حرب العراق .. بين البشائر والنذائر (3)

سياسة الإستربتيز الأمريكية

                             هشام الناصر

Hesham_50@hotmail.com

ليست كل الكوارث قضاء من الطبيعة وقدر، فأغلبها من سوء فعل البشر، والطبيعة بنا رحيمة، وبضعفنا عليمة، فهي ترسل الإشارات والمحاذير، قبل الزلازل والأعاصير، والأعجم من الحيوان يحللها ويفسرها، ويتفكر فيها ويتدبر أمرها، فيأخذ حيطته ويعد عدته، لدرء خطرها وتجنب شرها، بل وهناك من يحولها لمصلحته ومنفعته. والأزمات مقدمة الكوارث، وكما قلنا في مقال سابق، الأزمات مثل الأمراض،  لها العديد من “الأعراض"، تنبئ عن وجودها وقرب حدوثها، فإن ساء تشخيصها، وخاب درءها، وفشل منعها، حدثت ووقعت، ونالت وأصابت.

وفي علم الأحياء، تٌصنف الكائنات إلي حيوان وجماد ونبات، والإنسان يٌصنف كحيوان، له نفس الولادة والممات، ولكنه يسمو فيما بينهما من حياة، ولذا فإنه من المفترض حوزته لهذا "الميكانيزم الغريزي"، لدرء البلاء وضمان البقاء، والعيش في يسر لا عسر، وراحة لا شقاء. ولكننا نري من البشر من هم دون الأعاجم وأحط من الأنعام، فهم في بلاهة وبلادة يتيهون، وفي غيهم يعمهون، ويغشاهم الله بظلمهم فهم لا يبصرون، وعليهم ضربت العناكب نسجها فلا يرون النذير، وإن رأوا أخطأوا الحساب والتقدير، وإن قدروا أساءوا الإعداد والتدبير، وإن أعدوا ودبروا أساءوا الإدارة والتنظيم. وليتهم وحدهم، يتحملون عواقب جهلهم وسوء أفعالهم، ولكنهم ولاة أمور وسادة محافل، وليوث تيوس قادة جحافل !! – ففي أعناقهم ولايا، وفي أذيالهم رعايا، وهؤلاء هم الضحايا !! – وحقيقة الأمر، وكما قلنا في مقال سابق - أن الرعية ليست ضحية .. !! ، بل هم شركاء في الإثم والخطيئة، والتيه والضلال، ومن ثم حق عليهم الهوان والإذلال ، في دنياهم ، والعذاب المهين من رب العالمين ، في أخراهم.

وحرب العراق كانت أزمة، وأضحت كارثة، ومهما كانت عواقبها ونوائبها، فهي مجرد فصل، فرع من أصل، ونذير لما هو أكثر شدة وأعنف حدة، فالغاية كم أسموها وأعلنوها هي "إعادة ترتيب المنطقة العربية"، والبداية انتهاك للسيادة العراقية، أو قل احتلال، فالكل لنفس المآل، فالمخطط مرسوم، والهدف معلوم، ولم يكادوا ينتهوا بعد من "تشطيب المرحلة الأولي"،  حتى قفزوا إلي الثانية !! سوريا العنيدة، أخر قلاع الصمود علي استحياء !!، ولما لا .. ألسنا أشلاء ؟ ، ألسنا قطيع من "شياة" راعية، تترقبها ضباع ضارية !!! – وما يحدث هذه الأيام من رجالات الإدارة الأمريكية، لهو فصل جديد في المسرحية، فدعونا نستكشف الأثر، ونستشف الخبر، من وراء زيارة "باول" لسوريا:

- أوليس "باول" هذا من العسكر الأمريكان ؟؟ - فما علاقته بالخارجية والشئون الدولية والأمور السياسية والألاعيب الدبلوماسية ؟؟؟

- في ملاحظتك أصبت، وفي سؤالك أجدت، فـ "باول" هذا ليس مجرد فردا عاديا من العسكر، بل كان علي قمتهم و صفوة قيادتهم أبان "حرب العراق الأولي"، وهو من الأمريكان “السود"، أو ما يطلق عليهم "الأمريكان الأفارقة" أو "الأمريكان ذو الأصل الأفريقي"، وهو من السود القلائل الذين تبوءوا المناصب القيادية وشاركوا بالأعمال السياسية، ولمنصبة العسكري السابق ولونه الأسود مغزى ومعني فيما يدور من أمور !! – أولهم ، دحض فكرة أو أمنية "التعاطف" ، بين السود الأمريكان والعرب عامة والمسلمين خاصة ، فهم ليسوا كما نعتقد ونروج من أفكار، بأنهم أبناء عمومة وذوي صلة قرابة ورحم !! وما عانوه ويعانوه من قبل الجنس الأبيض يؤدي وسيؤدي إلي تفهمهم لقضيتنا، وسيكونون لنا نعم العون والنصير إذا ما سيطروا وتولوا !! – فالأمريكي أمريكي، مهما كان لونه أو عرقه أو أصله وفصله !! – فهناك العقيدة الأمريكية، والكل بمبادئها ومعتقداتها موقنون، وهناك الإستراتيجيات، وهي النوايا والتخطيط المستقبلي بعيد ألمدي، وأيضا هم لها مخططون، وهناك التكتيكات، وهي الأعمال التنفيذية للوصول إلي الأهداف المرحلية تحقيقا للغايات المرجوة، وهم لها منفذون !!!!  وما نقصده "بالكل" هنا، هو من في الإدارة أو من سيصل إلي الإدارة .. !!!!!!  و ثاني هذه المعاني هو "عسكرة" السياسة الأمريكية الجديدة ، فوزير الخارجية هو العاكس للسياسة المرحلية للبلد التي يمثلها ، والأمر ليس كما يردده سليمو النية أو البسطاء ، بأنها مكافأة من الابن للمشاركة في حرب الأب !! فالرجل العسكري ذو فكر إستراتيجي بطبعه، ويجيد علوم وفنون إدارة الصراعات، خاصة تلك المتعلقة بالحروب والاقتتال، وهو خير معين في تحليل الأحداث وتقديم الخيارات لمتخذي القرار الذين يضعون سياسة "العصا لمن عصا" في مقامهم الأول، وثالث هذه المعاني، هو الاستكمال لما سبق من أعمال والاستمرار لسياسات، بدأتها إدارة الأب “بوش" ، طبقا لمخطط مرسوم، ولهدف معلوم.

- إذا كانت أمريكا قد اعتنقت مبدأ "الحرب" في عقيدتها الجديدة، فلماذا ترسل "باول" إلي المنطقة ؟؟ - وما جدوى هذه الجهود التي يطلق عليها "سياسية" ؟؟

- ألا تتذكر "هولاكو" و "تيمورلنك" ؟ - ألم يكن دأبهم إرسال الرسل إلي ضحاياهم من ممالك قديمة ، وعواصم عريقة،  ينذرون ويهددون ويتوعدون !!! – ليدب الرعب بالنفوس وتطأطئ الرؤوس، فيكون لهم ما يطمعوا ويطمحوا، بلا جهد وكد، ألم تلاحظ ما تردد من مقولات علي لسان بوش وعصابته ؟؟ - "يا أيها العرب .. هاهو العراق قد خرب، أسمعتم ورأيتم ، أفهمتم ووعيتم ؟؟"  . يا سيدي .. أعتبر أن "باول" هذا  هو رسول "تيمورلنك" هذا العصر الجديد ؟. ولعلمك، فإن ما تقوم به أمريكا الآن هو استمرارا لسياسة "الإستربتيز" القديمة !!!

- سياسة إستربتيز !!!؟؟؟ - وكمان قديمة .. !! ، إيش جاب الخلاعة للدبلوماسية ؟؟ - والهزل للجد ؟؟ وماهي العلاقة بين الغواني وأرباب السياسة ؟؟؟

- ألم تلاحظ أن الأمريكان قد نشروا صور القيادة العراقية علي "أوراق اللعب" – الكوتشينة – كمطلوبين للعدالة الأمريكية !!!!! – ألا تسمو كلمة "العدالة" عن سفاهة هذا الأسلوب ؟؟ - ألا يعكس ذلك عقلية وأسلوب هذه الإدارة ؟؟ - أنهم يلعبون ويتلذذون، وبضآلة خصمهم يعلمون، مثل القط البري الأجرب الذي يصيد عصفورا ضعيفا شريدا، دون جوع أو حاجة أكيدة، فيلهو به، يمزق ريشه ويقطع أطرافه قبل الإجهاز عليه وافتراسه !! – ولنعد إلي كلمة "إستربتيز" – Striptease فهي من الفنون الترفيهية الغربية، حيث يتعرى العارض، ذكر كان أو أنثي، أمام الجمهور، بالتجرد من ملابسه وما يقيه قطعة قطعة، حتى يصبح كما ولدته أمه !! – ويكون في غياب عن "ساتر" أو “وقاية"، ظاهرا لعورته وسوءته، لتلتهمه عيون الشواذ ، وتنتهكه أصابع الخلاعاء !! – وهذا بالضبط ما فعلته الإدارات الأمريكية المختلفة ، خاصة بالمنطقة العربية !! – وللمثال نقول وليس الحصر .. !!!!! ما فعلته الإدارة الأمريكية، أبان زمن "هنري كيسنجر"، بالسادات !! – ألم يجردوه من كل ما يقيه ويحميه ؟؟  - ألم يجعلوه يسقط، عن عمد أو جهالة، كل عوامل نجاح حرب أكتوبر ؟ ألم يجعلوه يسقط درع الأمة العربية بالقطيعة والحل المنفرد ؟؟  ألم يجعلوه يتنازل عن عمقه الإستراتيجي المتمثل في “فلسطين"، وأضحي قلب مصر ليس بينه وبين إسرائيل وقاية ؟ - ألم يسقطوا عنه الإرادة الوطنية وجعلوه تابعا قزما صغيرا يدور في فلكهم ويأتمر بأمرهم، ألم يجعلوه يطلب "إنهاء معاهدة الصداقة" مع السوفييت رغم أن سلاح الجيش وذخيرته من صنعهم ودعمهم، ألم يجعلوه يقدم للسوريين "خطة حرب" مغايرة للفعلية !! مما جرده من مصداقيته، ليس كشخصه بل كرئيس “مصر"، أمام الحلفاء والأصدقاء، ألم يجعلوه يخلع رداء الشرف والوقار والدين، رغم كونه رئيس بلد "الأزهر" الشريف، بمراقصة أعداءه (مراقصة وتقبيل بيجن !) !! واستضافة العاهرات والخلاعاء علي نفقة المحروسة (اليزبيث تايلور، خوليو الأسباني !!) – ألم يجعلوه يتجرد من حب القليل من شعبه، بسطوته وديكتاتوريته وفرعنته وقيامه بقهر وسجن "كل القوي السياسية والدينية" – (سبتمبر 1981) – ألم يجعلوه يتجرد من ثوب "الستر" المادي – وأغرقوه في الانفتاح والإنشكاح، والنتيجة سبعه وسبعون مليار ديون – ألم يجعلوه يزيل سترة وعفة المحروسة ويجعلها مرتعا للكلاب الصهاينة تحت ادعاء التطبيع -  ألم يجعلوه يخلع رداء السيادة الوطنية بجعل سيناء "منزوعة السلاح" والسماح للصهاينة بدنس أرض المحروسة وقتما يشاءون وكيفما يريدون ، فقط بالهوية الإسرائيلية!! كأنها امتدادا لسطوتهم وبقايا أملاكهم !! وغير ذلك الكثير والكثير والذي لا يتسع له عدة مقالات – النتيجة – وقفت المحروسة ترقص عارية – علي نغمات التهديد والوعيد من جانب، والآمال الزائفة من جانب آخر – أمام شعبها، وأمام أشقائها بالعالم العربي، وأمام العالم – وأضحت المحروسة والتي كانت أبدا مرهوبة الجانب، في ذل ومهانة، وفقر وبطالة، وعين مكسورة، ونفس مقهورة !!.

وفي شئون العراق، أجادوا توزيع الأدوار، علي رجالات الإدارة الأمريكية ذاتها، وحكومات العالم غربا وشرقا وعربيا ، والأمم المتحدة وما انبثق منها وعنها من لجان !! فهذا متشدد ينذر بعظائم الأمور، وهذا يهدأ وينصح، وهذا يشجب من تحت الضرس، وهذا يكذب ويتجمل، الخلاصة .. أنهم أقنعوا حكومة العراق بالتجرد من كل ما قد يسبب لهم الإيذاء !!!! – من سلاح وعتاد، حتى التقليدي منها، بدعوى إمكانية "حل الأزمة سلميا" – رغم وضوح النوايا العدوانية وبأن الضربة قادمة ولا ريب.  وكانت إستراتيجية القيادة العراقية تكمن في "إحداث قدر من الإيذاء" بين القوات الأمريكية يكون كافيا لإثارة الرأي العام الأمريكي – تماما كما حدث في لبنان  بين صفوف جنود المارينز أبان حكم "ريجان" ، ولكنهم نزعوا عنه كافة الوسائل الفعالة التي "قد تحقق لهم ذلك" – أو أجبروه بخداعهم أن ينزعها بنفسه -  وتركوه عاريا يرقص علي نغمات القنابل الثقيلة الذكية ، والصواريخ العابرة ، وعربدة الطائرات – وجحافل القوات – والنتيجة – انتصار ساحق ماحق ، دون خسائر موجعة تثير حفيظة الرأي العام الأمريكي – وهو الأمر الذي فتح الشهية وأسال اللعاب لمزيد من "المغامرات" ، ورفع رصيد ومصداقية صقور الإدارة الأمريكية والاتجاه المسيحي الصهيوني المناهض للعرب ،  دون خوفا من عواقب ونوائب ..

وها نحن الآن أمام ضحية جديدة، وسوريا في ورطة أكيدة، والخيارات أمامها محدودة، والعواقب وراءها ممدودة، فهي محاصرة من كافة الجهات، تركيا وإسرائيل والعراق المحتل والأردن !!!! – وليس لها سوي منفذا ومتنفسا واحدا هو "لبنان" - يمثل عمقه الإستراتيجي الوحيد – وهناك القليل من الأوراق في حوزته – منها تحالفه ودعمه مع "حزب الله" – المقاوم الباقي – الديك المشاكس الوحيد الذي مازال يصيح في عناد وكبرياء في "حظيرة" العالم العربي المليئة بالشمورت والعتاقي !!! – وهناك التحالف مع بعض المنظمات الفلسطينية المتشددة، والتي تسبب "إزعاجا" لإسرائيل، وهناك أيضا "الشعب السوري" الملتف حول قيادته والذي أحسن إعداده ليكون شعبا مسلحا !!. – ولنري ماهي مطالب "باول":

1 – إلغاء نظام عسكرة الفتية والشباب !! – وهو نظام كان معمولا به في مصر المحروسة أبان الحكم الناصري تحت مسمي “الفتوة"، حيث يتم إعداد الفتية والشباب في المعاهد الدراسية إعدادا يتسم بالجدية والخشونة، حيث الزى الموحد "شبة العسكري"، والتربية العسكرية علي الأساسيات والأوليات، والإعداد الذهني والنفسي ليكونوا مقاتلين ضد الاعتداء الإسرائيلي المحتمل.

2 – إغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية "المتطرفة" في سوريا، خاصة حماس والجهاد،  وهي التي تكدر صفو الحليف الإسرائيلي وتزعج آلياته القاتلة !!!

3 –فض علاقة الدعم والتحالف مع "حزب الله" بالجنوب اللبناني، تمهيدا لتصفيته.

4 – إيقاف العمل في "محاولة" إقامة المحور الإيراني – السوري ، نظرا لما تمثله إيران من تهديدا علي أمن واستقرار المنطقة العربية الآمنة !!!!!!

5 – عدم التدخل من قريب أو بعيد في مشروع "خارطة الطريق" ، المطروح علي مائدة الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي .

6 – إغلاق الحدود الشرقية مع العراق المحتل ، لمنع إي احتمال دعم ومساندة للمقاومة العراقية.

7 – سحب القوات السورية من لبنان (حوالي 15 ألف) ، وهي التي تمثل تأمينا بسيطا للجانب السوري ، ودعما وسندا "لروح المقاومة" لشعب وحكومة لبنان.

8 – تسليم رموز النظام العراقي السابق، الذين فروا إلي سوريا بعد الانهيار، وعلي رأسهم سيدة "الإنثراكس" ، هدي عماش ، مهندسة برنامج التسليح البيولوجي.

وهكذا .. فسوريا مطلوب منها أن تتجرد من ملابسها، وأن تلقي بأوراق الضغط القليلة الضعيفة علي الأرض، لتكون بلا وقاية أو حماية حتى من القليل القليل الذي يقيها من الاغتصاب والانتهاك – بل وأن تتجمل !! بالإعلان عن اعتناق المذهب الأمريكي الجديد بالمنطقة والانصياع له، لتكون جاهزة، وفي وضع الاستعداد المناسب الملائم – لقدوم "القبضاي" – الذي يريد حوزة "نعاج" الأمة العربية وفراريجها وأبقارها "بملك اليمين"، كغنائم و "سبايا"، حلالا بلالا ..!! – بلا صراخ أو احتجاج – أو حتى إزعاج .........

وللحديث باقية .. إن كان في العمر باقية