حكومة السيد محمود عباس: حدث عادي في صراع طويل
بقلم : د. بشير موسي نافع
أثار اقرار وزارة السيد محمود عباس (أبو
مازن) تفاؤلا واسعا في دوائر السياسة الدولية، في الوقت الذي أثار فيه قدرا من
القلق والتشاؤم في أوساط القوي الفلسطينية السياسية وقطاعات شعبية فلسطينية كبيرة.
السبب الرئيسي وراء التفاؤل الدولي يتعلق بمسألة المسائل، أي مستقبل الصراع علي
فلسطين. فلسطينيا، عربيا، ودوليا، تصاعد الحديث خلال العامين الماضيين حول فساد
السلطة الفلسطينية وضرورة اصلاحها. ولكن أغلب من شاركوا في النقاش حول هذه القضية
وساهموا في اطلاق الاتهامات لقيادة السلطة كانوا يعرفون ان اصلاح السلطة ليس هو
المعضلة، وان المعضلة كانت دائما وأبدا الصراع الدموي علي فلسطين، الصراع الذي لم
يجد له حلا منذ اندلع قبل قرن من الزمان. اليوم، هناك تورط امريكي عميق ومتزايد في
المنطقة العربية، وهناك بالطبع خارطة الطريق التي تعكس اساسا التصور الامريكي
للحل، اضافة الي تصورات الاتحاد الاوروبي وروسيا. وقد ربطت الادارة الامريكية منذ
شهور الصيف الماضي بين خارطة الطريق وعملية الاصلاح الفلسطينية التي كانت تعني من
وجهة نظر واشنطن إجبار الرئيس الفلسطيني المنتخب علي تعيين رئيس وزراء مقبول
اسرائيليا وامريكيا ومن ثم ابعاد عرفات عن سلطة اتخاذ القرار الفلسطيني. بوصول
عملية المخاض الصعب للحكومة الفلسطينية الي شاطئ السلامة، واقرار المجلس التشريعي
الفلسطيني لأبي مازن ووزارته، وتسليم خارطة الطريق للطرفين الفلسطيني والاسرائيلي،
لا بد اذن من التفاؤل بأن هذا الصراع يعود أخيرا الي مساقه التفاوضي، مرتكزا،
وللمرة الأولي، الي جدول زمني وخطوات محددة للتوصل الي حل نهائي وشامل.
أسباب ومبررات التشاؤم هي الاخري واضحة
ومنطقية. أول هذه الأسباب ان السيد محمود عباس لم يخف موقفه المعارض للانتفاضة منذ
اندلاعها في نهاية ايلول (سبتمبر) 2000. وقد ازدادت هذه المعارضة حدة بعد ان تحولت
الانتفاضة الي حركة ذات طابع عسكري مقاوم. يتعلق السبب الثاني بالتأكيد بالصورة
المستقرة في الوعي الجمعي العربي والفلسطيني من ان محمود عباس هو أكثر القادة الفلسطينيين
تساهلا فيما يتعلق بالثوابت الوطنية، وانه الزعيم الفلسطيني المقرب من الدوائر
الاسرائيلية. أما السبب الثالث، والأهم، فهو البرنامج الذي يتوقع لحكومة أبي مازن
تنفيذه، والذي يرتكز بالضرورة الي خارطة الطريق . ابو مازن، كما أغلب القيادات
الفلسطينية الرسمية، يري في خارطة الطريق المخرج الوحيد المتاح من الوضع الحالي،
وهو ما انعكس في القبول الفلسطيني غير المشروط بها. طبقا لـ خارطة الطريق ، فان
علي الحكومة الفلسطينية الجديدة ان تقدم علي مذبح التسوية المأمولة رأس قوي
المقاومة الفلسطينية، سواء الاسلامية أو الوطنية، وسواء بالاعتقال والقمع الأمني
المباشر أو بالتجريد من السلاح. مثل هذا الاحتمال بالطبع يهدد بانفجار حرب أهلية
فلسطينية، استطاع الفلسطينيون بحكمة نادرة تجنبها منذ توقيع اتفاق اوسلو في 1993.
ليس من السهل تجاهل دوافع المتفائلين أو
مخاوف المتشائمين، ولكن الأرجح ان هناك قدرا كبيرا من المبالغة في مواقف الطرفين،
فصعود حكومة أبي مازن الي واجهة الأحداث قد يثبت في النهاية انه لم يكن اكثر من
تطور عادي نسبيا في تاريخ طويل وبالغ التعقيد للصراع علي فلسطين. أبو مازن هو بلا
شك العراب الحقيقي وراء اتفاق اوسلو، وهو بلا شك معارض صريح لنهج الانتفاضة، ولكن
ذلك لا يجعل منه صديقا للاسرائيليين بالمعني التفريطي للوصف، ولا لقمة سائغة علي
مائدة شارون. أبو مازن هو أحد الزعماء الفلسطينيين الوطنيين الكبار، وبالرغم من
السلبيات التي علقت بتاريخه فمن المؤكد ان دوره في الحركة الوطنية الفلسطينية لم
يكن دائما دور المفاوض. وحتي عندما تحول الي مفاوض لم يكن أبو مازن دائما مفاوضا
سهلا للاسرائيليين والامريكيين. كان خطأ أبي مازن الرئيسي هو في اعتقاده ان اتفاق
اوسلو هو اتفاق سلام جاد يؤدي منطقيا وتدريجيا الي استقلال فلسطيني، وفي فشله في
رؤية وثيقة اوسلو علي حقيقتها باعتبارها مجرد اعلان نوايا اسرائيلي لا أكثر. ولكنه
في كامب ديفيد أبدي صلابة لا تخفي في رفض العروض الاسرائيلية والامريكية، وهو
بذلك، مثله مثل عرفات، مسؤول عن انفجار الانتفاضة. بكلمة اخري، لا يختلف أبو مازن
علي مستوي الأهداف مع التوجه الفلسطيني العام في السعي الي قيام دولة فلسطينية
وذات سيادة في الضفة وقطاع غزة، بما في ذلك القدس الشرقية. بل انه يختلف عن أغلب
القيادات الوطنية الفلسطينية الاخري في انه ما ان يعلن موقفا حتي يلتزمه بدون ان
يتزحزح.
بيد ان مشكلة السيد محمود عباس مع الشارع
الفلسطيني لا ينبغي الاستهانة بها، لا عمقا ولا حجما. مهما كان الطابع التوافقي
الذي صاحب اللحظات الأخيرة لولادة الحكومة الفلسطينية الجديدة، فان ما لا يخفي ان
هذه الحكومة قد جاءت بفعل ضغوط عربية وغربية هائلة علي الرئيس الفلسطيني الذي تري
الأغلبية الشعبية انه بات يرمز الي ارادة المقاومة وارادة الاستقلال الوطني. وقد
جاء السيد محمود عباس الي حكومته بحفنة من الوزراء (سواء اولئك المحسوبون عليه أو
علي الرئيس عرفات) الذين يمثلون الوجه غير المرحب به للطبقة السياسية الفلسطينية
التي ولدت من حقبة ما بعد اتفاق اوسلو. بعضهم جعل الهجوم علي الانتفاضة والاستهانة
بالتضحيات الفلسطينية شغله الشاغل، حتي عندما كانت الدبابات الاسرائيلية تستبيح
المدن والأحياء التي تقيم فيها أسرهم وعائلاتهم، بعضهم ليس له من ميزة إلا
المشاركة في التآمر المبكر علي الرئيس عرفات، وبعضهم ارتبط بخط التفاوض الكارثي
لمرحلة ما قبل الانتفاضة. احدي مهمات وزارة أبي مازن هي الاصلاح المالي والاداري
والقضائي، ولكن بعضا من أعيان وزارته حامت حولهم اتهامات عدة حول تجاوزات في هذه
المجالات.
ما يحتاجه رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد هو
الخروج من حالة العمل من وراء الستار، التي ميزت حياته السياسية في السابق،
والتصرف علي أساس من الموقع السياسي الذي يحتله الآن. لقد بات علي أبي مازن ان يقف
أمام شعبه محاورا ومدافعا عن مواقفه وخياراته. عليه مثلا، وهو الذي اعترف بالأخطاء
الجوهرية في اتفاق اوسلو، ان يتحمل مسؤولية هذه الأخطاء أمام الناس جميعا وان يوضح
لماذا يعتقد الآن ان خياراته التفاوضية ستأتي بما هو افضل، ان كان يعتقد هذا فعلا.
لقد اقتصر دفاع أبي مازن عن حكومته علي غرف المساومات المغلقة وقد اصبح من الضروري
الآن ان يعرف الشارع الفلسطيني لماذا جاءت الوزارة الجديدة بالشكل الذي جاءت عليه.
ولكن مشكلة الحكومة الجديدة الرئيسية، كما عبر عنها الناطقون باسمها خلال الساعات
القليلة التالية لاقرارها، تتمحور حول خطاب السيادة والسلطة الذي تتبناه. قال رئيس
الوزراء الجديد، كما قال عدد من وزرائه للشعب الفلسطيني ان الحكومة الجديدة لن
تسمح بتعدد السلطات في منطقة الحكم الذاتي، وان السلاح الشرعي الوحيد الذي سيسمح
به هو سلاح قوات الأمن التابعة للسلطة. المشكلة في هذا الخطاب ليست مرجعيته
النظرية، ففي دولة مستقلة ما، دولة تمثل شعبها تمثيلا حقيقيا وتتمتع بسيادة كاملة
علي ترابها وحدودها، لا يوجد إلا سلطة واحدة، سلطة هذه الدولة. ولكن سيادة السلطة
الفلسطينية علي أرضها وشعبها هي سلطة منقوصة، ومنقوصة الي حد بليغ.
السبب الرئيسي وراء هذا الوضع هو بالتأكيد
الاحتلال الاسرائيلي الذي جعل من سيادة وسلطة الحكم الذاتي مجرد وهم. وحتي بمقاييس
اتفاق اوسلو لم تكن السلطة الفلسطينية سلطة كاملة وسيادية. أزمة السلطة الفلسطينية
في علاقتها بالاحتلال بدت واضحة جلية خلال الاجتماع الأول لاعضاء حكومة أبي مازن،
عندما انطلقت سيارة دورية عسكرية اسرائيلية عبر الشارع الذي تطل عليه مكاتب اعضاء
الوزارة الجدد. ان تتحول أزمة السلطة والسيادة الفلسطينية وكأنها أزمة وجود القوي
السياسية الفلسطينية المناهضة للاحتلال فذلك انقلاب في الأولويات الفلسطينية لن
يؤدي إلا الي تفاقم فقدان الثقة بين حكومة أبي مازن والشارع الفلسطيني.
الفلسطينيون هم أكثر شعوب العالم تسييسا وسيكون من العبث محاولة إيهامهم بأن حكما
ذاتيا يفتقد أدني مستويات السيادة علي أرضه ومقدراته يمتلك الحق في مواجهة وقمع
قوي شعبه التي ليس من هدف لها إلا دحر قوات الاحتلال.
وهذا ما يوصلنا الي التوقعات المتفائلة التي
صاحبت ولادة الحكومة الفلسطينية الجديدة. يتذكر الفلسطينيون، لاسيما الطبقة
السياسية منهم، ان تفاؤلا أكبر قد صاحب التوقيع علي اتفاق اوسلو في 1993 عندما
اعتقد كثيرون ان الاتفاق يشكل مقدمة نهاية الصراع علي فلسطين والتوصل الي حل عادل
ومنصف للآمال والطموحات الوطنية الفلسطينية. حظوظ خارطة الطريق هي بلا شك اقل
بكثير من حظ اتفاق اوسلو العاثر. خارطة الطريق هي حتي الآن مجرد وثيقة لاقتراح
دولي ولا تحمل أي سمة من سمات الاتفاق. وقد أعلن الطرف الاسرائيلي ان له ما لا يقل
عن 15 تحفظا عليها. ولا يخفي ان حكومة شارون تراهن علي ان عامل الزمن وتعقيدات
الصراع ستتكفل بـ خارطة الطريق كما تكفلت بكل المشاريع المطروحة قبلها. الولايات
المتحدة الطرف المعول عليه في امضاء خارطة الطريق ، تستجدي حتي الآن موافقة
اسرائيلية عليها، بينما تسرع ادارة بوش الخطي نحو انتخابات رئاسية سيجد الرئيس
الامريكي خلالها ان من المستحيل الضغط علي الحكومة الاسرائيلية. هذا علي افتراض ان
جورج بوش، الذي تحيط به مجموعة من أشد المؤيدين لحكومة شارون يرغب فعلا في الضغط
علي الجانب الاسرائيلي. أما الوضع الدولي ككل فيعيش حالة انقسام بالغ ولدتها
الخلافات بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة وروسيا وفرنسا والمانيا من جهة
اخري. في ظل هذا الانقسام فان من الصعب تصور دور اوروبي فعال في المسألة
الفلسطينية اكثر من الدعم المعنوي والاقتصادي للسلطة. الي جانب ذلك كله، فان
مستقبل المشرق العربي بات منذ الآن يتمحور حول فلسطين والعراق، وليس فلسطين فقط.
حتي اشعار آخر، سيجد أبو مازن ان فلسطين والعراق قد ارتبطا بشكل لم يكن حتي صدام
حسين يحلم بتحقيقه يوما ما.
ما الذي يعنيه هذا كله؟ الذي يعنيه أولا ان
علي السيد محمود عباس ووزرائه من جهة والقوي السياسية الفلسطينية المعارضة من جهة
اخري ان يتعاملوا مع المرحلة القادمة بقدر كبير من الحذر والشك، فـ خارطة الطريق
لا هي بنهاية الطريق ولا هي حتي بدايته. والذي يعنيه ثانيا، ان وحدة الشعب
الفلسطيني لا بد ان تكون أولوية الأولويات، وان طرفا مهما كان اعتقاده بصواب وجهة
نظره يجب ان لا يدفع الأوضاع باتجاه انفجار صراع فلسطيني داخلي. والذي يعنيه ثالثا
ان علي القيادة الفلسطينية ان تتعلم درس اوسلو وان تتحرر من أسر الخط السياسي
التقليدي الذي اتبعته طوال العقد الماضي، خط رفع عصا القمع ضد القوي الفلسطينية
كلما لاح سراب جزرة دولية. هذا صراع طويل يتطلب طول نفس وصبرا وجلدا، كما يحتاج
عقلا سياسيا مبدعا يواجه التحالف الامريكي ـ الاسرائيلي ثقيل الوطأة بأقل قدر من
الخسائر.