الانشقاق يعني الموت !
ما
يجري في حزب الأحرار حالياً يدل على أن الحياة السياسية في مصر لا مثيل لها في أي
دولة بالعالم المتحضر! ولو كنا نعيش في بلد ديموقراطي بصحيح لما رأينا هذه
الانشقاقات والصراعات التي تشكو منها كافة الأحزاب المصرية دون استثناء.
ومشكلة
حزب الأحرار بدأت بعد وفاة المؤسس مصطفي كامل مراد رحمه الله! تنازع على الرئاسة
عدد من قيادات الحزب! و"صدق أو لا تصدق" قانون الأحزاب في مصر يجبرهم
على هذا الصراع! فهو لا يستطيع أن ينشق عن الحزب، لأنه في هذه الحالة مطلوب منه
اعتزال الحياة السياسية كلها وأن يمكث في بيته .. والسبب أنه لا يستطيع تكوين حزب
آخر يجمع فيه أنصاره ويعبر عن أفكاره!! ممنوع إقامة أي حزب إلا بموافقة الحكومة
ورضائها، ونيل بركات الأمن! فالقانون الذي يحكم حياتنا السياسية جدير بأن يسمى
قانون قتل الأحزاب! فهناك عقبات عدة، وإذا تمت الموافقة على حزب جديد فهذا الأمر
يعتبر استثناء بكل المقاييس! واللجنة الحكومية المكلفة بهذا الأمر يسميها رجل
الشارع في بلادي على سبيل السخرية منها لجنة رفض الأحزاب.
وفي
بلاد العالم المتحضر تجد الانشقاقات بين الأحزاب تؤدي في النهاية إلى إثراء الحياة
السياسية .. ومصر قبل ثورتها سنة 1952 كانت معظم أحزابها منشقة عن حزب الوفد
القديم .. وعقب ثورة 1919 الشعبية العظيمة طهر حزب الأحرار الدستورين ليمثل
الأثرياء وكبار الملاك، وانشق عن الوفد الذي كان متهماً بأنه يضم الأفندية
والرعاع! وبعد معاهدة 1936 التي أعطت لمصر خطوة في طريق الاستقلال ظهر حزب
السعديين برئاسة أحمد ماهر والنقراشي وعدد آخر من أقطاب الوفد اختلفوا مع رئيسه
"مصطفي النحاس" ..وبعدها بسنوات ظهر حزب الكتلة برئاسة "مكرم
عبيد" وكان من أكثر المقربين إلى رئيس الوفد، لكن نجم الحزب الجديد فؤاد سراج
الدين نجح في الإطاحة به واحتل موقعه! "وهكذا ترى أن التنظيمات السياسية التي
نشأت بعيداً عن الوفد قليلة جداً وعلى رأسها حزب مصر الفتاة برئاسة المجاهد الكبير
أحمد حسين، ولا أنسى بالطبع الإخوان المسلمين بقيادة مؤسس الجماعة الشهيد
"حسن البنا".
وجاءت
ثورة يوليو سنة 1952. حملت معها إيجابيات ونكبات! وألغت ثورتنا الأحزاب كلها اصلها
وفرعها .. يعني الوفد وكل ما انشق عنه، وكذلك التنظيمات السياسية الأخرى! وأعلنتها
حرب على كل القوى الوطنية الذين رفضوا الانضواء تحت لوائها!
وساد
الحكم الشمولي بلادنا، ولم يكن هناك سوى تنظيم واحد نابع من السلطة ويتبعها.
وانقضى
عهد ناصر، وجاء من بعده السادات، وتحولت بلادنا من الاتحاد الاشتراكي إلى نظام
جديد قوامه تعدد الأحزاب، لكن هذا على الورق فقط! فقد أصر الرئيس الراحل، ومن بعده
العهد الحالي، على حكم بلادنا بذات العقلية التي حكم بها عبد الناصر، يعني إدارة
الدولة بعقلية النظام الشمولي وسيطرة مطلقة لرئيس الدولة رغم أن الدنيا قد تغيرت،
لكن بلادي مازالت خاضعة لحكم الفرد، وقانون الأحزاب على مقاسه!! ففيه قيود شديدة
جداً على إنشاء الأحزاب أو إعطائها حرية الحركة، فإذا حدث خلاف في أي حزب، فلابد
أن يستمر حتى الموت!! لأن من ينشق فقد فقد دوره، وعليه أن يعتزل، ولا يجوز له
تكوين حزب آخر! والغريب أن الحزب الحاكم يحث الأحزاب الأخرى على إصلاح نفسها في ظل
الحكم الشمولي .. منتهى الصفاقة!! .. وإذا لم تستحي فقل ما شئت!