العراق الجديد منزوع الهوية العربية

 

 

 

 

بقلم : محمد عبدالحكم دياب

 

تصر سلطات الاحتلال علي استكمال اغتيال العراق بتفكيك الدولة، وطمس معالم التكوين البشري والشعبي العراقي. فالمؤسسات وهي تصفي، تتم مصاحبة لأكبر حملة نهب وسرقة، في التاريخ، للتراث والثروة، فاقت ما قام به التتار، ولا يضاهيها إلا عملية النهب البشع لتراث وثروات الهنود الحمر، وواضح لكل ذي عين أن هذا يتم من أجل محو شخصية العراق، الاقليمية والدولية، وطمس هويته الوطنية والسياسية. ولهذا يعمل الخطاب السياسي والاعلامي لقوات الغزو والاحتلال الأنكلو أمريكية علي خدمة مخطط الاغتيال. إنه خطاب تفتيتي تقسيمي، يدعو لهدم كل ما بناه هذا الشعب العظيم علي مدي أكثر من ثمانين عاما مضت، منذ ما بعد قيام دولة العراق الحديثة في أعقاب الحرب العالمية الأولي، وهذا يستوجب اليقظة من الجميع، فمفردات مثل هذا الخطاب لا تبشر بخير، علي المدي المنظور.

من وقف وراء قيام الدولة العراقية، عندما أنشئت في العام العشرين، من القرن الماضي، علي أنقاض الدولة العثمانية، أقامها من أطياف وجماعات بشرية.. متنوعة ومتعددة.. منها ما هو أصيل، ومنها ما هو وافد، كان الهدف، في ذلك الوقت، وهو أن تستمر الدولة العراقية هشة فتحتاج إلي الاعتماد علي القوي الخارجية لتضمن وجودها وبقاءها، لكن العبقرية العراقية، بعد الاستقلال، والتخلص من الاحتلال البريطاني، استطاعت، رغم كل المصاعب، أن تقيم دولة، أساسها المصلحة الوطنية، فنمت فيها عوامل التماسك أكثر من عوامل الفرقة، وتم ذلك في مدي زمني محدود ـ نسبيا ـ وكانت الدولة، رغم استبداديتها، وهي تواجه صراعا عرقيا داخليا مثل الذي جري بين الدولة المركزية والأكراد، قادرة، أغلب الوقت، علي تقديم حلول وتحقيق تسويات مطلوبة لمزيد من الاستقرار، وكانت هي الوحيدة تقريبا - في حدود معرفتي - التي قبلت بالحكم الذاتي في شمالها، رغم توجهها القومي العربي الصارم، ورغم أن الأكراد فيها ليسوا العدد الأكبر، مقارنة بأكراد تركيا، الذين يتجاوز عددهم 12 مليون نسمة، وأكراد إيران الذين يصلون إلي أكثر من ستة ملايين نسمة. كل هؤلاء لا يعترف بهم، ولا بحقوقهم الثقافية واللغوية والقومية والانسانية أحد.

نموذج من التعايش والتسامح والتكامل، ليس مطلوبا في هذا العصر الصهيوني، وحان وقت ضربه لأنه استقر علي عكس هوي القوي الغربية الكبري ذات الهيمنة. والحقائق الموجودة علي الأرض في العراق تكذب الأهداف المعلنة للغزو والاحتلال، فليس الهدف هو التحرير أو تخليص العراقيين من نظام حكم مستبد، انما الهدف واضح في اعادة رسم خريطة العراق، ونزع سلاحه، كبداية لاعادة رسم خريطة المنطقة ونزع سلاحها.

ولا يسعنا إلا أن نشير إلي أننا هنا لسنا في مجال مفاضلة بين ديكتاتورية وأخري، أو استبداد وآخر، من أشكال الاستبداد المنتشرة علي اتساع القارة العربية، ولا تزكية هذه عن تلك فالكل في الاستبداد عرب .. لا يختلف العراق عن غيره، إلا في الدرجة، وداخل العراق نفسه فإن الوضع لا يختلف كثيرا، ولا يستطيع أحد أن يدعي بأن الاستبداد كان موجها ضد عنصر دون الآخر، أو ضد منطقة دون أخري، وإذا كان الأكراد أو التركمان يشكون من ظلم وقع عليهم، أو استبداد حاق بهم، لم يكن حال العرب أفضل، وإذا أردنا الانصاف، فقد كان صدام حسين عادلا في استبداده فقد ساوي بين الجميع، وطال عدله الظالم كل العراقيين بلا تفرقة!!.

البحث عن حلول صحيحة لأوضاع العراق الراهنة يجابه بحالة تعطيل من أطراف عديدة، والمطروح الان، حلول تقسيمية وتفتيتية، منها ما يقوم علي الطائفية، أو علي موالاة الاحتلال، وهناك الذي يري في العودة إلي العشائرية والقبلية حلا، ولا ننسي الجيوب الجديدة التي تعمل في تهويد العراق، دون أن يكون لديهم حل سواه.

وباعتبار العراق حقل التجربة الأحدث، تتكشف من خلاله مؤشرات بالغة الأهمية، في منطقة منكوبة بمصائب الاستبداد الداخلي وفردية الحاكم ورضوخ المحكوم.. والهيمنة الأجنبية، التي بدأت تتحول إلي احتلال، ومن المتوقع أن تتطور إلي استيطان، يراها اليمين الصهيوني في واشنطن ولندن من ضرورات التهويد اللازمة لتمكين الدولة الصهيونية من المنطقة. ومن بينها أم المصائب المتمثلة في تخلف النخب السياسية العربية، وخياناتها الزائدة عن الحد، بشكل جعل المنطقة عاجزة عن استنباط وتبني حلول تنفرج بمشاكلها المزمنة، وهو ما جعلها مستسلمة للنهج الأجنبي وللتبعية، طائعة مختارة، وليس هناك من بين هؤلاء من يراهن علي أي قوة ذاتية، بأي درجة من الدرجات.

لا يكون غريبا، في مثل هذا الواقع، أن تغيب اللغة الصحيحة للخطاب السياسي والاعلامي، فما تردده النخب السياسية العربية علي مسامعنا ليس إلا خطاب اليمين المسيحي واليهودي الصهيوني (الأنكلو أمريكي)، بمفرداته وعباراته، دون فروق تذكر، ونري هذا التطابق في لغة التعامل مع العراق، لغة لا تشير إلي العراق كوطن، أو دولة، أو شعب، فمنذ الاعداد للاحتلال زادت وتيرة هذه اللغة، وانفضحت مع أول قنبلة ألقيت علي بغداد، أول أيام الغزو.. هناك حديث دائم عن الشيعة والسنة والأكراد والتركمان، وعن مشروعات وهياكل وقوانين اتحادية فيدرالية تستجيب للتركيبة القومية والمذهبية والدينية!!، وكل هذه المشروعات والهياكل والقوانين تنظر إلي العراق كفسيفساء من الأقليات الدينية والعرقية، وأسقطت عمدا، وهي تحرص علي حقوق مكونات هذه الفسيفساء، رصيد الثمانين عاما الماضية، وتبالغ في الاهتمام بالأقليات، ولا يصاحب ذلك حديث يتطرق إلي الأغلبية، وكأنه شعب يتكون فقط من هده الأقليات، أو أن أغلبيته كانت ترفل في النعيم، ولم تكن مظلومة مثلها مثل غيرها، ولهذا يبدو الموقف وكأنه نوع من تحريض الأقليات للانتقام من هذه الأغلبية.

لنكون أكثر وضوحا، دون أن يحمل مثل هذا الكلام علي غير ما يرمي إليه، من التنبيه إلي ظواهر تمثل خطرا علي الجميع.. أنا هنا أعني الأغلبية العربية، التي ضاع صوتها، في خضم خشخشات المجنزرات وأزيز الطائرات العسكرية، وأصوات الهتافات السياسية والشعارات الدينية، وصخب الصراعات الطائفية والعرقية. ليس هناك من يذكر الأغلبية العربية أو يتذكرها، وكأنها غير موجودة.. أغلبية تتجاوز في عددها نسبة الثمانين في المئة من مجموع الشعب العراقي.. بينما مجموع كل الأقليات غير العربية، في العراق، لا يزيد عن خمسة ملايين نسمة، في بلد يصل عدد سكانه إلي ستة وعشرين مليونا، أي أن هناك عشرين مليون عراقي عربي أو يزيد. هذه الكتلة البشرية، هي الوحيدة، دون سواها، القابلة للقسمة، من وجهة النظر الصهيو أمريكي، ومن وجهة نظر الخطاب السياسي والاعلامي الرسمي العربي، وكأن عرب العراق هم الوحيدون الذين يتوزعون إلي شيعة وسنة ومسيحيين وصابئة، أما الآخرون فهم كتل واحدة صماء، لا تقبل القسمة، ألا يتوزع الأكراد إلي سنة وشيعة (فيلية) ويزيديين ومسيحيين؟، وهكذا التركمان؟، ألا يتوزع الأرمن إلي غالبية من المسيحيين الأرثوذكس، بجانب مذاهب مسيحية أخري؟ ولن أخوض في تفاصيل الأشوريين والكلدان وغيرهم، لأن الأشوريين هم من الأصول القديمة للعرب، والكلدان ليسوا إلا أتباع واحدة من الكنائس العربية، وليسوا عرقا أو جنسا آخر، مختلفا في أصوله وجذوره وثقافته عن العرب.

اذن المخطط واضح هو نزع الصفة العربية عن الغالبية العراقية.. في الجنوب وفي البصرة والعمارة، يذكرون بأنهم شيعة وفقط، ويصورون علي أنهم امتداد إيراني فارسي، يمثل خطرا يجب الاحتراز منه، وذلك للتشكيك في ولائهم الوطني، فيصبحون غرباء في وطنهم، فيوضعون علي قوائم الاقصاء والنفي والاستئصال. هكذا قام خطاب التحرير المزيف علي تغييب كتلة ضخمة، هي الأغلبية العربية، وإذا ما تحقق الشرخ ما بين العرب السنة والشيعة، فذلك هو طريق الجحيم، الذي يتولي فتحه الغزاة والمحتلون، فيتحقق رهانهم علي حرب أهلية، وصراعات داخلية، وتصفية حسابات عشائرية وقبلية وسياسية، وهذا يتيح للمحتل فرصة الامساك بالخيوط الداخلية، فيتمكن من تحويل الاحتلال إلي قضية فرعية، وهدف استثنائي، بينما هو القضية والهدف الذي يستوجب وحدة الشعب بكل أطيافه وتوزيعاته الدينية والعرقية والسياسية. إننا أمام تناقض من نوع غريب، يتم التعامل به مع العرب، الأغلبية الأصيلة، ولا يتم التعامل به مع الأكراد كقومية مغايرة، ولا مع التركمان، كأقلية وافدة، لا تنكر أصولها التركية علي الاطلاق.

الهدف إذن هو تغييب الأغلبية وتفتيتها، واضاعة حقوقها بدلا من تأكيد حقوق الجميع.. أغلبية وأقلية.. الوطنية والديمقراطية والثقافية واللغوية والانسانية، والوحيدون الذين نالوا الاعتراف هم عرب الأهوار ، فهم من المنظور الانثربولوجي، الصهيو أمريكي جماعة بدائية، تعيش علي هامش الحياة الحضرية العراقية، والاهتمام بها يجعل منها أقلية مؤثرة، تتصارع مع الأغلبية وتضعفها.

قد يقبل الأمر، إذا ما قام التقسيم علي قواعد وطنية وثقافية ولغوية وديمقراطية وانسانية، تساوي بين البشر، ولا تثير الضغائن بينهم، أما أن تعزل الأغلبية، بهذا التقسيم الطائفي الجائر، ولا يوضع التعدد والتنوع المذهبي والديني والسياسي، ضمن نطاق الحقوق والحريات التي يكفلها القانون ويحميها الدستور، في النظم الديمقراطية الحديثة، من هنا نجد أنفسنا، لأول مرة، مضطرين لطلب المساواة للأغلبية العربية (شيعة وسنة ومسيحيين وصابئة)، مع غيرها من الأقليات، فالعزل النفسي للأغلبية ليس في صالح أحد، واختلاف المذهب والمعتقد والعرق لا يجب أن يوظف لضرب وحدة الشعب، ولا لتصفية الدولة، أو الغاء الوطن، فالنهج المتبع الذي يختصر الاسلام وجموع المسلمين في حركة سياسية اسلامية بعينها أو أخري، نهج خاطئ، وقصر التعرف علي العرب أو الأكراد أو غيرهم من خلال المنتمين لهذا الشكل أو ذاك من التنظيمات أو الأحزاب ذات التوجهات القومية، فهو أكثر خطأ، فالأطر والأشكال السياسية والتنظيمية، لا تعبر بالضرورة عن أتباع دين أو آخر، أو جموع أبناء هذه القومية أو تلك.

وعليه يجب عدم السماح بأي مواجهة عربية عربية، ونفس الشيء نطلبه بالنسبة للأكراد، لا يجب أن يعادي كردي كرديا آخر، لأن المخطط الموضوع لهؤلاء الأشقاء لا يقل خطرا عن ذلك الموضوع للأغلبية العربية. بدأت خطوات الوقيعة وتحريض الفصيلين الكرديين الكبيرين، واحدا ضد الآخر، فالمحتل في حاجة إلي مسوغ يبرر به خطواته القادمة لنزع سلاح البشمركة، ضمن مخطط نزع سلاح كل العراق، وفتح الباب أمام تطبيق الصيغة الاتحادية، ونزع شوكة الأكراد، لكي لا يتحولوا إلي قوي مناوئة للاحتلال في المستقبل.

العراقيون ككل هم في حاجة إلي الوحدة فما ينتظرهم خطير، والمهام القادمة صعبة ومكلفة. مطلوب منهم استعادة الدولة، وتحرير الوطن، وتوحيد الشعب، وإذا كان المحتل يلعب بورقة الديمقراطية زيفا، فعلي العراقيين أن يمارسوها فعلا، ويكون ذلك بدعوة القوي الوطنية للحوار والتلاحم والتكامل، وتحديد الأولويات بشكل صحيح، وعليها أن تخرج بمنهاج أو وثيقة تحدد الثوابت التي ينطلق منها الجميع، وتراعـــي المتغيرات التي تفرزها التطورات. بهذا يتم تفويت الفرصة علي مخطط التقسيم. ونقطة الانطلاق، في كل هذا، هي القبول بخيار المقاومة، كحق مشروع، تكفله الشرائع السماوية والوضعية لمن احتلت أرضه، واغتصب وطنه، فالملتزمون بخيار المقاومة، هم وحدهم القادرون علي استرداد الدولة، وحماية الوطن وتحرير الشعب، وفوق كل هذا وذاك فإن المقاومة هي الطريق الوحيد للنصر أمام المستضعفين.