حول إلغاء محاكم أمن الدولة العليا :

تعديلات هامشية لأوضاع مزمنة

 

 

بقلم : منتصر الزيات

 

أثارت التعديلات التي اقترحتها لجنة السياسات بالحزب الوطني حول إلغاء قانون محاكم أمن الدولة العليا وتأسيس مجلس أعلى لحقوق الإنسان جدلا واسعا واختلفت التقديرات حول جديتها خاصة وأنها قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من إصدارها كقانون وعلى وشك نشرها في الجريدة الرسمية !! بعد اعتماد المجلس الأعلى للهيئات القضائية لمشروع القانون الأسبوع الماضي .

وبداية ينبغي أن نؤكد أن أية إجراءات تصب في اتجاه دعم الحقوق والحريات العامة وإلغاء قيود استثنائية تكبل حركة المواطن في التعبير والمعارضة لا بد أن تلقى قبولا واستحسانا باعتبار ذلك حلقة من حلقات النضال والجهاد المشروع ضد الاستبداد والقهر والقوانين سيئة السمعة وصولا إلى اليوم الذي يمتنع فيه إصدار أي قانون مخالف لإحكام الشريعة الإسلامية وتكريس المرجعية في التشريع انطلاقا من الشريعة السمحة , لكن المهم أن تكون مثل هذه الخطوات وتلك الإجراءات فعلا تسير في هذا الطريق الصحيح ونتيجة جهد حقيقي لبلورة فكر الرموز الوطنية المخلصة التي تطالب بالإصلاح السياسي العميق لكل أوجه الخلل في المجتمع .

ويأتي المشروع بقانون بإلغاء القانون رقم 105 لسنة 1980 الخاص بعمل محاكم أمن الدولة العليا ليثير شكوكا واسعة أكثر مما يبددها ويحدث التباسا اكثر مما يزيله ويغرر بالمواطن العادي البسيط الذي يتصور أنه سينعم هو وأبناؤه بحياة سعيدة بعيدا عن مخالب قانون الطوارئ وسوف يمثل أمام قاضيه الطبيعي على غير الحقيقة .

نظرة حول القانون رقم 105 لسنة 1980 :

هذا القانون جعل الاختصاص فى نظر الجرائم الواقعة ضمن الباب الأول والثاني والثالث من الكتاب الأول لقانون العقوبات وهى جرائم أمن الدولة من جهة الداخل والخارج والاختلاس والاستيلاء على المال العام أمام محاكم أمن الدولة العليا التي تتشكل من المستشارين التابعين لمحاكم الاستئناف على أن يكونوا بدرجة رؤساء بمحاكم الاستئناف وتتولى النيابة سلطة قضاء التحقيق في الاستجواب والاتهام والنظر في أوامر الحبس التي تصدرها هي !! وإصدار الأذون بالتصنت على التليفونات ومراقبة الرسائل ويجوز الطعن في أحكامها بطريق النقض والتماس إعادة النظر

وعلى هذا يعد هذا القانون طبيعيا باستثناء الاختصاصات الممنوحة فيه للنيابة العامة باعتبارها قاضى تحقيق وكان من الممكن الاكتفاء بإجراء التعديل التشريعي بإلغاء هذه الفقرة فقط أو المادة التي تتوسع في اختصاصات النيابة العامة وتجعلها تتغول على حريات الناس وعلى سلطة القضاء في التحقيق ومراقبته للنيابة في الاتهام والاستجواب ولا يحتاج الأمر لإلغاء القانون برمته إلا أن تكون الرغبة جادة في تطهير المنظومة القضائية والسياسية من كل ترسانة القوانين سيئة السمعة التي تكبل الحقوق والحريات العامة وهذا غير واضح حتى الآن .

الفروق الجوهرية بين محاكم أمن الدولة العليا وأمن الدولة العليا طوارئ :

غير أن القانون 105 لسنة 80 المقترح إلغاؤه يعمل في الظروف الطبيعية وللإجراءات الطبيعية كما أسلفنا ولا يخضع القضاة فيه لإستثناءات إدارية في التكوين أو الأحكام ولا تتوقف على الحاكم العسكري , بينما محاكم أمن الدولة العليا طوارئ تقوم وتنتهي وتتشكل وتصدر أحكامها برغبة ومشيئة الحاكم العسكري أو من ينيبه !! فمحاكم الطوارئ تتشكل بأمر من رئيس الجمهورية ووفقا لإعلان الأحكام العرفية في القانون 162 لسنة 1958 وتعديلاته أو تمديداته المتكررة وانطلاقا من الأمر رقم 1 لسنة 1981 لرئيس الجمهورية وأحكام الأخيرة " محاكم أمن الدولة العليا طوارئ " نهائية ولا يجوز الطعن في أحكامها بأي طريق إلا أن يكون لرئيس الجمهورية الحق في إلغاء الأحكام الصادرة منها وإعادة محاكمة المتهمين وحقه أيضا في إلغاء العقوبة وعدم اعتبار أحكامها نهائية إلا بعد التصديق عليها منه !!! فالفروق واسعة جدا بين محاكم أمن الدولة العليا التي ستلغى ومحاكم أمن الدولة العليا طوارئ الباقية متسلطة على رقاب الشعب المصري واهم هذه الفروق قاطبة أن الوزراء والمحافظين والمسئولين البارزين من أعوان النظام الذين يقدم ضدهم الاتهام أحيانا لظروف متفاوتة بالاختلاس أو الاستيلاء على المال العام أو أصحاب القروض الفارين يحاكمون أمام محاكم أمن الدولة العليا العادية فيتمكنون من الطعن على الأحكام والذهاب بقضاياهم إلى محكمة النقض أما المواطنين الغلابة وأعضاء التيار الإسلامي فيحاكمون أمام محاكم أمن الدولة العليا طوارئ فلا يتمكنون من الطعن على الأحكام الصادرة ضدهم , ولو صدرت أحكام بالبراءة أحيانا فإنها تلغى وتعاد محاكمتهم أمام دائرة أخرى بناء على أمر الحاكم العسكري ويبقى أن نشير إلى ما يتيحه قانون الطوارئ لرئيس الجمهورية من حق جوازي في إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري

إننا نثمن كل الجهود الإصلاحية التي تعمل على تمكين المواطن المصري من حقوقه الطبيعية فى التعبير و التقاضي وسنرقب الخطوات التالية حتى نستطيع أن نقدر حقيقة البواعث من هذه التعديلات المقترحة , لكن في كل الأحوال علينا أن نعى أن معركة الحريات لم تزل طويلة جدا وأن الهوة سحيقة جدا بين الواقع المر وبين طموحات الشعب المصري 0