هل يكون أبو مازن هو خارطة الطريق إلي صراع فلسطيني داخلي؟

 

 

 

بقلم : رمزي بارود

 

صادق المجلس التشريعي الفلسطيني على حكومة محمود عباس (أبو مازن) في 29 أبريل ليحصل الفلسطينيون ولأول مرة على رئيس وزراء يقاسم عرفات مسئوليات إدارة الضفة الغربية وغزة, وكلاهما تحت الاحتلال الإسرائيلي. فرض أبو مازن على التركيبة السياسية الفلسطينية أدى إلى احتدام نقاش لم ينته بعد بين أوساط المثقفين الفلسطينيين والذين تتوارد أفكارهم وخواطرهم كل يوم من خلال الفضائيات العربية وغيرها.  هذا التغيير الدراماتيكي في التوليفة السياسية الفلسطينية ليس بالأمر الهين فهو في الواقع أول تحدي حقيقي يواجه الزعيم الفلسطيني ورئيس السلطة الوطنية ياسر عرفات.

ليس من الممكن أن نستنتج أن إقحام أبو مازن في هذا الوقت بالذات يعود برمته إلى الضغط الأمريكي الإسرائيلي المشترك على الفلسطينيين لاستحداث إصلاحات جذرية بهدف إجهاض الانتفاضة وإخضاع المقاومة. بلا شك إسرائيل وأمريكا تطمحان إلى ذلك بل وتأملان أن أبو مازن هو تلك القبضة الحديدية التي ستوجه بأيدٍ خارجية لسحق المقاومة, ولكن في المسألة ما هو أكثر من ذلك تعقيداً.

واجه عرفات خلال العقود الأخيرة تحديات كثيرة سواء من خلال مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع حكومات عربية عديدة, أو من خلال المحاولات الإسرائيلية الدءوبة لتهميشه إما من خلال محاولة تخليق قيادات فلسطينية بديلة لمنظمة التحرير أو تحجيم عرفات عسكريا للحد الذي تفرض عليه الإقامة الجبرية في مكتبه في رام الله بعد أن أحرقت أو دمرت مباني السلطة الأخرى. ولكن عرفات عاد بعد كل مرة إلى الساحة لتخبرنا استطلاعات الرأي بأنه ما زال على القمة, الأكثر شعبية بين الفلسطينيين.

نعم إن "الختيار" "أبو عمار" هو رمز للكثير من أبناء الشعب الفلسطيني ولكن هذا قد لا يفسر تماماً الأسباب التي تجعل منه الرجل الأقوى بين رجالات ونساء السياسة الأُخر. في الحقيقة لقد نجح عرفات رغم كبر سنه في أن يكون حلقة وصل بين قطبين مختلفتين بين أقطاب حركة فتح الفلسطينية, وهي أكبر حركات منظمة التحرير الفلسطينية والتي تغذي السلطة بكوادرها.  التضاد في حركة فتح لم يكن وليد البارحة, فهو قديم قدم الحركة ذاتها مما أدى إلي انقسامات وانشقاقات عديدة. ولكن تأجج الانتفاضة الفلسطينية منذ أكثر من عاميين أحدث فجوة هي الأعمق ربما في تاريخ الحركة, فالفترة الزمنية التي حدث فيها الاختلال هي الفترة الأكثر مصيرية وحرجاً. هذه المرة, إسرائيل أصبحت طرفاً مؤثراً ولعبت بحنكة في الماء العكر.

إعادة الاحتلال العسكري الإسرائيلي للمدن الفلسطينية كانت تقاطع الطرق الحقيقي الذي أظهر على السطح مدى التناقض في صفوف السلطة وحركة فتح, حيث برز وبقوة جناح المقاومة بكتائب الأقصى كيده الضاربة ومروان برغوثي كزعيمه الذي يحظى باحترام الكثير من الفلسطينيين وحتى من أبناء الفصائل المعارضة كحماس وغيرها. وكان هنالك طرف آخر, طرف يوافق على العودة إلى طاولة المفاوضات بلا شروط ويقبل بإرجاء الحديث عن القضايا المصيرية, كالقدس وحق العودة. وجدت إسرائيل في الطرف الثاني حليفاً, قادر على إعادة التركيبة السياسية للسلطة ولجم جناح المقاومة ليس فقط بين فصائل المعارضة خارج تركيبة السلطة بل وداخل حركة فتح. أمريكا أيضا وجدت في أبو مازن ضالتها فهو طريق مختصر يتجاوز عرفات و فرضه يضع الفلسطينيين وليس إسرائيل في خندق المسائلة. لتأمين هذا الخيار عمدت إسرائيل لاغتيال الكثير من قادة أجنحة المقاومة الفلسطينية ومن ضمنها حركة فتح, ثم وباعتقال البرغوثي وتهميش عرفات شعرت أن القيادة البديلة أصبح قدراً لا يمكن للفلسطينيين رفضه.

التحدي الحقيقي الذي ينتظر الشعب الفلسطيني هو رفض قمع انتفاضتهم, تشبثهم بخيار المقاومة ووضع الكرة في الملعب الإسرائيلي فهو المحتل الذي يجب مسائلته, كل هذا بدون وضع أنفسهم في خندق مواجهة مع الحكومة الفلسطينية الجديدة برئاسة أبو مازن, فبالتالي تفويت الفرصة الذهبية لإجهاض المقاومة الفلسطينية بأيدٍ فلسطينية. على الحوار الفلسطيني حتى ولو من خلال وسائل الإعلام أن يتصاعد ويستمر لمناقشة الخيارات الصعبة التي تحملها لهم الأسابيع والشهور المقبلة, وهذا الحوار بلا شك هو مسؤولية على عاتق الجميع.