بقلم :د. يوسف نور عوض
العالم الغربي يقود حربا شرسة ضد العالم
العربي، وهذه الحرب لا تقل ضراوة عن الحملة النازية ضد اليهود خلال الحرب العالمية
الثانية، وإذا كان التطهير العرقي ضد اليهود وجد من يدينه بعد الحرب فلا يبدو أن
هناك في العالم اليوم من يقف إلي جانب العرب، ذلك أن قتل النفس العربية أصبح مثل
ألعاب الكمبيوتر يتفرج عليها الجميع دون أن يحركوا ساكنا، وحتي الدول التي لها في
الظاهر مواقف مساندة للعرب مثل فرنسا وروسيا فإنها لا تتخذ مواقف جدية في الدفاع
عن المصالح العربية بكونها محكومة بسقف مصالحها، والتبرير الوحيد لذلك هو أن
العالم يحكمه قطب واحد هو الولايات المتحدة التي تمتلك القوة العسكرية التي تفرض
بها إرادتها كما يري الكثيرون، وهذه دعوي مزيفة لأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن
تفعل ما تريد إذا وجدت من يقف في وجهها، وأي قوة في العالم تستطيع أن تفرض علي العالم
العربي ما تريد وهو يحتل ربع الكرة الأرضية إذا لم يكن هناك من يساعد الأمريكيين
وغيرهم علي فرض إرادتهم؟
ودعنا نتوقف عند الأحداث التي وقعت في العالم
بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) لنري كيف أن الولايات المتحدة وجهت حربا ضد
العالم العربي دون مسوغات مقبولة، بل هي تلجأ إلي الأكاذيب وتخالف الأعراف الدولية
دون أن تلتفت حتي إلي مصالحها الخاصة، ذلك أن المنطق كان يفرض علي الولايات
المتحدة أن تبحث في البداية عن الأسباب التي جعلتها هدفا سهلا للضرب وهو ما هز
مكانتها العسكرية والأمنية، ولكن المؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة بدلا من أن
تفعل ذلك أشارت إلي عدو وهمي ووجهت كل آلتها العسكرية نحو بلد ضعيف مثل أفغانستان
وكان الهدف من ذلك هو توجيه حرب غير مباشرة ضد العالم العربي وعندما فشلت في
أفغانستان أرادت أن توجه حربها إلي بلد لا يقل ضعفا بسبب الحصار وهو العراق، وعلي
الرغم من عدم وجود تفويض دولي بالحرب قادت الولايات المتحدة ما أسمته تحالفا دوليا
بشن الحرب علي العراق مستندة إلي دعاوي باطلة وهي أن العراق يمتلك أسلحة دمار
شامل، ولكن بعد الحرب التي دمرت فيها البنية الأساسية للعراق وقتل فيها الآلاف من
المواطنين غير الذين شردوا لم تستطع الولايات المتحدة أن تقنع العالم أن العراق
كان يمتلك أسلحة دمار شامل، واستمرت في نشر الأباطيل من نحو أن العراق دمر أسلحته
قبل بداية الحرب أو أن الأمر يحتاج لوقت طويل قبل اكتشاف تلك الأسلحة وهو منطق لا
يختلف عما كان يقوله الكثيرون قبل بدء الحرب، ولكن الولايات المتحدة تريد أن يستمر
الوضع علي ما هو عليه دون تحديد مسؤولية الذين قاموا بتقتيل الشعب العراقي دون
مبرر شرعي بل والذين عملوا علي تغيير نظام حكم بالقوة علي النحو الذي شهدناه بصرف
النظر عن دكتاتورية ذلك الحكم وقسوته.
وتتوجه الآلة العسكرية الأمريكية الآن إلي
سورية توجه لها نفس التهديدات التي وجهت من قبل للعراق وتتجاهل الجرائم التي
ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي علي أرض فلسطين، بل إن المسؤولين الأمريكيين
يرفضون حتي النظر في أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها إسرائيل ويبررون ذلك بأن
إسرائيل يحيط بها أعداء يريدون تقويض كيانها وأنها لم توقع علي اتفاقية منع انتشار
الأسلحة النووية. ويحدث ذلك في وقت تعلم فيه الولايات المتحدة أن الدول التي تحيط
بإسرائيل غير قادرة علي تهديد كيانها، وتذهب الولايات المتحدة في تجبرها بإعلان
خريطة الطريق التي ملأت بها الدنيا واستطاعت بوعدها أن تغير السلطة الفلسطينية
وتقلص صلاحيات الرئيس عرفات بل هي تتجه إلي إقصائه بصورة نهائية، وخريطة الطريق لا
تقدم شيئا سوي وعد بإقامة دولة فلسطينية منقوصة السيادة، بل ولا يمكن أن تكون في
الأساس دولة مع تجاهل كامل الحقوق السورية في الجولان.
وإذا وقفنا نسأل عن ذلك كله وجدنا الولايات
المتحدة التي لا تهتم حتي بأمنها الداخلي لأنها تقع تحت سلطة اليمين الصهيوني لا
تفكر في شيء سوي أمن إسرائيل، بل إذا نظرنا إلي واقع الولايات المتحدة وجدنا أنها
قوضت النظام الديموقراطي في داخلها، ذلك أن الذي يحكم الولايات المتحدة اليوم ليس
الكونغرس أو حكومة ديموقراطية، بل يحكمها رئيس هناك شك في كيفية وصوله إلي الحكم
تحيط به جماعة نفوذ لم ينتخب أي منهم بواسطة الشعب الأمريكي، وبالتالي فإن
الولايات المتحدة أبعد ما تكون عن كونها نظاما ديموقراطيا، فهي نظام شمولي يتحدي
كل القوانين الدولية، ويكفي أن الولايات المتحدة تسعي لعقد اتفاقات ثنائية لعدم
تقديم الأمريكيين للمحاكمة في محكمة الجزاء الدولية ولا يفسر ذلك علي أنه حماية
للمواطنين الأمريكيين بقدر ما هو محاولة للخروج علي كل الأعراف الدولية والقوانين
المشروعة.
ويثير هذا الوضع برمته تساؤلات حول الأسباب
التي تجعل العالم العربي يقبل هذا الوضع ويضع نفسه في موضع الضعف وهو ليس بضعيف
ولكن حسابات أنظمة الحكم في داخله تقوم علي مفهومات ضيقة ومحددة وتعتقد أنها
بالتراجع المستمر وتنفيذ السياسات الأمريكية تحمي نفسها كنظم دون أن تدرك أن
العالم يواجه مرحلة جديدة من تاريخه وأن الاستسلام لا يحمي النظم.
ويتوجب هنا أن نتوقف لنري كيف يواجه العالم
العربي هذا الواقع الجديد الذي يهدد مصالحه، فالعالم العربي لا يريد أن ينقد نفسه
من الداخل وإنما يريد أن يتأقلم مع الواقع الخارجي، ويبدو هذا واضحا في النقد الذي
يوجه إلي الجامعة العربية والمحاولات التي تبذل من أجل تغيير نظامها، وكان من
الممكن أن يفهم هذا التوجه علي أنه محاولة لإصلاح الخلل بكون الجامعة العربية تقف
جسما شبه عاجز في مواجهة المشكلات العربية ولكن الذين يوجهون النقد هم الذين
شاركوا في الاعتداء علي العراق أو قدموا التسهيلات للقوات الأمريكية والبريطانية
ويتصرفون وكأن الانتصار الذي تحقق هو انتصارهم الذاتي وهو يدلل علي سلامة مواقفهم.
وتدعو الكويت ومصر إلي إقامة مؤسسة جديدة كبديل للجامعة العربية، ولكن المؤسسة
الجديدة ليست مؤسسة تتسم بالفاعلية وإنما هي مؤسسة تضم الدول التي تنسق سياساتها
مع الولايات المتحدة وتنفذ أغراضها في المنطقة العربية. وتستثني الدول التي تقف ضد
هذه الساسة، ولا يخالجنا شك في أن معظم الدول التي تصنف علي أنها مارقة علي
السياسة الأمريكية لا تستأهل أن يدافع عنها أحد لأنها هي أيضا من أسباب الكارثة التي
تحل بالعالم العربي. ولكن ذلك ليس سببا كافيا لإقامة منظمة عربية تكون أداة في يد
الإدارة الأمريكية وإسرائيل، ذلك أنه لم يحن الوقت بعد لإقامة منظمة جديدة، خاصة
وأن معظم القضايا العربية لم تحل بل هناك مؤشرات علي أن العرب سيفقدون المزيد من
قدراتهم وسيادتهم وأنهم سيسلمون اقتصادهم وإدارتهم للنفوذ الصهيوني، ويكفي ما حدث
اليوم في العراق، فمن كان يصدق أن حاكما يرتبط ارتباطا مباشرا بالصهيونية وله
علاقات مع شارون سيصبح حاكما للعراق يتحكم في ثرواته ويحولها لصالح الصهيونية
لتضرب بها الأمة العربية، بل من يصدق في وجود العالم العربي والجامعة العربية
والرئيس الأمريكي يعلن علي العالم أنه عين حاكما جديدا علي العراق، فهل هناك مهانة
للعرب أكثر من ذلك؟ بل من يصدق أنه بعد أن حدث ما حدث في العراق أن الحكام العرب
يلتزمون الصمت ولا يتحركون من أجل مواجهة مصيرهم الذي سيحسم في العراق، وإذا كنا
نفسر قبل الحرب أن سبب اختلافهم في مسألة العراق هو اختلاف مواقفهم من نظام العراق
فكيف نفسر مواقفهم بعد الحرب وسقوط النظام العراقي؟ إذ كيف لا يتحرك هؤلاء الحكام
من أجل الدفاع عن المصالح العربية؟ إنها فضيحة ما بعدها فضيحة. أليس من الصلافة أن
يتحرك وزير خارجية الولايات المتحدة نحو سورية كي يوجه لها إنذارا ولفت نظر بضرورة
أن تتنبه للواقع الجديد في جوارها؟ بل ويطالبها بالانسحاب من لبنان ويطالب لبنان
بإجلاء القوات الأجنبية التي هي قوات سورية ويطالب سورية في نفس الوقت بقفل جميع
مكاتب المقاومة الفلسطينية علي أرضها لا لشيء غير توفير الأمن لإسرائيل دون مقابل؟
وقبل ذلك يتحرك الرئيس المصري حسني مبارك نحو سورية كما تحرك من قبل نحو العراق
يطالب بتقديم التنازلات عملا بنظرية انج سعد فقد هلك سعيد وإذا تأملنا الموقف
برمته وجدنا أنه يتحرك في اتجاه تحقيق المصالح الإسرائيلية دون تقديم شيء في
المقابل للعرب بل حتي لا يقدم وعدا بتحرير الجولان. وإعادتها إلي سورية ويكتفي
بعبارات عامة مثل إن أمريكا سوف تفعل ما بوسعها من أجل حل مشكلات الشرق الأوسط
ويعني بذلك أن تحل المشاكل بما يحقق مصالح إسرائيل، وإذا تعرض إلي مسألة أسلحة الدمار
الشامل فإن وزير الخارجية الأمريكي يقول إن الوقت لم يحن بعد للتفكير في هذا
الأمر، فما الذي يجعل الوقت مناسبا لتجريد العرب من أسلحة الدمار الشامل التي لا
يملكونها بينما يجعل الوقت غير مناسب لتجريد إسرائيل من الأسلحة التي تمتلكها؟
ولا يوجد حل لهذا الموقف كله في القول إن علي
العرب أن يتخذوا موقفا موحدا لمواجهة الصلف الأمريكي، لأن الدول العربية أو
بالأحري الحكام العرب لا مصلحة لهم في تغيير الواقع فهم يفكرون في إطار ضيق لا
يتجاوز مصالحهم ومصالح أسرهم ولا يفكرون في مصلحة الأمة التي أفقروها بسرقة
أموالها ونهبها وتحويلها إلي مصارف أجنبية لتصبح تحت التهديد بالحجز والمصادرة
والتجميد كما هو شأن العراق اليوم.
وإذا كان الحكام العرب في الماضي يخشون من
الجيوش والانقلابات العسكرية التي تغير أنظمة الحكم فإنهم لم يعودوا الآن يخشون
ذلك لأن الجيوش كلها أصبحت عاجزة ومدجنة وفاقدة لقدراتها الحقيقية والدليل علي ذلك
ما جري في العراق حيث لم يكن هناك جيش ليواجه الأعداء، كما أن العالم العربي لم
يعد يفكر في هذا الاتجاه لعلمه أن شرور الجيوش أكبر من شرور الحكام ولاقتناعه أن
التقدم يحتاج إلي العلم والحرية وليس إلي السلاح.
ولا يبدو أن هناك أملا حقيقيا واضحا للعيان
لان العالم العربي بمثقفيه وعلمائه ومفكريه مشغول بفلسفة النوايا الأمريكية وليست
لديه فكرة عن كيفية الانتقال من ثقافة التخلف والمهانة إلي مرحلة اكتساب الحرية
وتحقيق المجتمع الذي يخدم مصالح الناس ويحفظ الكرامة الوطنية. وإذا نظرنا إلي ما
يحدث في العراق تبينت لنا حقيقة أولية وهي أن المجتمع في ذلك البلد الذي كان يتصور
أنه قطع طورا من التقدم، يتعامل اليوم مع الاستعمار بمفهومه الذي كان سائدا في
القرن التاسع عشر، وليس ذلك فقط لأن العراق تعرض لعملية غزو عسكري بل لأنه لا توجد
في الحقيقة الأسس التي يقوم عليها مجتمع مدني حديث، ذلك انه مهما كانت الحروب فإن
المجتمعات لا تفقد كل شي ء بحيث تحتاج إلي البناء من جديد، ليس علي أسس جديدة لأن
هذه الأسس لا يمكن أن تستورد وإ نما علي ركام ما دمر، فهل يعقل في بلد بحجم العراق
يجد الناس أنفسهم بحاجة إلي البداية من مرحلة الصفر وهي في كل الظروف لن تكون
بداية جيدة لأن القطر خلال أكثر من ثلاثين عاما لم يكن مشغولا بشيء سوي مؤسسة
المخابرات والقبور الجماعية التي لم يكن مبرر وجودها إصلاحا وطنيا ضروريا وإنما
كان من مستلزمات الجريمة بكل ما تتطلبه من استحقاق، واليوم يجد المجتمع العربي بكل
فئاته نفسه عاجزا تملي عليه إرادة مجتمعات أخري ولا يجد حكامه من خيار سوي
الانصياع، وتلك قمة المأساة التي يبدو أن الكثيرين لم يتبينوا أبعادها بعد.