أحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

خارطة الطريق أحد أوجه الهجوم الأمريكي الصهيوني على أمتنا

 

 في لقاء للمركز الفلسطيني للإعلام معه في سجنه  أكّد أحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على أن الهجوم العسكري الصهيوني و إطاره السياسي المكمّل لخارطة الطريق أحد أوجه الهجوم الأمريكي الصهيوني على أمتنا ، داعياً إلى وحدة شعبية عربية لمواجهة المحتلين و طردهم مشيراً إلى أن شرط أمريكا لنجاح رئيس وزراء السلطة الفلسطينية هو وقف الانتفاضة و المقاومة .

جاء ذلك في لقاء أرسل لمراسلنا في غزة من المكتب الإعلامي للجبهة فيما يلي نصه :

 

ما هو تقييمكم لمستقبل المنطقة (الوطن العربي) بعد الغزو الاحتلالي الأمريكي البريطاني للعراق ؟ و ما هي اتجاهات الوضع العربي على الصعيدين الشعبي و الرسمي ؟


- لقد أعلن كولن باول الأهداف الأمريكية التي وضعت خلف غزو العراق صراحة و دون مواربة ، بالحفاظ على و صيانة المصلحة الأمريكية في المنطقة ، و هي بلغة غير مغلفة بالديباجات الديبلوماسية ، إطباق السيطرة الشاملة العسكرية و السياسية و الاقتصادية على المنطقة العربية ، فقد سبق الغزو العسكري رسم الإطار السياسي و العسكري لهذه المعركة من خلال الخطة التي أعلنتها وزارة الخارجية الأمريكية لـ "بناء الديمقراطية من إقليم الشرق الأوسط" ، و السيطرة على إقليم الشرق الأوسط . و إيجاد الترتيب الأمني السياسي الإقليمي بالتعاون مع (إسرائيل) كشريكٍ أساسي لوضع الأسس لاستمرار النظام الجديد ، الذي أعلنوا عن ضرورات بنائه ليشكّل جزءاً من الهدف الداعم للإمبريالية الأمريكية في بناء النظام الدولي الجديد بعد انهيار نظام ثنائيّ القطبية إثر هزيمة الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة .

فهذا النظام يجب أن يكون تحت السيطرة المطلقة لأمريكا صاحبة القول الفصل في تحقيق الانتصار و مستلزمات إعادة رسم للقانون و المواثيق و العلاقات و المؤسسات الدولية لتلائم احتياجات هذه السيطرة .

فاحتلال العراق كما هو محدّد في إطار الاستراتيجية العامة الأمريكية للمنطقة ، هو الحلقة الأولى التي يجب أن يتبعها الانتقال إلى حلقات جديدة إما بالقمع و العدوان المباشر و ممارسة سياسة الاحتلال أو الإخضاع ، و أمام شعوب العالم و الأمة العربية خياران لا ثالث لهما إما الاستسلام أو المقاومة . و حسب المفهوم الأمريكي ، أو مواجهة نفس المصير الذي حظي به النظام في العراق .

و عليه فإن المعركة قد بدأت و لم تنتهِ . و اختيار الشعب للمقاومة و رفض الاحتلال بمعزل عن الشكل المطروح للمقاومة ، و جعل الطريق أمام الغزاة ليست معبّدة أو مفروشة بالورود هو الخيار الأنجع . و لا أعتقد أن شعوب الأمة و فصائلها التحررية ستنكس راياتها لمجرد سماع صدى تهديد رامسفيلد أو بوش . و مستقبل المنطقة لا تحدّده إرادة الغزاة ، فالقوة مهما بلغ جبروتها يمكن أن تهزم النظم و يمكن أن تخضع الشعوب و الأمم للاحتلال ، لكنها لا يمكن أن تلغي مقاومة الشعوب . أو تحول دون تحقيق انتصارهم في نهاية المطاف ، و عليه فمستقبل المنطقة يحدّده على المدى المنظور و المباشر درجة الاستعداد و الجاهزية التي ستوفّرها الحركة الشعبية العربية لمختلف ألوان الطيف الذي يشكّلها ، فالهجوم الشامل يستدعي مواجهته ببرنامج و أداة قومية شاملة لا يخضعان للحسابات القطرية ، و يجب أن نتحوّل بداية لولادة مرحلة جديدة للنضال القومي الشعبي يبدأ باستمرار معركة الدفاع عن العراق و دحر العدوان عليه ، و يؤسّس لبناء سياج الدفاع عن كلّ الأرض العربية متقاطعين مع الاتجاه الدولي العريض لمحاصرة نزعة الهيمنة الأمريكية بمستوياتها الرسمية من خلال الاصطفاف العريض داخل الأمم المتحدة لإعادة الاعتبار لها و لمكانتها ، و المستوى الشعبي العريض لمناهضة العولمة و ما ظهر في المظاهرات التي عمت العالم قبل الحرب على العراق و لا زالت مستمرة .

 

هل تعادل عملية نشر خارطة الطريق دمار العراق ؟ و ما هو سر تمسّك القيادة الرسمية بهذه الخارطة ؟

 

- يبدو أن سياق السؤال يضع خارطة الطريق في إطار المكافأة للشعب الفلسطيني ، أو الجزرة التي ستعطى للعرب في فلسطين مقابل العصا التي استخدمت لضرب شعب العراق ، و الإطاحة بالنظام ، و لتصويب المنطق يجب التأكيد أن خارطة الطريق ليست الخلاصة المكثّفة لمحاولات احتواء القضية الفلسطينية و إجهاض انتفاضته الشعبية لتكمل ما فعلته العصا الصهيونية التي شرعتها أمريكا و وفّرت لها الغطاء و الدعم الدولي ، فهي محاولة للالتفاف على قرار الأمم المتحدة الذي اعترف بحقّ شعبنا في إقامة دولته المستقلة و شكّل الإنجاز المباشر للانتفاضة ، و تقزيم سقف الطموح الفلسطيني بتحديد مضمون هذه الدولة بما ينسجم مع رؤية الحكومة الصهيونية ، بالهبوط بسقف قرارات الشرعية الدولية من خلال مزاد المفاوضات الثنائية بمرجعية أمريكية ، إلى درجة تنقص من الحقوق الوطنية لشعبنا بالعودة و تقرير المصير و الاستقلال الوطني ، فالتعادل الذي ورد في سؤالكم يعكسه أن الهجوم العسكري الصهيوني و إطاره السياسي المكمّل خارطة الطريق يشكّل أحد أوجه الهجوم الأمريكي الصهيوني على أمتنا ، حيث يشكّل العدوان على العراق الوجه الآخر له ، أما لماذا قبلت و تمسّكت القيادة الرسمية بخارطة الطريق فهذا ما لا أجد له تفسيراً منطقياً له ، خاصة و أن ما تطرحه خارطة الطريق ليس سوى العودة إلى طريق المفاوضات و وفق نفس المنهج و الإطار و المرجعية الذي احتكمت إليه مفاوضات مدريد أوسلو و التي وصلت إلى طريق مسدود و مأزقها الطبيعي في كامب ديفيد 2000 ، و في ظلّ شروط أسوأ ، و إن افترضنا حسب النوايا نقول إنها نتاج لافتقاد الرؤية المنهجية المستندة إلى تحليل واقعي لبرنامج العدو و عودة إلى العفوية و الارتجال . و إذا كان هذا التفسير يمكن تعميمه على سلوك البعض ، لكن بالتأكيد لا ينسحب على الشرائح الطبقية التي بنت امتيازاتها و مصالحها في رأس هرم السلطة و أصبحت مهدّدة بفقدانها و عليه فإن السعي لاستعادتها يستدعي دعم أي خطة سياسية مهما كانت سقوفها هابطة .

 

هل برأيك يشكّل تعيين رئيس وزراء حلاً للمشكل الداخلي الفلسطيني ؟ و هل تستطيع حكومة يرأسها أبو مازن و بالصيغة المقترحة و الظروف التي ولدت فيها أن تشكّل مدخلاً للإصلاح الوطني ؟

 

- معيار الحكم على أي صيغة قيادية فلسطينية و قدرتها على تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني الوطنية و الديمقراطية ليس رجعياً أو محكوماً بوجود هذا لقائد أو ذاك هذه الوزارة أو تلك ، بل السياق الذي جاءت بهذه التشكيلات القيادية أو تلك ، و واضح أن تعيين أبو مازن كرئيسٍ للوزراء جاء في سياق الاستجابة للإملاءات و الشروط الأمريكية و (الإسرائيلية) . و هذا يجعلها مقيّدة مكبلة بهذه الإملاءات و الشروط . يصعب على رئيس الوزراء التحرّر منها . و من جهة أخرى فإن هناك أمر غريب تمثّل في تصعيد مستوى الخلاف على من سيحمل حقيبة وزارة الداخلية ، هذا الخلاف الذي يفضي إلى خلافٍ حول وقف الانتفاضة و المقاومة ، فهذا شرط على رئيس الوزراء لتنفيذ ما هو مطلوب منه في المرحلة الأولى ، بما يعني الاستجابة و الارتهان للضغوط الأمريكية و الصهيونية ، مقابل وعودٍ بنشر مشروع خارطة الطريق .
أعتقد أن هذه الوزارة بهذه الركائز ليس فقط عاجزة عن تحقيق أو دفع القضية الفلسطينية على الطريق التي تقود إلى تحقيق الأهداف الوطنية ، أو ستشكّل مدخلاً لتحقيق الإصلاح المطلوب وطنياً ، إذا لم أقلّ أنها قد تكون أداة لمصادرة الحريات و الديمقراطية و تعميق التدخل الأمريكي (الإسرائيلي) في الشأن الداخلي من خلال نقل التناقض إلى الداخل الفلسطيني تحت عنوان تحقيق التهدئة الضرورية لدوران محرّك قطار خارطة الطريق .

و لأن الإصلاح الديمقراطي الناجز غير ممكن إذا لم تمارسه حكومة منتخبة في وطن محرّر ، تستطيع و بكلّ حرية و دون تدخّل من أحد أن تعدّ قوانينها و دستورها ، و شكل نظامها السياسي و بالاحتكام إلى الشعب ، فإن ما يحتاجه شعبنا هو بناء الأداة القيادية التي تستطيع أن توحّد طاقات شعبنا و تعزيز قدرته على الصمود و المقاومة و تؤسّس لشق الطريق الحقيقي للخلاص الوطني و الاستقلال الحقيقي و لبرنامج الإصلاح الديمقراطي ، الذي يوفّر قبل الانتصار جماعية الأداة و المشاركة في صنع القرار السياسي و القيادة ، و تفعيل سبل إشراك الجماهير و مؤسّساتها الاجتماعية و اتخاذ القرار كتراكمٍ يؤدّي بعد إنجاز الاستقلال إلى ولادة نظام سياسي مدني ديمقراطي معاصر ، و واضح و من خلال قراءة الواقع الفلسطيني فإن موضوع الإصلاح يتعذّر الاتفاق عليه ، و يطرحه الواقع كموضوعٍ نضاليّ يحتاج إلى توفير العامل السياسي القومي المسنود بالجماهير لتحقيقه و تحويله إلى رافعة لتصويب المسار السياسي النضالي الوطني الذي يوفّر مظلة الحفاظ على الثوابت الوطنية على طريق تحقيقها .

 

كلمتكم إلى الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني .. و ما هي دعوتكم للقوى الوطنية و الإسلامية و السلطة الفلسطينية في يوم الأسير ؟

 

- في رأيي أن من يستطيع بل و يجب عليه توجيه الرسالة هم الأسرى و ليس القيادة ، فالأسرى كورثة شرعيين لحمل أمانة دماء للشهداء و الجرحى هم الأقدر على التوجيه ، و وجودهم خلف القضبان ليس تغيير في مواضع النضال ، فالسجون و المعتقلات الصهيونية كانت على الدوام مواقع و خنادق متقدّمة للنضال ، و كليات لإعادة إنتاج و تصليب الكادرات و بناء القادة ، و عليه فعلى القيادة السياسية أن تصغي لصوتهم النقي الخارج من حناجر تقاوم محاولات الخنق و مع ذلك تخرج قوية ، بوضعهم على رأس جدول اهتماماتها ليس فقط في الرعاية الاجتماعية لأسرهم و أبنائهم و مطالبهم الحياتية ، بل يوضع مسألة تحريرهم الشامل و من دون أي تجزئة لقضيتهم أو تصنيفات كما حصل في السابق كإحدى شروط تحقيق أي تسوية أو تقدّم في المسار السياسي ، و الأكثر أهمية من ذلك هو السعي لعدم تهميش دورهم و إشراكهم في العمل القيادي الفلسطيني على مختلف مستوياته و ضمن الحد الأقصى الممكن ، فهم لا زالوا أحياءاً و في قلب المعركة . و الواجب يحتّم أن تحترم هذه الحقيقة .

 

تصادف أواخر نيسان مرور عام على صفقتي المهد و مقاطعة رام الله ، برأيكم ما هي المخاطر التي حملتها الصفقتان ؟

 

- رغم ما قيل عن هذه الصفقة الرديئة ، و رغم تقاطع الجميع على إدانتها ، غير أن تقادمها و ثباتها و عدم الوقوف الجديّ أمام المضمون الذي تمثّله جعل البعض يعتقد أنها إطار لحماية المناضلين الستة ، بل تمادى البعض بقوله إنها وفّرت أفضل الأوضاع لحماية حياة من شملتهم الصفقة ، و من واقع المواكبة للصفقة في مهدها و ترجماتها أعيد التأكيد أنها شكّلت أكثر من نقله نوعية في إطار الخضوع للإملاءات الأمريكية و (الإسرائيلية) . و باسترجاع نصوص هذه الصفقة نجد أنها تخطّت الهدف الذي أعلن عنها عشية إبرامها ، و هذا ما يفسّره أن الشق الثاني من الصفقة قد انتهك ، و المتعلّق بحركة الرئيس و تحرير ما سمّي بعملية السلام من ركودها ، و أعيد الحصار و تم تشديده ، و مع ذلك بقيت الصفقة ثابتة في إطار الدور الأمريكي البريطاني لضمان استمرار اعتقال المناضلين الستة و فرض الشروط التي تراها مناسبة و لعب دور المرجعية من خلال إطار المراقبة و تحويل السلطة و شرطتها إلى مجرد منفذ للإجراءات التي تجعل من الاعتقال و العزل واقعاً ، وصولاً إلى إدخال أجهزة للتشويش على الاتصالات الهاتفية و ربما لأغراض أخرى تحت إشراف هذا الطريق و بسكوت و رضى من قبل مرجعيات السلطة في الشرطة و وزارة الداخلية رغم انتهاك الولاية القانونية للسلطة التي من المفروض أنها المرجعية لعملية الاعتقال و هذا ما يجعل الأمر أكثر شمولاً من احتجاز حرية ستة مناضلين ، بغض النظر من هم و من يمثّلون و يشير إلى أن ثمة تفاهم بريطاني أمريكي على دور مشترك بقيادة أمريكية لإنتاج مسار جديد لعملية التسوية يوفّر لـ (إسرائيل) الضمانات التي تريدها و يجعل أية سلطة أو مؤسسة فلسطينية تحت إطارات الرقابة وفق هذا النمط في مجال الأمن ، و المال ، و الإصلاحات و كافة أوجه حياة المجتمع ، لتؤسّس لاستبدال الاحتلال بنمط للوصاية الدولية الأمريكية البريطانية للشعب و الأرض و المؤسسات و هذا ليس مجرد استنتاج تعسّفي ولدته معاناة ذاتية ، فالإطارات الأمريكية طرحت أشكالاً للرقابة عبر لجان (مصرية – أردنية- أمريكية) للإشراف على الأمن ، و أوروبية للإشراف على المال ، و الإجراءات الديمقراطية و أخذت سياقها في الترجمة بعضها في النور و بعضها الآخر من خلف الكواليس ، كما أن خارطة الطريق سيّئة الصيت تتضمّن نصوصاً واضحة تؤكّد هذا المنطق و هذا الخطر ، لذا فإن التذرّع بأن حماية أمن المناضلين الستة هو الدافع للتمسّك بهذا الاتفاق ليس أكثر من عكازٍ مكسورة هدفها الدفاع عن منطق أعرج كرّسه تمسّك السلطة بمنهجها العاجز للدفاع عن ذاتها و ضمان شرعية بقائها و استمرارها ، و استعادتها لصلاحياتها حتى لو كانت وفق شروط و إطارات جديدة كما في اتفاق أريحا .

و إن طريق البداية لتحرير الإرادة الفلسطينية و مقاومة التوجّه لفرض الانتداب الأمريكي البريطاني على شعبنا و أرضنا ، كرديفٍ للاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق ، يبدأ بإلغاء اتفاق أريحا و تمزيق أوراقه و تحرير المعتقلين و تركهم يواجهون مصيرهم و خياراتهم في النضال على قدم المساواة مع المناضلين من أبناء شعبهم ، فالشعب هو من يحتاج الحماية و ليس مجموعة من القادة و المناضلين ، و الحماية الدولية شيء و الوصاية و الانتداب شيء آخر .

 

بعد تصريحات رامسفيلد أن بقاء قوات الغزو الأمريكية على أرض العراق ربما يطول ، هل تتوقّع مقاومة شعبية عراقية لهذا الاحتلال ؟ و هل هناك أطر مؤهلة لذلك ؟ و هل هناك إمكانية لتحالف بين الشعبين الفلسطيني و العراقي في معركة مشتركة مع الاحتلال ؟ و هل من رسالة توجّهونها لشعب العراق و لقواه الوطنية ؟

 

- أستطيع القول و بثقة إن المقاومة للاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق لم تتوقّف بسقوط النظام و أنها مرشّحة للنمو و الارتقاء بمعزل عن الأساليب التي ستعتمدها فصائل الحركة الوطنية و المقاومة الشعبية ، نتيجة رفض واضحٍ  قاطع من قبل كافة التيارات الوطنية الديمقراطية و الإسلامية للاحتلال و برامجه و خطّته لخلق حكومة عميلة ترتبط عضوياً بمصالح أمريكا و تشكّل أداة جديدة لقهر الجماهير العراقية و سحق تطلّعها للتحرّر و الديمقراطية الحقيقية ، فالأطر التي تستطيع بناء الأداة الوطنية الشاملة للمقاومة موجودة و لها تاريخ و تراث و مطروح أمامها عملية توحيد صفوفها حول برنامج موحّد للمقاومة من أجل طرد الاحتلال و تحرير الأرض و صيانة استقلالها و وحدتها و بناء النظام الوطني الديمقراطي الذي حلمت بتحقيقه الجماهير العراقية ، فمدخل تقسيم العراق و نجاح هذا التوجّه يبدأ بتقسيم الشعب إلى طوائف و أعراق قومية ، لا تغلق أمامه الأبواب سوى بوحدة تعبيرات الشعب العراقي السياسية و المجتمعية ، ليصبح مصير أية حكومة تستند إلى قوة الدبابة الأمريكية ليس مغايراً لمصير حكومة نغوين ديم في فيتنام أو بول بوت في كمبوديا .

و لأن المعركة ضد الاحتلال الإمبريالي الجديد للعراق ، فإن إطارات النضال من أجل تحرير العراق تتخطّى في مسؤولياته الشعب العراقي أو الفلسطيني ، و تطرح واجب المشاركة بل و التوحّد في خنادق المقاومة على كافة القوى الشعبية العربية ، فالمعركة يجب أن تكون قومية و إن كان ميدانها العراق أو فلسطين أو كلاهما ، و هنا تشكّل وحدة الحركة الوطنية العراقية رافعة و محفّزاً لوحدة الحركة الشعبية العربية في معركة الدفاع عن الأمة و ثرواتها .

 

الصهاينة كانوا الأكثر فرحاً بدمار العراق ، ترى ماذا يريد الكيان الصهيوني ؟ و ما هي أهم المكاسب التي حقّقها هذا الكيان جراء ذلك ؟

 

- ليس الكيان الصهيوني و الحركة الصهيونية عموماً طرفاً مستفيداً فقط من العدوان ، بل شريكاً رئيسياً في التحضير و التحريض و رسم الخطة لهذا العدوان ، فالاتجاهات المسيحية التوراتية المهيمنة في رأس هرم الإدارة الأمريكية و الذين يمثّلون الاحتكارات الرأسمالية الأكثر رجعية و محافظة هي التي قادت هذه الحرب ، كما أن أي ترتيب إقليمي سياسي ستقيمه أمريكا في المنطقة سيكون لـ (إسرائيل) فيه حصة الأسد و الهيمنة التي تلي الهيمنة الأمريكية هذا على المستوى الاستراتيجي العام ، و على المستوى المباشر فإن إسقاط النظام العراقي بما يملكه من مقوّمات للقوة تهدّد في حال بقائها التوازنات في المنطقة يعادل في الحسابات الاستراتيجية للكيان الصهيوني إخراج مصر من دائرة المواجهة العربية الصهيونية . مضافاً إلى كلّ ذلك فإن للنتائج المباشرة للحرب و سواء من القوى الجديدة التي أحدثتها ستمكّنها من فرض شروطها و إملاءاتها و صيغتها لأيّ تسوية منظورة للصراع الفلسطيني الصهيوني .

 

وضعت عملية الغزو الأمريكي للعراق و اجتياحات شارون للمدن الفلسطينية ، القوى الشعبية العربية و ممثّليها السياسيين أمام امتحان حقيقي ، ترى هل نجحت هذه القوى في الامتحان ؟ و ما هو المطلوب منها كي تحتل دائرة التأثير؟

- لا يمكن هنا أن نتحدّث عن فشلٍ أو نجاح بقدر ما يمكننا القول إن مستوى الفعل الشعبي العربي كان دون المستوى المطلوب . و يفتقد للمنهاجية و القدرة على الاستمرار و التركيم لتوسيع نطاق تأثيره ، و هذا ينقلنا إلى الشقّ الثاني من سؤالكم ، فتدني مستوى الفعل الشعبي لم يتناسب مع مستوى الفعل الشعبي الدولي لمناهضة الحرب ، و عدم قدرة الحركة الشعبية العربية على طرح تحديّات حقيقة أمام استعدادات أمريكا لغزو العراق أو ممارسة الجرائم من قبل حكومة شارون الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني ، يطرح تساؤلات تطال المنهج و البرامج و الأدوات الشعبية العربية ، و عليه فإن الحقائق التي يطرحها العدوان الأمريكي على الوطن العربي و الأمة العربية هي عدم كفاية البرامج القطرية و الأدوات القطرية لتلبية استحقاقات الهجوم ، الأمريكي الشامل ، و عليه فإن المنهج و البرنامج اللذان يجب أن يحكما و يوجّها عملية المقاومة يستندان إلى المقاومة القومية الشعبية الشاملة على مستوى البرنامج و الأداة ، و بدون ذلك ستظل الفاعليات الشعبية العربية تفتقر إلى ديناميكيات الاستمرار و الارتقاء و محصورة في إطار الموسمية و ردّات الفعل و تغليب الهموم القطرية على الهم القومي .. هذا من جهة ، و من جهة أخرى فإن عظم التحدّيات التي تطرحها طبيعة المعركة بفعل الاختلال الفادح في موازين القوى يطرح ضرورات تحقيق أعلى درجات الوحدة على المستوى القومي بين تياري الحركة الشعبية العربية القومية و الإسلامية بالارتكاز للمقاومة الموحّدة للإمبريالية الأمريكية و برامجها و مخطّطاتها ، و الاتفاق على مفهوم موحّد للمجتمع المدني الديمقراطي الذي يصون حقوق المواطن ، كقواسم مشتركة للمصلحة بين هذين الخيارين