<<البراغماتية>> هي الكلمة
الاكثر تردداً على ألسنة المسؤولين الفرنسيين منذ سقوط بغداد. فباريس تشعر بأنها
خاسرة بقدر ما تشعر واشنطن بأنها رابحة. وتشن الثانية هجوماً عنيفاً على فرنسا
يصل، احياناً، حد التلويح بعواقب للسلوك الذي اتبع خلال التحضير للحرب، ولكن اي
مراقب لعلاقات الدولتين يعرف ان ما تهتم الولايات المتحدة فعلاً به هو وأد اي
محاولة فرنسية لدفع الاوضاع في واحد من اتجاهين: إما إنشاء تحالف يوازن القوة
الاميركية في العالم قدر المستطاع، وإما تكبيل هذه القوة بإرغامها على احترام
المؤسسات الدولية والانضباط تحت سقفها سواء لجهة الاهداف او وسائل العمل.
لا يمكن فهم المؤتمر الصحافي الاخير لوزير
الخارجية الفرنسية دومينيك دوفيلبان إلا انطلاقا من هذه الخلفية. لقد خصصه للحديث
عن الشرق الاوسط وأزماته والحلول التي تقترحها فرنسا لها غير انه، من الألف الى
الياء، مخصص لمخاطبة الادارة الاميركية، أما <<البراغماتية>> المستجدة
فيكاد يكون مظهرها الابرز <<الاعتراف>> بأن العراق في قبضة
الاميركيين!
يستخدم الوزير الفرنسي بلاغة استثنائية
لتوضيح الفكرة القائلة بأن العالم اليوم، والشرق الاوسط تحديداً، يحتاج أيما حاجة
الى عمل جماعي تظلله الشرعية الدولية. ويقدم، في هذا المجال، صورة يعتبرها واقعية
عن <<إجماعات>> لا سابق لها بين القوى الدولية والاقليمية النافذة
يمكن لها ان تشكل أساسا صلبا لهذا العمل الجماعي المنشود.
ويخلط بين تمنياته وتقديراته الواقعية قصدا
من اجل بناء نص سياسي يؤسس لاستمرار <<الاشتباك>> مع واشنطن وتحديد
الخسائر الفرنسية والتصرف كمن ينطق باسم مجموعة دولية تصر الادارة الاميركية على
تجاهلها.
يستفيد دوفيلبان من ان حلفاء اميركا
الاوروبيين، البريطانيين والاسبان، هم على مسافة منها في ما يخص دور الأمم المتحدة
في العراق، وفي ما يخص القضية الفلسطينية، وفي ما يخص توسيع المواجهات في الشرق
الاوسط، يستفيد من ذلك في مسعى لترميم ما يمكن ترميمه من علاقات اوروبية. والقصد
من ذلك استعادة الاتحاد حتى يتكلم بصوت واحد في الحوار مع الحليف الاكبر لعل ذلك
يكون وازنا وقادراً على لجم الاتجاهات الانفرادية الاكثر غلواً.
ان التدقيق في التصور الفرنسي
<<الجديد>> لمشاكل الشرق الاوسط وحلولها يكاد لا يكتشف جديداً
استثنائياً. فالعنوان العام كان قبل الحرب على العراق وما زال، بعدها، الدعوة الى
التشاور، والى التعصب للشرعية الدولية وقراراتها، والى ان تكون السياسات صادرة عن
موقع يغلب القانون على موازين القوى العارية.
وإذا كان هذا هو العنوان العام فإن الهدف
الواضح هو تطويق النزعة الانفرادية الاميركية التي ازدادت جموحا وجرفت، في ما
جرفت، بعض السلوك المعتدل لكولن باول.
ما زالت فرنسا تصر، في ما يخص العراق، على
ربط تلبية الحاجات السريعة الإنسانية والأمنية بإجازة من الأمم المتحدة. وهي تصر،
اكثر، على ان تكون الشرعية الدولية مصدر الشرعية السياسية لأي نظام جديد. ويأتي،
في هذا السياق، التمسك بمطلب تعليق العقوبات على العراق لا رفعها نهائيا طالما ان
احداً لم يبت حتى الآن بموضوع اسلحة الدمار الشامل.
ولقد تميزت كلمة دوفيلبان، قبل ايام، بنظرة
تشدد على دور اللجنة الرباعية في الاشراف على تطبيق خريطة الطريق، وبتوزيع عادل
للخطوات الاسرائيلية والفلسطينية المطلوب اتخاذها بالتوازي. لقد طالب بآلية رقابة
ورفض، ضمنا، اي تعديلات تطلبها حكومة ارييل شارون. اكثر من ذلك لقد تبنت فرنسا،
بلسان وزير خارجيتها، مشروعا تفصيليا لإخلاء الشرق الاوسط كله بما في ذلك اسرائيل
من الاسلحة غير التقليدية، وهو ما استفز كثيرين في تل ابيب لاحظوا ان ذلك يكاد
يتجاوز ما يطرحه بعض العرب هذه الايام.
ومع ان <<البراغماتية>> قادت الى
تعريف للمخاطر في المنطقة (الإرهاب، انتشار الاسلحة، التطرف) يلامس التعريف
الاميركي فإنها حافظت على التميز في كل ما يفصل بين مكافحة هذه المخاطر وبين البحث
في اسبابها وجذورها وتعيين سبل التعاطي معها. وهي، بهذا المعنى، اقرب الى مزاج
اوروبي يخالف المزاج الاميركي الذي يقصر الحرب على الإرهاب على الاستخدام المبالغ
فيه والحصري للقوة العسكرية، ولعل في هذا التشديد ما يغلب وجهة النظر القائلة ان
هذه الحرب على الإرهاب بنتائجه ودوافعه تقتضي تعاوناً دولياً واسعاً لا يستقيم مع
سوق الآخرين ب<<عصا رامسفيلد>>.
لم يكن ممكناً لفرنسا، مع كل
<<البراغماتية>>، ان تقنع هذا النهج المخالف للولايات المتحدة من غير
أن تذهب في المنطق الى آخره. ولقد جاءت الإشارة الى العلاقات السورية اللبنانية في
هذا الإطار ولو أنها غير مقنعة كفاية لأنها تقفز فوق وجود اتفاقات ناظمة للعلاقة
بين الدولتين وبين شرعيتين تعترف بهما باريس.
يمكن القول، هنا، إن تراجعاً حصل. فلقد كان
الرئيس الفرنسي جاك شيراك واضحاً قبل أشهر في وضعه <<حصان>> الحل
الشامل في الشرق الأوسط قبل <<عربة>> الشكل الراهن للعلاقات اللبنانية
السورية. لم يكن وزير خارجيته بمثل هذا الوضوح وإن كان لم يقل شيئاً معاكساً
تماماً. ففرنسا في سجالها الكوني مع الولايات المتحدة لم تحب أن تترك ثغرة قد
يختلف معها اللبنانيون والسوريون من دون أن يقعوا في فخ أي استعداء.
أراد الوزير الفرنسي أن يكون بارعاً في تقديم
الاجتماع الرباعي مع ألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ بصفته لا يؤسس لكيان عسكري مستقل
نوعاً ما عن حلف شمال الأطلسي. غير أن هذه <<البراعة>> لم تنطل على
باول ولا على غلاة الأطلسيين الأوروبيين والأميركيين. ويفسر ذلك غياب البريطانيين،
مثلاً، واعتبارهم ان الاجتماع المذكور لا علاقة له بما جرى التوافق عليه في سان
مالو ولم يعرف طريقه الى التنفيذ.
ومن المقدر، أيضاً، لبراعة دومينيك دوفيلبان
ألا تنطلي على الأميركيين الذين سيجدون في التبشير بالعودة الى الأمم المتحدة
تجديداً لما يسمونه <<الفخ>> الذي سبق للرجل نفسه أن اوقعهم فيه. إن
الإدارة الماضية، من العراق الى فلسطين الى سوريا الى لبنان الى العالم كله في
إعادة صياغة موقعها الامبراطوري ليست في وارد تثقيل حركتها بقواعد ومؤسسات وقوانين
تساوي بين أمم الأرض وتعطي كلاً منها حقاً في أن تكون صاحبة رأي.
ولكن القلق واجب من أن تكون
<<براعة>> دوفيلبان قد انطلت على بعض من حجبت الشجرة عنه رؤية الغابة
فاستفظع فكرة ألا تكون فرنسا دولة ذات مصالح تمنعها من إحداث أي تماهٍ بين مواقفها
ومواقف عربية تتعرض الى إعادة نظر.
يقول قائل إن السياسة الخارجية الأميركية باتت
تقوم على المعادلة التالية: من لا يستمع الى كولن باول نرسل إليه دونالد رامسفيلد.
إن عدم الحوار مع دوفيلبان يسهّل على غلاة اليمين الأميركي تطبيق هذه المعادلة.