة 1998 يحمل اسميهما ( بوش
و سكوكروفت ) معا وتجربتهما السياسية جنبا إلى جنب)
فإن هذه الشهادة أشارت دون مواربة إلى أن ريتشارد تشيني (وزير الدفاع مع الأب ونائب الرئيس مع الابن) هو مصدر
القلق الأكبر بسبب تطرف
زائد وجموح إلى التسرع في الأحكام يمكن أن يتسبب في مخاطر .
ثم يوحي سكوكروفت في حديثه مع فيتزجيرالد إلى أن تشيني كان مشاكسا مع كل وزراء بوش
(الأب) وكانت له شطحات غير معقولة بعض المرات ومن شطحاته المشهورة أنه أشار بعدم تصديق جورباتشوف بشك أن ادعاءاته الإصلاحية للنظام
السوفيتي ليست إلا عملية تمويه وتضليل، وأن الولايات المتحدة عليها أن تواصل الضغط
وتشدده حتى يتفتت عدوها السابق شظايا صغيرة وسحبا من الغبار تغطي الكرملين حتى
تدفنه تحتها ! ولم يكن ذلك رأي وزير
الخارجية جيمس
بيكر .
وفي كلام سكوكروفت أن تشيني كانت له من أيام وزارة
الدفاع معارك مع معظم أطراف إدارة
بوش (الأب) وقتها، وأن
هذه المعارك إذا لم يقع تداركها سوف تسحب ذيولها إلى إدارة بوش (الابن)، فقد اصطدم تشيني حين كان وزيرا للدفاع (في رئاسة
الأب) مع كولين
باول (وهو وقتها رئيس
الأركان)، وأول الأسباب أن
تشيني وهو المدني حاول أن يتدخل في تحضير وإدارة حرب
الخليج (الثانية) متصورا نفسه
جنرالا على كتفه خمس نجوم
(مثل أيزنهاور) واضطر
باول أن يتشاجر معه
مرة كل أسبوع على الأقل (طبقا لرواية فيتزجيرالد نقلا عن سكوكروفت
).
والنقطة الحرجة الآن أن تشيني خلال تلك الحرب (لحسن الحظ أو
سوئه) بنى لنفسه صورة
مدير كفؤ ، وهذه الصورة هي
التي وضعته على رأس الفريق الإمبراطوري وزكته نائبا للرئيس (خبيرا عارفا) مع رئيس
(ليس خبيرا ولا عارفا بل مولود من جديد) مع تحسب الجميع من أن الحزب الديمقراطي
سوف يركز على قلة خبرة ومعرفة
بوش (الابن) مقابل
خبرة مرشحه جور وهو نائب الرئيس وقتها (مع بيل كلينتون ).
...................
...................
? وأتذكر أنني قابلت ريتشارد تشيني منذ سنوات طويلة (يوم أول أكتوبر
1970)، عندما جاء إلى مصر مرافقا لرئيس بعثة التعزية باسم الرئيس ريتشارد نيكسون في جنازة جمال عبد الناصر ، ولم يكن الرئيس السادات في حالة صحية جيدة، وكان أنه
أبلغ إليوت
ريتشاردسون أثناء مراسم
الجنازة وقد تقدم إليه مصافحا يعزيه أنه يستطيع أن يتحدث فيما يشاء معي (وزيرا
للإعلام وصديقا مقربا منه أيامها) بالنيابة عنه، وبالفعل جاء إليوت ريتشاردسون إلى مكتبي في الأهرام في السابعة
من مساء يوم أول أكتوبر، ومعه
تشيني ، وقدمه إلي باعتباره
مستشارا في البيت الأبيض، وكان
تشيني هو الذي كتب
محضر لقائنا ذلك اليوم، ولاحظت تدخله في مجرى الحديث بأسئلة قام فيها بمقاطعة
رئيسه (وكان تشيني هو الذي استعاد ذكرى هذا اللقاء
فيما بعد).
...................
...................