سنة الله الماضية في الكون والحياة...
يختلف الناس في تفسير وتحليل ظواهر الكون ...
خاصة ظاهرة الاضطراب والانهيار الاجتماعي الذي تزول به حضارات وتدول به دول وأنظمة
كبرى بعد أن يظن الناس خلودها ورسوخ قوتها ... ويحار الفلاسفة والمحللون والساسة
في إدراك ما جرى وكل منهم يرى بمنظاره ومن زاوية اعتقاده وفكره ، أما المؤمن
الواثق من دينه القويم فهو ينظر إلى الأحداث ويفسر مجريات التاريخ بمنظار إسلامي
ويزن الأمور بميزان قرآني ، ويغوص إلى المقدمات الخفية والأسباب الباطنية التي أدت
إلى النتائج المنظورة .
يدرك المؤمن أن لكل عقيدة تأثيراً ولكل عمل
نتيجة ، ولكل فعل وخلق رد فعل وهذه الخواص والتأثيرات التي أودعها الله في العقائد
والأعمال والأخلاق دائمة بدوامها كدوام الخواص التأثيرات التي أودعها الله في
الأغذية والعقاقير بل أشد وأقوى إذ
هي سنة الله التي أجرى بها الكون وأحداثه وأخبر عنها سبحانه: (ولن تجد لسنة الله
تبديلاً ) الأحزاب 62 .
ويقف المؤمن خاشعاً أمام سلطان القدرة
الإلهية والحكمة الربانية يأخذ العبرة ولا يأخذه العجب مما يرى ، إنه القانون
الإلهي الخالد وما يكافئ الله به الإنسان والأفراد والجماعات والدول على صالح
الأعمال والأخلاق في الدنيا والآخرة من جزاء وجائزة ، من رحمة وبركة وسلامة وعافية
وكرامة ، وما يعاقب الله به على الأعمال والأخلاق الفاسدة من هلاك وعذاب وإذلال
... وما خص به بعض المعاصي من البلايا والآفات في الدنيا والآخرة ، هذا القانون
الإلهي المسطور في قوله تعالى ( إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم
يظلمون) ***
ولقد غفل كثير من المسلمين حقيقة هذا القانون
والسنة فراحوا عند كل بلية وفتنة يندبون حظهم التعيس ويلقون بالتبعية والمسئولية
على أي شيء آخر عدا أنفسهم وما يكسبون ... قال سبحانه ( ظهر الفساد في البر والبحر
بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) الروم 41 ، وقال
سبحانه ( ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) الشورى 30 ، ويوم
أن أصاب المسلمين ما أصابهم في أحد عقب القرآن على ذلك ( أو لما أصابتكم مصيبة قد
أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم ) آل عمران 195 ، ويروى عن الحسن
البصري رحمه الله : أنه لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي
بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا عثر قدم إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر
،كما يروى عن الإمام علي رضي الله عنه قال : ( ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله
تعالى وحدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ما أصابكم من مصيبة فبما
كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) وسأفسرها لك يا علي : ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو
بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم ) ، وقال الإمام علي رضي الله عنه : (ما نزل بلاء
إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة ) ، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا
تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا) .
أجل إنه القانون الإلهي الخالد ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم ) الرعد 11 ، ( ذلك بأن الله لم يكُ مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم ) الأنفال 53 ، فإن كان هذا التغيير والتحول الداخلي لنفوس
القوم إلى الخير والصلاح كان الأمن والاستقرار والعز والتمكين ، كان دوام النعمة
وبركتها وزيادتها ( لئن شكرتم لأزيدكم ) إبراهيم 9 ، والعكس بالعكس وصدق الله
العظيم : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول
فدمرناها تدميراً ) الإسراء 16 ، يعني أمرناهم بطاعة الله تعالى ورسوله وعمل
الصالحات وعدم الإفساد في الأرض فكفروا وفسقوا فاستحقوا عقاب الله تعالى بالخسف
والدمار والهلاك ، وفي قراءة أخرى ( أمرَّنا ) يعني أن الله أملى للمترفين حتى
تمكنوا وأصبحوا أمراء على الناس واغتروا بما أوتوا فعصوا ربهم ورسولهم ففسقوا
وفجروا وظلموا فحق عليهم غضب الله تعالى ، ولقد أجاب الخليفة الفاروق رضي الله عنه
حين سُئل ( أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة ؟ قال إذا علا فجارها على أبرارها وساد
القبلية منافقوها ) رواه أحمد ، نعم لأنهم إذا تمكنوا من دفة الأمور ولوَّا
أمثالهم من الفجار الفسقة واجتهدوا في نشر الفساد والظلم فكان الجزاء من جنس العمل
.
وقد يقول قائل فما بال بعض الصالحين يصابون
بالبلاء والأسقام وربما يقع عليهم بعض ما يقع للفجار من الخسف والهلاك وما بال
الأطفال والرضع الذين لم يجر عليهم التكليف ولا ذنب لهم وغيرهم ممن لا حول لهم ولا
قوة يصاب بعضهم بالأسقام والمهالك ، والجواب على ذلك أننا لا نحيط دائماً بحكمة
الله من وراء كل واقعة ، وهذا عين ما استشكل على موسى عليه السلام فيما وقع له من
أحداث مع الخضر عليه السلام فلم يطق صبراً ثم تجلت الحكمة الإلهية الخفية بعد ما
أطلعه الخضر على بواطن الأمور ، ونضيف كذلك بأن لعظم بعض المنكرات والمفاسد عند
ظهورها من قوة التأثير والضرر ما يصيب بعض من لا علاقة لهم بهذه المعاصي كما قال
تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب
) الأنفال 25 ، ويعقب ابن تيمية رحمه الله على الآية : أي لا تختص بالمعتدين بل
يتناول من رأى المنكر فلم يغيره ومن قرأ : ( لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) أدخل
في ذلك من ترك الإنكار مع قدرته عليه ، وقد يراد أنهم يعذبون في الدنيا ويبعثون
على نياتهم كالجيش الذين يغزون البيت فيخسف بهم كلهم ويحشر المكره على دينه )، وهو
ما يصفه البعض بقانون العقاب الجماعي في سنة الله الكونية .وفي الحديث المتفق عليه
عن زينب بنت جحش رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( .. قلت يا رسول
الله : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث ) حديث 189 رياض الصالحين
للنووي ، وروى الترمذي بسنده عن عائشة رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم
قال : ( يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف ، قلت يا رسول الله : أنهلك وفينا
الصالحون ؟ قال : نعم إذا ظهر الخبث )وروي الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن
الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ، ثم لتدعُنَّه فلا يستجاب لكم ) حديث 193 رياض
الصالحين للنووي
وفي الحديث أيضاً : ( إن الناس إذا رأوا
الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) حديث 197 رياض
الصالحين للنووي .
وروى أبو داوود وابن ماجة بسنده عن جرير بن
عبد الله رضي الله عنه قال سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول : (ما من رجل يكون
في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه
بعقاب قبل أن يموتوا ) وعنه جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم " أوحى الله عز وجل إلى جبريل عليه السلام : أن اقلب مدينة كذا وكذا
فقال يا رب إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين ، فقال اقلبها وعليه ، فإن وجهه
لم يتمعَّر فيَّ ساعة قط ، ولقد ذكرنا أن الله تعالى قد خص بعض المعاصي بعقوبات خاصة
من البلايا والآفات في الدنيا والآخرة نذكر منها ما جاء عن النبي صلى الله عليه
وسلم : ( يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن ما
ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ابتلوا بالطاعون والأوجاع التي لم تكن
مضت في أسلافهم الذين مضوا ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة
المؤونة وجور السلطان عليهم وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء
ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً
من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله
بأسهم بينهم ) حديث 106 سلسلة الصحيح للألباني . وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله
عنهما عن النبي صلى الله عليه قال ( إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا
بأنفسهم عذاب الله ) ، وروى ابن ماجة والترمذي والحاكم وصححه بسنده عن النبي صلى
الله عليه وسلم (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر
له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ) ، وعن عبد الله بن مسعود ( إذا ظهر الربا
والزنا في قرية أذن الله بهلاكها ) قال مجاهد : إن البهائم تلعن عصاة ابن آدم إذا
اشتدت السنة وأمسك المطر وتقول : هذا بشؤم معصية ابن آدم ، وقال عكرمة : دواب
الأرض وهوامها تقول : منعنا القطر بذنوب ابن آدم كذلك خص الله تعالى بعض الطاعات
بثواب وحسنات خاصة في الدنيا والآخرة نذكر منها قول الله تعالى : ( فقلت استغفروا
ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم
جنات ويجعل لكم أنهاراً ) نوح 10-12،وقوله تعالى : ( ولو أن أهل القرى آمنوا
واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) ، وقوله تعالى : ( يا أيها الذين
آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم )
الأحزاب 70-71 ، وقوله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ، ويرزقه من حيث لا
يحتسب ) الطلاق 2-3 .وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس شيء أُطيع الله فيه
أعجل ثواباً من صلة الرحم وليس شيء أعجل عقوبة من البغي وقطيعة الرحم واليمين
الفاجرة تدع الديار بلاقع ( أي فقراء ) حديث 978سلسلة الصحيح للألباني ، وقوله صلى
الله عليه وسلم (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) ، وقوله
( وما زاد الله رجلاً بعفو إلا عزاً ) ، وقوله : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا
ملكان ينزلان ؛ فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر : اللهم أعط
ممسكاً تلفاً ) متفق عليه حديث 295 رياض الصالحين للنووي ، وقوله كذلك : (من كانت
الآخرة همه ، جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن
كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا
ما قدر له ) سلسلة الصحيح للألباني .
وروى الترمذي بسنده عن النبي صلى الله عليه
وسلم : ( لا يرد الدعاء إلا القضاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر ) حديث 154 سلسلة
الصحيح للألباني ومن المشاهد عموماً ( إلا ما استثنى ) أن قوة التقوى تؤثر في صلاح
الذرية عموماً وبالمقابل فإن قوة المعصية تؤثر في فساد الذرية ويشهد لذلك ما علل
الخضر به بناء الجدار لحفظ كنز الغلامين اليتمين كما جاء في القرآن الكريم ( وكان
أبوهما صالحاً ) الكهف 82 .وقد يقول قائل فما بالنا نرى أبواب النعيم في الدنيا
تفتح للكافرين ولا يصيبهم ما يصيبنا من نكد في الدنيا على ما هم فيه من كفر وفجور
وإفساد ؟ فنقول إن هؤلاء قوم يعجل الله لهم طيباتهم في الحياة الدنيا كما ورد في
الأثر ، وهذا أيضاً نوع مما يبتلى المؤمن به ويمتحن إيمانه ويقينه من جهة ثم هو
استدراج من الله تعالى ؛ يمهلهم ويمد لهم ، حتى إذا جاءتهم نقمته سبحانه : أخذهم
بعذاب شديد دفعة واحدة في الدنيا مع ما يرصده لهم في الآخرة ، كما في الحديث
المتفق عليه : ( إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ : " وكذلك
أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ، إن أخذه أليم شديد ) هود 102/حديث 207 رياض
الصالحين للنووي.
ثم إن الله سبحانه يجازي من يفعل الخير منهم
في الدنيا وإن لم يرد به وجه الله حتى يأتي يوم القيامة بلا حسنة تقتضي الثواب ،
ومن جهة ثالثة نحن نشاهد أيضاً ما يصيبهم من نكد وشقاء روحي وجرائم اجتماعية مروعة
وعقوبات حالية بانتشار الأمراض المعضلة التي هي أكثر ما تخصهم دون غيرهم جراء
كفرهم وموبقاتهم .وكذلك فإن الله سبحانه قد يسلط في هذه الدنيا بعض الظالمين على
بعض بسبب جرائمهم ومفاسدهم وظلمهم فينتقم من بعضهم علي يد البعض الآخر : ( وكذلك
نولي بعض الظالمين بعضاً بما يكسبون ) ، وروى أحمد بسنده عن النبي صلى الله عليه
وسلم : ( إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو
استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فلما نسوا ما ذكروا به
فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
" الأنعام 44 /حديث 413 سلسلة الصحيح للألباني .
أما المؤمن فإن كل ما يصيبه ما دام مستمسكاً
بدينه هو خير ورحمة له على أي وجه من الوجوه ؛ فهو تكفير له عن ذنوبه من جهة ،
ويزيد في حسناته من جهة أخرى ويصطفي به من يشاء من أوليائه فيرفع درجاته عند ربه
حتى يلقى أحدهم ربه وما عليه من خطيئة من جهة ثالثة ، ويرد عنه بلاء أشد من جهة
رابعة ، ويمحص بالبلاء ذات الفرد وصف الجماعة من جهة خامسة ، مع ما يدخره للصابرين
من فوز ورضوان في الآخرة من جهة سادسة ، روى مسلم بسنده عن صهيب رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم : ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ، وليس ذلك
لأحد إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان
خيراً له ).
روى مسلم وأحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم
: ( إن الله لا يظلم مؤمناً حسنته يعطى بها " وفي رواية يثاب عليها الرزق في
الدنيا " ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في
الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها ) حديث 53 سلسلة الصحيح
للألباني ، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد الله
بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه ذنبه حتى
يوافي به يوم القيامة ) حديث 43 رياض الصالحين للنووي .
ولننظر الآن إلى أحوال المسلمين لنرى كم نحن
بعيدون عن النصر وكم هي رحمة الله ولطفه بنا وبالناس كافة ، ولو شاء لخسف بنا
ولكنه الوعد الحق منه سبحانه وإجابة لوعد الحبيب صلى الله عليه وسلم ألا يعذب أمته
بسنة عامة أي بعذاب يستأصل شأفتهم كما وقع للأمم السابقة ، ثم هو فضله ورحمته لأمة
الحبيب صلى الله عليه وسلم أن أبقى لنا من بعده أماناً من العذاب العام هو
الاستغفار : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) الأنفال 32 ، واقتضت حكمته
ورحمته أن كل ما يصيبنا من الأعداء على مر العصور مهما بلغ هو مجرد ضر وأذى على
سبيل التقليل (لن يضروكم إلا أذى .. ) آل عمران 111، ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم
كيدهم شيئاً ..) آل عمران 120 .
إن كل ما نحن فيه من ذل وهوان وشقاء وضنك
وتطاول الأعداء هو بعض عقاب الله تعالى وابتلائه للمسلمين ، وانظر ما ظهر فينا
ومجتمعاتنا من موبقات مهلكات وعلى رأسها عدم تحكيم الشريعة وقيام الاقتصاد على
الربا والبنوك وإضاعة الصلاة والزكاة وشيوع الخمور والزنا ، بل وملاحقة أولياء
الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمجاهدين في سبيل الله .
ولعل قائلاً يقول : إننا على كل حال مسلمون ،
ومهما كانت معاصينا فلن نبلغ كفر أعدائنا ومفاسدهم ، فكيف يمكن لهم من أراضينا
ورقابنا ، فنقول : وهذه الفكرة أيضاً من البلاء الذي تنبه له الفاروق عمر رضي الله
عنه وهو يودع ويوصي قائده الفذ سعد بن أبي وقاص لمواجهة جيوش الفرس الجرارة في
العراق ، وما أجمل أن نذكر هذه الوصية الخالدة للفاروق والتي تستحق أن تكتب بماء
الذهب : ( أما بعد: فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل
العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً
من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر
المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة ، لأن عددنا ليس كعددهم
وعدتنا ليسن كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، و
إلا ننصر عليهم بفضلنا فلم تغلبهم قوتنا ، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله
يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ،
ولا تقولوا إن عدونا أشر منا فلن يسلط علينا وإن أسأنا ، فرب قوم سلط عليهم من هو
شر منهم كما سلط على "بني إسرائيل" لما عملوا بالمعاصي كفار المجوس
فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ، وسلوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه
النصر على عدوكم ، وأسأل الله ذلك لنا ولكم .
وختاماً .. أيها المسلمون .. لا بد أن نعود جميعاً - فرادى
وجماعات ، رعاة ورعية - إلى نفوسنا باللوم الواضح الصريح ولا نعلق عجزنا وفشلنا
على أسباب خارجية ؛ ولا أريد هنا أن يكون اللوم سلبياً يثمر حنظلاً من جلد الذات
وندب الحظ والعجز عن تدارك ما فات واليأس من النجاة ؛ بل لوماً إيجابياً يدفعنا
إلى تدارك الخلل والقصور والتوبة من الذنوب وتصحيح العلم والعمل والسلوك ، تماماً
كما فعل أصحاب الجنة حين رأوا ما حل بهم من نذير الله تعالى : ( فأقبل بعضهم على
بعض يتلاومون ، قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ...) القلم 30-31 ، والله وحده
المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل . انتهى بحمد الله.