الوضع القانوني للسفارات والبعثات الدبلوماسية العراقية الآن

 

 

 

بقلم : نبيل الرملاوي

 

نستطيع القول بالقطع بأن حرب الولايات المتحدة الأمريكية علي العراق والتي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا بقرار آحادي لايستند إلي الشرعية الدولية هي غير شرعية وباطلة، وهي في نفس الوقت تؤكد يوماً بعد يوم أن مترتباتها وما ينشأ عنها هو أيضاً غير شرعي وباطل بالنظر إلي القاعدة القانونية (كل ما يترتب علي الباطل فهو باطل).

ونظراً لما تمثله سفارات وممثليات الدولة لدي الدول الأخري والمنظمات الدولية من سيادة للدولة المعنية، فقد لجأت الولايات المتحدة الأمريكية إلي محاولة تقويض هذا التمثيل السيادي للعراق لدي الدول والمنظمات الدولية منذ اتخاذها قرار الحرب ضد العراق، فطلبت من العديد من دول العالم طرد السفراء والبعثات الدبلوماسية العراقية من بلادها إمعاناً في تفردها بقرار الحرب والسلم في العالم واستخفافاً بكرامة وسيادة الدول الأخري، ولقد استجابت بعض الدول من ذوي الميول الأمريكية جزئياً أو كلياً للمطلب الأمريكي، غير أن عدداً آخر منها لم يستجب لذلك وهي الدول التي مازالت تحتفظ لنفسها بشيء من الكرامة واحترام قوانينها الداخلية والقوانين الدولية التي تنظم العلاقة بين السفارات والبعثات الدبلوماسية مع الدولة المضيفة من ناحية، والقوانين التي تنظم علاقات البعثات المعتمدة لدي المنظمات الدولية في الدولة المقر لتلك المنظمات، كما هو الحال في نيويورك وجنيف من ناحية أخري.

ولقد استندت الولايات المتحدة في طلبها من الدول كما أشرنا سالفاً إلي حق الدولة المعتمد لديها في جميع الأوقات إعلان أن دبلوماسياً ما هو شخص غير مرغوب فيه وفقاً لأحكام المادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961. صحيح هو أن المادة المذكورة لم تحدد الموجبات لمثل هذا الإجراء نصاً، ولكنها تركت للدولة المعتمد لديها حرية تحديد الأسباب التي تتفق مع قوانينها الوطنية وسلامة مصالحها أمام سلوك وتصرفات الدبلوماسيين المعتمدين لديها، وكانت حكمة المشرع عندما وضع هذه المادة في الاتفاقية بهذه الصورة العلنية هي تغليب مصلحة الدولة علي أي اعتبار آخر في علاقاتها مع الدول الأخري، إذ أن كل دولة تمنح مصالحها مع الدول الأخري الدرجة العالية من الاهتمام، ويعتبر التمثيل الدبلوماسي بين الدول دليل علي حسن وسلامة العلاقات فيما بينها، وفي نفس الوقت فإن انقطاع التمثيل الدبلوماسي ولاسيما بطلب من الدولة المعتمد لديها يشــــير إلي اهتزاز العلاقات بين الدولتين مما يترتب علي ذلـــــك اهتزاز بالمصالح المتبادلة بين الدولتين المعنيتين. ويعتقد المشرع عند وضع هذه المادة أنه ليس من الممكن أن تسعي دولة ما لإساءة علاقاتها مع دولة أخري هكذا ولأي سبب، وبالتالي تعريض مصالحها معها للاهتزاز وربما إلي أكثر من ذلك إلا إذا وقع ما يستوجب ذلك، أي عندما يكون انقطاع التمثيل الدبلوماسي هو أقل ضرراً مما لو استمر في ظل المسببات القوية للانقطاع .

والمفارقة في حالة الطلب الأمريكي المذكور إلي الدول قد استند إلي المادة 9 من هذه الاتفاقية، كما أن الدول التي رفضت الطلب الأمريكي استندت أيضاً إلي نفس المادة 9 من الاتفاقية ذاتها، فأمريكا طلبت التسلح بمنطوق النص الذي يمنح الدولة المضيفة الحق في طرد الدبلوماسيين العراقيين، والدول التي رفضت ذلك تسلحت بما لا يذكره النص وبمنطق سيادتها ومصالحها التي لم تتعرض للإساءة أو الخطر من وجود الدبلوماسيين العراقيين، مما لا يجبرها علي تطبيق نص المادة المذكورة، اللهم إلا إذا أذعنت إلي الطلب الأمريكي وآثرت المصالح الأمريكية علي مصالحها الذاتية وهي غير مضطرة لذلك. ومن هنا كان ومازال يجب علي الدبلوماسيين العراقيين في أماكن تمثيلهم لبلدهم العراق البقاء في أماكن عملهم والقيام بواجباتهم المتاحة إلي أن تصدر لهم التعليمات من حكومة العراق الشرعية بغير ذلك .

أما فيما يتعلق بالوضع القانوني الخاص ببعثات العراق المعتمدة لدي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخري، فإن هذا أمر يختلف عن التمثيل الدبلوماسي الثنائي بين الدول، ويجب أن يكون مفهوماً أن الأمم المتحدة لا تعترف بالدول ولكنها تتعامل معها، علي غير ما يتعلق بالتعامل الدبلوماسي بين الحكومات فيما بينها. وبدون اللجوء إلي أمثلة بعيدة وغير واقعية، لدينا واقع العراق الآن، في العراق دولة وكان علي رأسها حكومة، سقطت الحكومة وبقيت الدولة، فالحكومات تتغير بطرق شتي ومن ضمنها الانقلابات والحروب إلي جانب التغيير الديمقراطي وغير ذلك من أساليب تغيير الحكومات، وفي هذه الحالة يصبح الاعتراف من الدول الأخري بالحكومة الجديدة وليس بالدولة، أما الأمم المتحدة فتتعامل مع الدول والعراق عضو كامل العضوية في الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة، وإن تغيرت الحكومات في العراق، فإن الوضع القانوني للدولة العراقية في الأمم المتحدة ثابت لا يتغير، وهذا يعني أن السفير الممثل للدولة لدي الأمم المتحدة يبقي علي رأس عمله ما لم تقرر غير ذلك حكومة عراقية شرعية بقرار منها، وتقوم بإبلاغ حيثياته إلي الأمين العام للأمم المتحدة، وما دام هذا لم يحدث فإن ممثلي العراق لدي الأمم المتحدة يتمتعون بوظائفهم وحصاناتهم كممثلين لدولة العراق ولا يجوز أن يتخذ الواحد منهم قراراً منه بترك عمله استناداً إلي سقوط الحكومة في عاصمته، والشواهد التاريخية تؤكد صحة ذلك، نأخذ منها مثالين فقط وهما حالة الصومال وحالة طالبان في أفغانستان.

فالصومال بقيت أكثر من عشر سنوات بلا حكومة بل أكثر من هذا، لم يكن في الصومال من الدولة سوي الأرض والشعب المتناحر مع غياب كامل للسلطة، ومع ذلك بقي تمثيل الصومال لدي الأمم المتحدة كما كان عليه الحال قبل ذلك ولم يتأثر من حيث الوضع القانوني. أما نظام طالبان في أفغانستان، فبالرغم من عدم اعتراف دول العالم بذلك النظام إلا من قبِل دولة أو دولتين فقط ولمدة سنوات طويلة، إلا أن أفغانستان بقيت عضواً في الأمم المتحدة وممثلوها يتواجدون في هيئاتها واجتماعاتها، وإن كان ذلك يظهر جزئياً في بعض الأحيان إلا أن أفغانستان كانت دائماً موجودة في المنظمات الدولية إبان عهد طالبان، أي أنه في كلتا الحالتين الصومال وأفغانستان كان التمثيل لدي الأمم المتحدة موجوداً رغم الأزمات التي عصفت بحكومات هاتين الدولتين.

وإذا كان الحديث هنا يتركز علي الهيئة التمثيلية كجهاز قانوني، فإن ما يتعلق بالدبلوماسيين التابعين للهيئة التمثيلية للدولة فهم يكتسبون وضعهم القانوني وحصاناتهم منذ تعيينهم وعدم الاعتراض علي ذلك من قِبل دولة المقر، وبالتالي يصبح الدبلوماسي المعتمد لدي الأمم المتحدة سواء في نيويورك أو في جنيف أو في أي مكان آخر يضم مقراً لجهاز تابع للأمم المتحدة متمتعاً بالوضع القانوني الطبيعي لممارسة مهامه، ولاتتدخل دولة المقر بشأن استمرار هذا الدبلوماسي أو ذاك في عمله علي أراضيها إلا في حالة ارتكاب أحدهم أعمالاً خطيرة ضد سلامة وأمن دولة المقر، وفي هذه الحالة تتخذ دولة المقر إجراءات إخراج المرتكبين لمثل هذه الجرائم عن طريق الطلب إلي الأمين العام للأمم المتحدة باعتبار أن جميع الدبلوماسيين الذين يعملون ضمن بعثات الدول المعتمدة لدي الأمم المتحدة سواء هنا أو هناك هم معتمدون لدي الهيئة الدولية وليس لدي دولة المقر، وإخراج أو طرد أياً منهم يحتاج إلي موافقة الأمين العام للأمم المتحدة وفقاً لأحكام اتفاقية دولة المقر المعقودة بين هذه الدولة وهيئة الأمم المتحدة.