الخروج من الصدمة ومواجهة الراهن
بقلم : منير شفيق
لم يعد من الممكن ان نبقى اسرى ما حدث في 7
و8 و9 نيسان الفائت، غارقين في نقاشات تقوم على التخمين بسبب ندرة المعلومات او
جزئيتها، فالاحداث لا تنتظر، وقد ولد واقع جديد، بتحديات جديدة، بالضرورة، ولا بد
من أن يواجه الراهن، وما يحمله من مخاطر واحتمالات.
صحيح انه ليس من السهل ان ينزع المرء نفسه،
ولو قرر وصمم، من مناقشة ما حدث. والذي حدث حمل صدمة هائلة بالنسبة الى كثيرين،
ولعلهم قلة اولئك الذين لم تأخذهم الصدمة او مستهم مساً سريعاً سرعان ما تم
استيعابها وتجاوزها.
وصحيح ان الانجرار الى جدال حام حول تفصيلات
منقوصة يحتاج الى قدرة تفكيكية وتحليلية وتركيبية شديدة النفاذ، حتى تقترب من
الحقيقة التي لا بد من ان تظهر بعد فترة قصيرة من الزمن، مما يسمح بعدم التعجل في
اصدار الاحكام.
وصحيح ايضاً، ان تقويم التجربة مسألة ضرورية،
ولكنها مهمة ستفتح باباً واسعاً للاختلاف. لأن عوامل كثيرة ستدخل في ذلك التقويم
بالنسبة الى كل فرد وحزب وجماعة، ومن ثم لا بد من ان يكون تقويماً محصوراً، بداية،
وان يُقدم برفق اذا طرح علنا. ولكن في كل الاحوال يجب الا يتحول الى خلافات تمنع
من الاتفاق.
على ان النقطة الأهم التي تقتضي الخروج،
باسرع ما يمكن من صدمة الطريقة التي انهارت بها دفاعات بغداد انما تتمثل في مواجهة
الراهن وتشخيصه وقراءة تحدياته وما حمله من جديد يتطلب التقاطه حتى يكون بالامكان
ممارسة الفعل والتأثير، فثمة اخطار يجب ان تدرك ولا يسمح لها بالتحول الى حقائق،
وهنالك امكانات لتحقيق انجازات في وقت قريب.
وباختصار، لقد نشأ في العراق وضع جديد يتمثل
بالاحتلال الامريكي وما يحمله من مخططات للعراق والمنطقة، وفي المقابل هب الشعب
العراقي لمدافعته ومناهضته ومقاومته. وجاءت احداث مدينة الفلوجة التي اطلقت القوات
الامريكية الصهيونية النار فيها على التظاهرات السلمية فاسقطت ستة عشر شهيداً
واكثر من ثمانين جريحاً خلال ثلاثة ايام، لتؤكد ان باباً عريضاً للصراع والمواجهة
فتح الآن في العراق.
وقد بدا منذ اللحظة الأولى ان امريكا اصبحت
اضعف بعد العدوان وبعد ان تكشفت عن قوة احتلال استعماري يحمل، في ما يحمل، مشروعاً
صهيونياً، وبعد ان اصبحت في مواجهة شعب غاضب عليها ويريد منها ان ترحل من بلاده.
فهذا الواقع الجديد يتطلب اعادة ترتيب الشعارات والمواقف. ومن ثم تحديد الرؤية
والاتجاه والبحث عما يجب ان يعمل لمناصرة شعب العراق والحيلولة دون تنفيذ اهداف
العدوان والتي هي اخطر من العدوان نفسه.
ونشأ ايضاً، وضع جديد في المنطقة يتمثل في
تهديد امريكا لسوريا بتوسيع العدوان. وهو تهديد يشمل لبنان فوراً، ويمس الأمن
القومي لدول المنطقة مجدداً، وبصورة خطيرة، وقبل ان يستقر وضع العراق. مما يفرض ان
يصار الى تدبر هذا الخطر ومواجهته. ومن ثم لدينا هنا سبب آخر لماذا يجب الخروج من
معادلة ما قبل 9 نيسان «ابريل»؟ وهو لمواجهة الراهن ومخاطره ضمن معطيات جديدة وان
التقت مع سابقتها في الجوهر.
ويتأكد هذا الأمر اكثر بعد ان اعلن عن «خريطة
الطريق» وبدأت النار تشتعل من تحتها بما يهدد مكاسب الانتفاضة والمقاومة والصمود
في فلسطين تمهيداً لتصفية القضية الفلسطينية، وربما تغيير خرائط كثيرة من دون
تنفيذ «خريطة الطريق» التي تُستخدم فخاً لتحقيق هدف ايقاع الفتنة داخل الصف
الفلسطيني وبعد ذلك سترمي بها الادارة الامريكية الى سلة المهملات وتنهي حالة
اللجنة الرباعية من حيث أتت.
لذلك يتوجب الخروج باسرع ما يمكن من اسار التخمين
في ما حدث في 7 و8 و9 نيسان، وترك ذلك للنقاشات الجانبية من اجل التركيز على ما
يجري في العراق وما يواجه سوريا ولبنان وفلسطين وسائر الدول العربية من اخطار
وتحديات.