تحرير العقل من الهيمنة

 

 

بقلم : د.نورة السعد

 nora_23@anet.net.sa

 

ما مرّ به العالم الإسلامي من استعمار للأجنبي على أرضه ومقدراته لم يتوقف عند الاحتلال الهيكلي البنيوي وهي أشكال عدوانية ومباشرة ولنا في نموذج احتلال الفرنسيين للجزائر على مدى قرن ونيف من الزمن مثالاً، وكان متعدد الجوانب والمستويات سواء من حيث محاربة الدين واللغة العربية إلى محاولات التنصير والتجهيل والإفقار.. وهذه آلية كل مستعمر يحتل أرضاً مسلمة على وجه الخصوص ويدرك أن بقاءه لن يخلد.. هذا الاحتلال نجده ممثلاً فيما يحدث في فلسطين من قبل المحتلين الصهاينة.. وان كانت سلطتهم لم تمس الجانب العقدي أو محاربة اللغة العربية كما حدث في الجزائر مثلاً.. ولكنه دائما يجتهد في طمس معالم الثقافة العربية الإسلامية وطمس للتراث الفلسطيني وتشويه لمعالمه الأثرية، وتزوير للحقائق التاريخية في البرامج التعليمية المفروضة، وقمع للجامعيين الفلسطينيين.. ومحاربة للعلماء، وتدمير للبنية التحتية في انهاك للاقتصاد الفلسطيني وتحويل المجتمع إلى مجتمع متخلف في تعليمه واقتصاده.. في مقابل جاهزية المؤسسات العلمية والمدنية في جانب المحتل الصهيوني. وهذا ما يحدث حالياً في العراق من سرقات وتدمير للإدارات الرسمية والوزارات وتخريب للجامعات والمكتبات والمراكز العلمية والمختبرات وخصوصاً ما يتعلق منها بالأمصال ومحاربة الأوبئة والأمراض الفتاكة.. وجميعنا شاهد ذلك في القنوات الفضائية، مما يشكل خطراً على البشر بجانب ما هو موجود عسكرياً هذه جميعها وسائل لتدمير بناء المؤسسات التي تبني الإنسان في هذا المجتمع الذي يتم احتلاله، وليس الإنسان فقط.. وإذا عدنا إلى ما يحدث في سياق القضية الفلسطينية مثلاً سنجد أنه بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد وفي مجال التطبيع الثقافي تم حذف أي عبارة أو موضوع يمس جذور احتلال الصهاينة لفلسطين.. من كتب المناهج في مصر.. وهذا الحذف إذا ما تم تحليله وفق السياق التاريخي وذاكرة الأمة.. سنجد أنه ليس مجرد حذف فقرة لإرضاء طرف آخر.. وإنما هو حذف لحقيقة تاريخية ماضية ومستمرة وهي هذا العدوان الصهيوني الذي احتل فلسطين وشرد شعبها.. وفي الوقت نفسه هو حذف لواجب نضالي مستقبلي لتحرير هذه الأرض وإعادة الشعب الفلسطيني إلى أرضه التي طرد منها والتي حالياً يتم تهجيره قسراً بهدم المنازل على رؤوس ساكنيها بل وعلى أجساد النشطاء الأمريكيين الداعين للسلام وإيقاف هذا الاحتلال.. المقاومة والانتفاضة المستمرة حالياً في فلسطين، تحقق مثلها في الجزائر مثالنا السابق وكان التحرير.. رغم ما تركه الاستعمار من بقايا وبؤر قابلة للانفجار كل لحظة سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي.. ولكن في المقابل هذه البقايا ستتضاءل بمقدار ما يتم التخلص من التبعية الاقتصادية.. وبقدر ما تنجح معركة التعريب حتى في حالة إعلاء الأمازيغية حالياً.. ما أردت قوله ان الغزو الاستعماري في مختلف صوره الثقافية والاقتصادية والفكرية سيبقى ما بقي هناك ظلم وطغيان.. ولكن في المقابل لا بد من مواجهة إسلامية وعربية لهذا الغزو الثقافي الذي يملك حالياً القدرة الموازية للاحتلال العسكري، فالسياسة الإعلامية المسيطرة تمارس دورالرصاصة التي تثقب الجسد البشري، ولكن وفق ثقوب في الذاكرة وفي الفكر. وهناك جنود لهذه الآلة في كل مجتمع لا يتورعون عن استخدام جميع وسائل التغريب وتجريف الذات الإسلامية من ثوابتها.. وتحويل هذه العقليات إلى أرقام مطيعة لكل ما يصدر عبر وسائل الإعلام والاتصالات والأبراج الثقافية والسياسية والاجتماعية والترفيهية فضلاً عن هذا الكم الهائل من إصدارات المطابع من كتب ودراسات تحمل السم في العسل كما يُقال.. وعبر إعزاز المظاهر الاستهلاكية التبذيرية.. وتحويل إنسان هذه المجتمعات من إنسان فاعل إلى مجرد ذرة في تلك الهيمنة السياسية والاقتصادية. وإذا لم نكن في مستوى هذه المواجهة الكاسحة.. فإن مخرجات هذه المرحلة لن تكون سوى أعداد (قطيع) لا حول لهم ولا قوة. أي مرحلة مقبلة لتحقيق الوفاق مع الآخر لن تكون على طمس حقائق التاريخ.. لأن هذا لن يخلف سوى المزيد من الحرائق.. والوعي الحقيقي المطلوب هو المبني على مواجهة هذه الحقائق التاريخية والعمل على تحقيق العدل مضموناً وتطبيقاً. بريد القــــــــراء: - القارئ بدر الخالدي من الرياض .. أعد موقعاً على الإنترنت يختص بالحديث عن النساء العالمات والمبدعات من السعوديات.. وهو يبحث عن معلومات تخص العالمة سامية ميمني - يرحمها الله - التي تم اغتيالها في مقر دراستها بأمريكا منذ سنوات. وأيضاً عن العالمة الموهوبة د.حياة سندي .. وإني إذ أشكره على هذا التوجه المتميز لديه .. أنشر رسالته كي يتم مساعدته ممن لديه معلومات عن الطبيبة سامية ميمني .. وأعده بإرسال ما لدي من معلومات عن د.حياة سندي. - القارئ ناصر السهلي من الرياض.. أرسل سطوراً مهمة تحمل رؤيته حول ما يُنشر بعد التطورات التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية.. وما تحمله من حملات مضللة تستهدف الأمة والوحدة الوطنية والإسلامية.. كما تستهدف الدعاة.. ويوضح أنه مهم أن يكون هناك حوار واختلاف في الرؤى والأفكار.. ويقول: نريد طرحاً ونقداً وتوجيهاً للعامة والخاصة ولكننا لا نريد اختلافاً في الثوابت والمعتقدات .. لا نريد طمس الهوية الإسلامية ومسخ الدعوة إلى الله بادعاء أنها مفرخة للإرهابيين.. أشكره على هذه السطور والرؤى وأتفق معه فيها.