الغزو الأمريكي للعراق : الدلالات و الأبعاد

 

 

بقلم : كمال السعيد حبيب

 

سوف يكون التاسع من إبريل عام 2003م معلماً للحزن والهزيمة في التاريخ العربي المعاصر يضاف إلى نكبة 1948م، وهزيمة يونيو 1967، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979م. ولابد أن هذا اليوم يذكرنا بأيام الانحطاط في التاريخ الإسلامي؛ فهو يذكرنا بسقوط بغداد على أيدي هولاكو والتتار، كما يذكرنا بسقوط "غرناطة" على أيدي القوات الصليبية وأفول الوجود الإسلامي في الأندلس.. الخط الأساس الذي يربط بين هذه الهزائم والنكبات في التاريخ العربي والإسلامي هو وجود قوة صليبية أو همجية غازية تدفعها مطامع السلب والنهب والسيطرة، بينما النظم العربية والإسلامية تكون غارقة في الترف فاقدة للحس والإرادة، مغيبة عن الوعي والواقع، وقبل ذلك كله تكون هذه النظم قد ارتكست في حمأة محادة الله وجعل شريعته وراءها ظهرياً.. وإذا كانت بغداد قد سقطت عام 1258م تحت سنابك الغزو التتارية، وكان يحكمها مترف لاهٍ، صناع قراره من الباطنية أعداء الأمة وتاريخها وتراثها؛ فإن سقوط بغداد في التاسع من إبريل عام 2003م تحت سنابك الغزوة الصليبية الأمريكية، وكان يحكمها مترف مستبد صناع قراره من الأقزام الذين لا يمكنهم رد قراره أو دفع كلمته ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)) [الإسراء:16]، وللنظم والأمم والحكام والأفكار آجال كآجال الأفراد ((ولكل أمة أجل)) [الأعراف:34] - أي وقت تبتلى فيه بالخير والشر والحرب والسلم والرخاء والشدة؛ فإذا انتهى هذا الوقت المؤجل فإن الله يقدر الأسباب التي تؤدي إلى نـهايتها، وكما كان سقوط بغداد نـهاية وأجلاً للدولة العباسية، وهزيمة يونيو نـهاية للناصرية؛ فإن سقوط بغداد هو نـهاية مؤكدة للأفكار القومية والعلمانية، وكما شهد سقوط بغداد الأول نـهوض الأمة وهزيمة التتار في عين جالوت، وكما شهدت هزيمة يونية عودة الصحوة الإسلامية؛ فإن سقوط بغداد تحت السنابك الصليبية الأمريكية سوف يشهد صعوداً لحالة إحياء جديدة ترى أن هزيمتها كانت بسبب البعد عن العقيدة والمنهج الإسلامي.. إن عراق البعث وصدام. كان علمانياً وحشياً استبدادياً؛ ولذا كان سقوطه ساعة الحسم والحقيقة متوقعاً؛ خاصة وأن الفكرة القومية هي فكرة جاهلية تعتمد العصبية العنصرية الجاهلية قلبها، كما تعتمد الاستبداد والطغيان أداتـها. وبعد دخول الأمريكان عاصمة الخلافة العباسية ومحاولة فرض خطة صليبية على بقية نظم المنطقة التي لا تقل وحشية عن نظام صدام.. ما هي الدروس والدلالات التي يمكن الاستفادة منها باعتبار أن ما حدث يعبر عن مرحلة فارقة وفاصلة في تاريخ العالم العربي والإسلامي كله؟أولاً: الاستبداد السياسي، والنظم الفرعونية التي تعتمد "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" والتي تعتمد العلو في الأرض وتمزيق المجتمعات وإشاعة النعرات الطائفية فيها ((إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ))[القصص:4]، هذه النظم لا يمكنها أن تؤسس مجتمعات أو شعوباً قوية تصمد وقت الحقيقة أو ساعة الخطر، هذه النظم يمكنها أن تبني مخابرات وسجونا وجيشا ودولة؛ لكنها لا يمكن أن تصنع حياة أو روحاً في مجتمعاتـها للدفاع عنها لحظة الخطر.. وفي الواقع فإن آفة الاستبداد السياسي والنظم الفرعونية في العالم العربي بتنويعاتـها المختلفة التي تتراوح بين الفراعنة الصقور، والفراعنة الدجاج هو "الذلة" التي تمسكها أمريكا لهذه النظم وترفعها في وجهها لإخضاعها لشروطها وإملاءاتـها، وهاكم "جيمس ويلز" النائب السابق لجهاز الـ C.I.A وأحد صقور المحافظين الجدد في أمريكا يقول: "نريد أن يعتريكم القلق، نريد أن تفهموا أن واشنطن ستكون إلى جانب من تخافون منهم أكثر من أي شيء آخر - أي إلى جانب شعوبـهم" - ولم نر مستبداً عربياً معاصراً بعد ظهور دولة ما بعد الاستعمار استطاع أن يحمي حدود إقليمه أو دولته، فعبد الناصر، والأسد، وصدام، وأتاتورك. حكمهم عجز أن يحمي الأمن القومي لبلاده، وفي عهودهم تضاءلت حدود دولهم إما بالخيانة أو الهزيمة.ثانياً: هنالك خط أساس في الصراع بين العالم العربي والإسلامي، وبين قوة الاستكبار والطغيان في الغرب، هذا الخط الأساس للصراع يتضمن أبعاداً حضارية ودينية وثقافية وعقدية؛ فالغرب - أبداً ودائماً- وعيه تجاه الشرق الإسلامي معبأ بروح دينية وحضارية؛ فلحظة الوجود الإسلامي الأولى وانتشاره تمثل لحظة فارقة في الوعي الغربي، ولحظة دق العثمانيين لأبواب فيينا لحظة فارقة في الوعي الغربي.. ولحظات وصول الأمويين إلى حدود فرنسا في القرن الأول الهجري لحظة فارقة في الوعي الغربي.. ولحظات القوة في التاريخ الغربي عرفت محاولة استرداد أو استعادة الأرض التي خضبها الإسلام بدماء أبنائه وغرسها بحضارته وروحه.. الحملات الصليبية التي استمرت مائتي عام، وموجات الاستعمار الوحشية التي انطلقت لتطويق العالم الإسلامي، ثم لحظات الانفراد الأمريكي بالهيمنة على العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي البائد، كلها أوقات ارتبطت في الوعي الغربي والفعل الغربي بالسعي لمحاولة السيطرة على العالم الإسلامي وإضعافه وإفقاره ونزع هويته وتدمير حضارته والقضاء على ثقافته وتـهديد عقيدته، واليوم يتحدث الأمريكيون عن "المهام الإلهية" و"الحروب الصليبية" و"الحقائق المطلقة" وكأنـهم القساوسة المتخلفون الذين قادوا الحروب الصليبية في العصور الوسطى؛ ولكن في طبعات مدنية؛ لكنها نفس الروح، ونفس أفكار صراع الحضارات، والقضاء على الإرهاب، وإعادة بناء الإسلام.. تعبر عن وجود هذا الخط الأساس في الصراع ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)) [البقرة:120]، ((ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)) [البقرة:217]، ((إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء )) [الممتحنة:2]، ((وودوا لو تكفرون)) فخط الصراع الأساس مع الغرب هو خط عقيدي حضاري ثقافي، والمعركة الأساسية للغرب مع العالم الإسلامي هي معركة عقيدية حضارية تستهدف الهوية والتاريخ والوجود مهما حاولوا أن يخفوا ذلك أو يراوغوا أو يصرفوا الانتباه عنه؛ لكن في لحظة التحولات الكبرى والفارقة لا يمكن للنوايا أو الملامح الأساسية للصراع أن تختفي أو تغيب.. واليوم أمريكا البروتستانتية ذات الروح الأصولية الإنجيلية تتحالف بقوة مع الصهيونية العالمية ومشروعها المدمر الخطير في مواجهة العالم الإسلامي والعربي، ويصطف خلف الحلف الصهيوني - الإنجيلي أذنابه وأولياؤه، بينما يصطف مع العالم الإسلامي كافة القوى التي تشعر بخطر هذا الحلف على العالم كله.ثالثاً: الوضع في العراق اليوم يتنازعه مشروعان، المشروع الأول تمثله إرادة المحتل المغتصب الغازي، وهو مشروع يذكرنا بالمشاريع التي فبركها الاستعمار الغربي قبل أن يرحل، وهي مشاريع علمانية، قطرية، طائفية، تابعة، تفتقد المشروع المتجاوز لما يريد المستعمر نفسه؛ لذا فإن المنطقة اكتوت بـهذه المشاريع الاستعمارية والتي كان آخرها مشروع البعث القومي الذي مثله صدام أفضل تمثيل، والمنطقة اليوم ترفض أن تكون ساحة اختبار لمشاريع استعمارية جديدة تمثل استنساخاً فكاهياً وهزلياً للمشاريع السابقة، وعراق اليوم لديه الخبرة والوعي الذي يجعله يرفض النسخة الاستعمارية الجديدة لبلاده، كما أن شعب العراق لديه الوعي بالنخبة العميلة الجديدة ؛ لذا فالمشروع الأمريكي للعراق والذي يجري تجهيزه وإعداده، هو في تقديرنا مشروع سينحاز للعلمانية والاستبداد، ولن يمنح الناس الحرية أو الديمقراطية الحقيقية كما يروج؛ ولذا فإن الأمة العراقية التي خبرت التجارب القومية والبعثية العلمانية، في تقديرنا، سوف تقاوم المشروع الأمريكي لصالح المشروع الإسلامي المأمول، ولدينا الآن في العراق قوتان، قوة المحتل الذي يستنسخ نظاماً ودولة توافق مصالحه، وقوة الشعب العراقي الذي يريد الحرية ويريد التعددية ويريد الهوية والمرجعية الإسلامية، ونحن نقدر أن الشعب العراقي لا يزال بعافية تمكنه من حسم خياراته حتى لو دفع فيها الدم والمقاومة، ونتصور أن النموذج الفلسطيني هو النموذج الذي سيستلهمه العراقيون، ولا تزال القاعدة الأساسية في العراق ضد المشروع الأمريكي- الصهيوني في العراق وفي العالم العربي..، العراقيون قاوموا لمدة عشرين يوماً وهم قادرون على المقاومة ضد قوة الاحتلال الجديدة التي تحاول إخصاء العراق وجعله قاعدة استعمارية لخدمة الأهداف الأمريكية والصهيونية.رابعاً: مفهوم الأمة الإسلامية التي حفظها الله بالذكر في قوله تعالى ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) [الحجر:9]؛ فالأمة باقية ما بقي القرآن، وشاءت إرادة الله تعالى أن تكون الأمة وحفظها مرتبط بالكتاب وليس الإمام ؛ لذا فإن سقوط مؤسسة الخلافة سواء عام 656 أيام العباسيين، أو سقوطها أيام العثمانيين عام 1924م، لم يقض على فعل الأمة أو نـهوضها من جديد؛ فبعد سقوط بغداد سنة 1258م قاومت الأمة بتحالف العلماء والسلاطين من المماليك، واستطاعت هزيمة المغول؛ بل واستطاعت استيعابـهم في الحضارة الإسلامية، وبعد سقوط الخلافة العثمانية قامت حركات الإحياء الإسلامي لتدعو الناس إلى الإسلام، والتف الناس حول هذه الحركات التي لا تزال تمثل أهم تحدٍ للغرب اليوم، وكما نفهم طبيعة الاجتماع الإسلامي فإن الأمة بتكويناتـها المجتمعية الحية حين تتعرض للخطر الخارجي الذي يحاول اجتياح دار الإسلام، تنتفض للمدافعة والمقاتلة، وتتحول هذه التكوينات المجتمعية إلى تكوينات سياسية عبر عمليات الجهاد والقتال ضد المستعمر النازي؛ لذا عرف الاجتماع الإسلامي ما يمكن وصفه بتعدد مراكز المقاومة والدفاع، وكلما سقط حصن قام حصن جديد، والصورة اليوم.. ثغرات مفتوحة في الجسد الإسلامي لكنها تقاوم في الشيشان، وكشمير، وأفغانستان، وفلسطين، والعراق هي الجبهة الجديدة أو الثغر الجديد، ولا يمكن للأمة هناك أن تُسلِّم .. إن الثغر الجديد يقع في القلب الاستراتيجي للأمة، وسوف يستدعي عملية المرابطة والجهاد والقتال لمنع العدو الأمريكي والصهيوني من الاستفادة بغنيمته في العراق، والمرء وهو يشاهد حجم التضحيات التي تبذلها الأمة، ويتابع حجم الكيد والمكر من العدو يوقن أن هذه الأمة حية، وأنـها تجاوزت أن تكون فريسة أو غنيمة أو لقمة سائغة للأعداء..السقوط للأنظمة العلمانية سوف يفتح الباب واسعاً في تقديرنا - لإمكانات الأمة الخلاقة في التعبير عن نفسها.خامساً: كما قال أحد ممثلي العراق في الأمم المتحدة "انتهت اللعبة"، ويقصد بذلك سقوط النظام العراقي.. لكننا لو وسعنا من مدلول الكلمة لوجدنا أن اللعبة انتهت فيما يتصل بالعلاقة بين النظم الرسمية في العالم العربي، وبين حماتـها في الخارج .. تُعرف النظم العربية المكروهة شعبياً بأنـها "نظم رخوة" - أي أنـها عنيفة في مواجهة شعوبـها، ضعيفة في مواجهة القوى الخارجية؛ فبينما هي وحشية في مواجهة مواطنيها تجدها خائفة ذليلة أمام سادتـها في الخارج، وهي تقول في العلن شيئاً، وفي الخفاء شيئاً مختلفاً .. إنـها نظم متسولة، هذه النظم انتهت لعبتها مع القوى الخارجية التي كانت تدعم وجودها واستمرارها واستبدادها، وأمريكا هي القوة التي تدور هذه الأنظمة في فلكها، وهي التي تحمي استمرار وعنف هذه الأنظمة واستبدادها، وذلك حتى لا يأتي إلى السلطة الإسلاميون الذين تخافهم، لكن المحافظين الجدد في البيت الأبيض اليوم يتبنون ما يطلقون عليه الوضوح الأخلاقي والحسم العسكري ؛ بمعنى أن الحسم العسكري والقوة العسكرية الأمريكية هي التي يجب الاعتماد عليها بدلاً من ممالأة النظم الاستبدادية لتكون حليفاً لأمريكا ..أمريكا لم تعد بحاجة إلى حلفائها المستبدين، ولم تعد بحاجة إلى دعم الأنظمة الديكتاتورية والمستبدة، إنـها ستتجاوز الأنظمة المستبدة لتمد حبالها إلى النخب الأمريكية والمثقفة من الطبقة الوسطى لتكون أداتـها في تغيير المجتمعات العربية، ولم يعد أمام هذه الأنظمة التي فقدت شرعيتها على كافة الأصعدة بعد عجزها عن دفع العدوان على العراق أو منع تقديم التسهيلات للعدوان عليه، لم يعد أمام هذه الأنظمة إلا أن تفهم أن اللعبة انتهت، وأن عليها إما أن تصالح شعوبـها، أو تنتظر المطرقة الأمريكية لتحطم رأسها، ولا تزال الفرصة الأخيرة أمام هذه الأنظمة؛ لكن الظن الغالب أنـها لم تعد قادرة على المسامحة، وقادرة على التجاوز إن وجدت الصدق من جانب هذه النظم، لكن الشعوب لن تقبل بأنصاف الحلول، كما أن أمريكا سوف تفرض أجندتـها، ولعل تدافع الظالمين والمجرمين ببعضهم يكون في صالح الشعوب وحريتها وخياراتـها.. أخيراً: يملك المحافظون الجدد في البيت الأبيض أجندة خطيرة تجاه فرض تغيير حقيقي في الخريطة الجيوستراتيجية في المنطقة، واحتلال العراق في ذاته هو بداية التغيير الجيوستراتيجي لصالح المشروع الأمريكي- الصهيوني؛ فوجود الأمريكان كقوة احتلال تتخذ العراق كقاعدة عسكرية سوف يجعل من العراق المركز الجديد للعمليات الأمريكية والصهيونية في المنطقة بحيث تصبح الدول الخليجية مجرد هامش له، وليس مستبعداً أن يصبح العراق قاعدة لمجلس التعاون الخليجي المحمي بالوجود الأمريكي، وتصبح الكويت مجرد ولاية ملحقة بالبصرة كما كانت، كما أن الوجود الأمريكي سوف لا يكتفي بإعادة صياغة أمن الخليج؛ بل سيسعى لتغيير خريطة الشرق الأوسط كله، فأمريكا اليوم تجاور إيران وسوريا، وقاعدتـها الخلفية والمتقدمة كل الخليج والعراق.. إن مجرد وجود هذه الصيغة الجغرافية الجديدة بدون تقدم إلى دول عربية أخرى مثل سورية. كفيلة بفرض المنطق الصهيوني - الأمريكي على الشام ومصر، فما بالك والتهديدات الأمريكية السافرة توجه لسورية فيما يشبه الإملاءات، وهذه التهديدات لا تستثني مصر أو السعودية.. إن العالم قد تغير فعلاً ولا يمكن للعصر الأمريكي أن يقاوم إلا بانتفاضة عربية حقيقية تفتح الأبواب على مصراعيها للشعوب ولقوى المقاومة الشعبية الإسلامية، والانتفاضة الحقيقية تكون برفع راية الجهاد والعودة للإسلام حتى يكون الناس على بينة، وحتى يميز الله الخبيث من الطيب، وفي نفس الوقت بزوغ عصر المقاومة والتحرير على قاعدة الإسلام والجهاد، وكما قال تعالى: ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) [الرعد:11] وقال سبحانه: ((وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)) [محمد:38]