شارون .. رئيساً للسلطة الفلسطينية !!
هذا أمر لا يجوز فيه الجدل ولا يصلح فيه
الخصام، فالقول فصل لا نقض فيه أو إبرام، كما أنه ليس من المستساغ أن يكون مادة
للهزل أو للسخرية، حتى ولو كان لا يمكن فهم ما فيه إلا بإعتباره نكتة أو دعابة أو
مجرد سخافة في زمن سخيف!!
مسوغات التعيين
نعم.. إصلاح السلطة الفلسطينية لا يتأتى إلا
بتعيين «ارييل شارون» رئيساً لهذه السلطة، بحيث يتولى الرجل أعباء هذا المنصب
بالإضافة الى مسئولياته في إسرائيل.. وفيما يلي مسوغات تعيينه في هذا المنصب:
ـ حرصه الشديد على تحقيق السلام، بشهادة من
لا يجوز لأحد أن يخالفه، وهو الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش الذي قال عنه بملء
فمه: أنه «رجل سلام».
ـ حرصه الشديد على أرواح الشعب الفلسطيني،
وليس أدل على ذلك من إستبقائه لكل هذا الشعب الطيب في منازله شهوراً متتالية، وقد
حظر تجولهم خشية عليهم من أية إصابة حتى ولو من حادثة سيارة، وتلك حساسية لا
يعرفها أغلب الناس عن طيب القلب شارون، وللأسف يسيئون فهمه، ولو كان الأمر بيده
لحظر تجول الشعب الإسرائيلي أيضاً حتى يضمن سلامته من أي مكروه.
ـ إشفاقه الشديد على الرئيس عرفات وحرصه على
صحته الغالية، ولذلك فهو يطالب وبإصرار ضرورة أن يستريح الرجل بعد سنين الكفاح،
ويستمتع بما تبقى من حياته.
ـ كفاءته في إدارة الإقتصاد الفلسطيني، حيث
نجح حتى الآن في تقليل عدد الفقراء (بقتلهم)، وتخفيض نسبة التضخم (لعدم وجود نقود
أصلاً)، وتقليل عدد ساعات العمل الى درجة مثالية وصلت حد الإنعدام، فاستراح العمال
تماماً وتفرغوا للعب الطاولة والإرهاب.
ـ أنه الوحيد الذي يمكنه أن ينتزع موافقة
واشنطن على أي شيء، مهما كان، وبالتالي فلا جدال في أهليته لتولي هذا المنصب.
ـ كذلك، هو الوحيد أيضاً الذي يمكنه التعامل
مع شارون، حيث ثبت بالدليل القاطع أنه لا يفل الحديد سوى الحديد.
شارون يتفاوض مع شارون
أي أن الخلاصة، وبدون سفسطة أو تعليقات فارغة
من هنا أو هناك، هي أن نترك شارون يتفاوض مع شارون، ولعل شيئاً يتساقط علينا أو
على الفلسطينيين يكون فيه خيراً أي خير، وعلى كل حال فان أي شيء هو أفضل من لا
شيئ، وإذا كان الوضع الحالي هو لا شيء، بل أنه يتراجع الى ما وراء اللاشيئ، فأن
المعادلة التي نقترحها سوف تؤدي أو قد تؤدي الى شيء، دون حاجة الى الرباعية
والثلاثية والثنائية، ومدريد 1 و 2، وكامب ديفيد 1، 2، 3، الى آخر هذه الأكروبات
السياسية.
هل يمكن مثلاً لشارون رئيس السلطة الفلسطينية
أن يوافق على إستمرار إحتلال الأراضي الفلسطينية؟.. بالطبع لأ.. إذن ماذا سيفعل ؟
سيتوجه الى واشنطن.. والشيء البديع هنا هو أنه أولاً: لن يقوم شارون رئيس وزراء
إسرائيل بمنعه من السفر، وثانياً: لن يتمنع جورج دبليو بوش عن مقابلته.
طيب جداً.. وإذا لم يتوصل شارون رئيس السلطة
الى حل في واشنطن، ثم إذا ثبت له صلافة وعناد شارون رئيس وزراء إسرائيل، ما الذي
بمقدوره أن يفعل ؟.. هنا الشيء الأبدع، وذلك لأن خبرة شارون الإرهابية سوف تساعده
بلا شك كرئيس للسلطة في أن ينفذ عمليات ومذابح ضد شعب إسرائيل ترغمه على تغيير
شارون رئيس وزراء إسرائيل، ولا أظن أن حماس سوف توافق على هذه المعادلة بسهولة،
ولكنها حين تدرك حكمتها فلا أشك في أنها سوف تعطيه الضوء الأخضر.
وقد يظن الناس أن هذه الفكرة مجنونة أو حمقاء
على الأقل، وربما رمانا الناس بالإصابة بمرض «التصهين» (من الصهيونية) الذي أصبح
كالوباء، ولكن عليهم أن يتريثوا ويتأملوا، وما أروع أن يتريثوا ويتأملوا في هذا
الزمن اللاهث، وسوف يدركون أننا لم نقترح شيئاً غير مفعولاً، فمن الثابت لدى
الكافة ومنذ أن بدأت عملية السلام في مدريد، أن إسرائيل توقع على أوسلو ثم تنقض
أوسلو، وتوقع في واشنطن كي تنقض واشنطن، وتقترح صيغة «تينت» ثم ترفض صيغة «تينت..»
إلخ، أي أن إسرائيل تقترح بنود الإتفاق، وبعد الضغط الدولي والإقليمي على
الفلسطينيين يتم التوقيع على ما اقترحته إسرائيل في النهاية، ولكن إسرائيل بحجة أو
بأخرى تتملص مما تم التوقيع عليه، لتقدم إقتراحات جديدة وهكذا دواليك.
نظرية «البتاع»
إذن فمنذ البداية تقوم إسرائيل بالتفاوض مع
إسرائيل بوساطة اميركية، وعلى من لديه عكس هذه الحقيقة أن يقدمها لنا كي نعدل عن
هذا الرأي، ولما كان ذلك كذلك، وهو كذلك، فان هذا هو الذي كان، ومن هنا فان ذلك
يجب أن يكون كذلك.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فانه لا بد أن نذكر
تلك الجملة التي رددها البعض كثيراً في السنوات الأخيرة، وتقول هذه الجملة «أن
العرب هم أصحاب الفرص الضائعة»، وهي جملة فلسفية هائلة تمزج بين السخرية والنصيحة،
فهي سخرية من عقل العرب الذي لم يقدر الفرص التي أتيحت له، وهي نصيحة بإبتلاع أي
فرصة حتى ولو كانت مسممة.
وليس هذا محل مناقشة هذه الفرص «الضائعة»،
ولكن السؤال هو ما هو مصير تلك «الفرص المسممة» التي ابتلعها العرب في السنوات
الأخيرة ؟، هل أدت بالفعل الى تغيير في المصير ؟، فلقد سارع العرب بابتلاع فرصة
«مدريد» على اعتبار أن مفعولها طويل المدي في شكل «الأرض مقابل السلام»، فلا عادت
الأرض ولا حل السلام، بل زادت المستوطنات والمذابح بشكل غير مسبوق، كذلك قامت
القيادة الفلسطينية بمغافلة وفدها الموجود في واشنطن وابتلعت فرصة «أوسلو»، على
أساس عدم إضاعة الفرصة السانحة، والآن، وبعد مرور عشر سنوات على إبتلاع هذه
الفرصة، ربما يدرك البعض حقيقة الفرصة التي ضاعت بالفعل... وهو أمر يطول شرحه كما
سبق إيضاحه في مقالات أخرى.
ولكن ها نحن أمام فرصة ذهبية أخرى، وبنفس
المنطق فأنه لا ينبغي على العرب أن يضيعوها، وذلك بتسليم «شارون» رئاسة السلطة
الفلسطينية فوراً.
أعرف أن بعض كتابنا السياسيين الواقعيين (أو
الوقوعيين كما يحلو لي أن أسميهم) سوف يرحبون ويهللون لهذه الفكرة العبقرية، لأنها
تتسق تماماً مع ما يبشرون به منذ سنوات، فهم يرون أن أفضل أسلوب لمقاومة «الخصم»
(وليس «العدو» لأنهم متسامحون لا يعادون حتى من يناصبهم العداء) هو الإنبطاح أمامه
والتوسل إليه، وتلك خطة ذكية لأن ذلك «الخصم» قد يتكعبل فينزلق فيصاب.
وحتى لا يظن أحد أن هذا الموضوع مجرد «فرفشة
مخ» أو «تفريغ بخار»، فأنني أؤكد الجدية الكاملة، وبوصفي عضواً عاملاً في «إتحاد
الكتاب» وليس بأي وصف آخر، وحيث أن «الكتاب» لهم بعض صفات «زرقاء اليمامة»، فأنني
أستقرئ الواقع في محاولة لبناء المستقبل، متحلياً بأكبر قدر من الصدق مع ذلك
الواقع المحيط، وبأكبر قدر من الأمانة في ربط النتائج بالمقدمات، وأتحدى أي تحليل
منطقي يمكنه التوصل الى ما يناقض النتيجة التي أوضحتها، ولعل الحكمة تقتضي من
الجميع أن يتمسكوا بذلك في أقرب فرصة، حتى لا تضيع هذه الفرصة.