ألفَاظٌ تُخفِي معانيَها...
بقلم
: محمـد الشـريف
العلمانية ..
لفظ دار على أبواب الكتاب والصحفيين والأساتذة والتلاميذ ، كلٌ في فنه ، فطرقها باباً باباً ، و لاكَتْه
الألسن جميعاً حتى امتهنه الناس ، غير أنك مع هذا كله تكاد تراه سراً من الأسرار :
كلما تناقلته الأيدي زاد غموضه .
وليس هو باللفظ تقلبه يمنة ويسرة فإذا معناه وقد استبان لك .. وحقيقته وقد أسلمت نفسها إليك
. وإنك لتلهث ثم تلهث وراءه ، فإن منحك بعض ظاهر معناه فذلك فضل ومنة .. وإلا .. فاستعوض الله في كدِّك .
ولا تظنن أنك مستغن عنه إذ وقفت على مشقة إدراك كنهه .. كيف وهو يُخرِج رأسه في كل صحيفة
، ويمد إليك لسانه في كل منتدى ، وهو أول ما يفتتح به " المثقفون "
كتبهم ، وآخر ما يختمون به أبحاثهم .. كأنما هو رقية ولي أو تعويذة ساحر .. فمن أدَّاها بحقها فله رفعة الشأن وعلو المنزلة في
الدارين ( دار الحكومة ودار الثقافة – وقد جُمِعا أخيراً في دارة واحدة تيسيراً
على الموظفين !!- ) ، ومن تهاون بها فذلك الممقوت
المستزذل.. " والمرء حيث يضع نفسه " !!
************
سأل تلميذ شيخه حين أعياه إدراك معاني الألفاظ
، فهو يجد لكل لفظ : رهبةً ، ولكل معنى : قريناً يجاذبه ، وفي كل تعريف :
ثغرةً تسقط به .. سأل هذا التلميذ شيخه نصيحة يجعلها تلقاء وجهه
، فأجابه :
إذا دخلت بيت المفاهيم فلا تغلق الباب دون علم
من العلوم ، فإنك محتاج إليها جميعاً .
************
من المفاهيم ما يكون تابعاً لفن من فنون العلم فيكون تعريفه
مضبوطاً بقواعد ذلك العلم نابعاً من أصوله . والأمر في مثل هذه المفاهيم هين
، والخلاف فيها وإن طال وتشعب : يسير ، لأن ثمة معايير ضابطة يرجع الخلاف
إليها ثم يصدُر عنها وقد انجلت الغمة أو قاربت ، وذلك كغالب ما ترى من ألفاظ النحو
والفقه والأصول وما شابه ذلك من علوم اللغة والشريعة ، ثم ما انضبط من العلوم
التجريبية كالطبيعة والكيمياء وما جرى مجراهما .
الأمر في كل ذلك واضح مستبين ..
غير أن الأفهام تتباين والأفكار تتصارع حين يكون المفهوم
متشابكاً مع علوم جمة ، قاطعاً أزمنة مديدة ، له في كل
فنٍ قدمٌ ، وتحت كل أَيكَةٍ مُسترَاحٌ .
وصاحبتنا " العلمانية " هي من هذا الصنف ، بل هي أم هذا الصنف وأبوه ، فإنها مذ خرجت إلى الوجود
وأثرها في الوجود كله ، لم تدع ديناً ولا دنياً ، ولا أمراً مما يلهو به المرء وقت
فراغه ، ولا يهمه في حال جده إلا وقد هيمنت عليه . وهي لفرط اتساعها وتشابك
أغصانها يرى كل ناظر إليها غير الذي يرى صاحبه .
ولهذا كله : فالحزم أن نقَدِّم قبل
الدخول إليها مقدمات نجعلها منا على ذُكرٍ ، عسى أن لا يضل بنا الطريق أو تتخاطفنا
الألفاظ والمعاني .
المقدمة الأولى :
أن الحديث عن مفهوم ذي علاقة بالإنسان ينبغي أن يسبقه حديث
مفصل عن مفهوم " الإنسان " نفسه .
وهذه مقدمة تحتاج إلى فضل بيان :
ليس من خلاف في الأفكار إلا وأساسه :
الاختلاف في تصور كل مفكر عن الإنسان : أي شيء هو ؟ ما دوافعه
الأصلية ؟ لم أوجد ؟ وإلى أين يُذهَب به ؟ ...... وما جرى مجرى ذلك من الأسئلة الكبرى ..
والإنسان كل متكامل غير أن كل مفكر - بطبيعة قصور الإدراك البشري
- يتناول جزءاً منه أو أجزاء فيجعلها مركز رؤيته ، ويغفل
أجزاء أخرى قد لا تقل أهمية عما أخذ .
وهذه دعوى تتضح بمثال من الحضارة الغربية
:
فرويد .. وماركس ..
عَلَمان من أعلام الغرب ، كلاهما
باحث مجتهد عن تصور أعمق لهذا الإنسان ، وذلك بعد أن استدبر الغرب التصور الديني
بكل ما فيه .. وأخضع نفسه للعلم .. ولا شيء غير العلم .. فماذا كانت النتيجة ؟
جاء فرويد بمذهبه في التحليل النفسي ،
وهو يرى أنه علم لا شك في ذلك ، وأن نتائجه التي خرج بها إنما هي حقائق أوصله
إليها "بحثه العلمي" ، واستجمع جهده ، وتكلم عن الإنسان كما يراه ، فإذا
دوافعه الأصلية هي : الجنس والعدوان .. على المعنى الذي ذكرناه في مقالنا السابق للجنس ، وإذا النفس البشرية مكونة من : الهو : مجمع
الرغبات المكبوتة ، والأنا : التي توفق بين رغبات الهو ومطالب الواقع . والأنا
العليا : التي تمثل القانون والضمير .
وهذا الحديث عند الماركسيين المعاصرين لفرويد غير ذي قيمة ..
إذ يرى ماركس ( وهو سابق لفرويد في الوجود ) أن الدافع
الاقتصادي هو المحرك الأول للتاريخ ، وهو المفتاح السحري
الذي تفسر من خلاله المجتمعات .. ثم هو الحق لا شيء غيره
.. وأن الحديث عن دوافع أخرى من دين أو قومية وما أشبه إنما هو تخدير للشعوب عن
المطالبة بحقها ، وصرف لها عن مجال حربها الحقيقية .
كلاهما من أصل يهودي .. وكلاهما
علماني الوجهة .. وكلاهما يدعي " العلمية " : إذ احتكر فرويد لمذهبه اسم " التحليل النفسي
" .. وادعى ماركس أن اشتراكيته هي "الاشتراكية العلمية " .. وأن قواعدها قوانين علم لا ظنون فلسفة
.
لسنا في مقام الحكم لهما أو عليهما ،
غير أنك ترى " الإنسان " الذي يقصده أحدهما مباين لـ" الإنسان
" عند الآخر .
وإنك لتخرج من معالجتك لأفكار المفكرين بقاعدة لا تكاد تتخلف
هي : أن كل مفكر يخلق صورة خاصة عن " الإنسان "
ينبثق منها في كل ما يرى من بعد ، ودراسة فكره من دون رجوع إلى صورة الإنسان عنده لغو
لا طائل وراءه .
المقدمة الثانية :
لكل لفظ تاريخ : يبدأ بأول استخدام
له ، ثم يضاف إليه في مسيرته الدلالية معانٍ أخرى ، ولا مفر من تتبع تاريخ اللفظ
لمعرفة المعنى الذي بدأ به ثم المعنى الذي صار إليه .
المقدمة الثالثة :
إذا كان اللفظ مترجما عن لغة أخرى فلابد من معرفة أصل نشأته
وتتبع تاريخه في اللغة التي تُرجِم منها ، ثم في اللغة
التي نقل إليها .
المقدمة الرابعة :
ينبغي أن يكون اللفظ دالاً على معناه بصورة شاملة ، فإن دل على جزء منه وترك جزءاً فذلك تزييف مردُّه إلى :
نقص في المعرفة أو سوء في القصد .
المقدمة الخامسة :
أن المفهوم الواحد يردك في تحديده إلى شبكة معقدة من
المفاهيم الأخرى ، ينبغي أن تحدد مسبقاً .
****************
ثم ماذا ؟ ثم : هذه العلمانية ؟ ما تعريفها
وما جوهرها ؟ أين نشأت ؟ وكيف انتقلت إلينا ؟ وما الذي
أفادته أهلها ، ثم ما الذي استفدناه منها ؟ وما ولم وكيف وأين ؟؟؟؟؟
كل هذه الأسئلة وما لف لفَّها لا مجال لنا فيها للاختراع والابتكار ، وإنما هي معان محددة وضعها أهلها : ننقلها عنهم ، وتاريخ
جرى بينهم ثم انتقل أثره إلينا : نسرده كما جرى ، فإن حدنا يمنة أو يسرة كان ذلك
منا زيفاً لا يخلو من سوء في القصد أو قصور في المعرفة . ومن الله نستمد العون وإليه
نبرأ من كل حول وقوة .
وبعدُ ، فالعلمانية
لفظ مترجم عن كلمة أجنبية هي بالإنجليزية Secularism وبالفرنسية Secularite
وأول ما يتبادر إلى الذهن حين تقرأها أنها لفظ علاقته بالعلم
وثيقة ، فلو قسمناها إلى قسمين لما كانت غير : العلم +
انية .
فكأنما هي نسبة إلى العلم على الطريقة المستعجِمة التي تقول : روحاني ونفساني وشهواني ...
وإذن ، فالوجه
أن يكون الأصل الذي ترجمت عنه هو : العلم أو ما قاربه ، إذ لا يكون اللفظ المترجم
إلا إبانة دقيقة عن أصله في اللغة المترجم عنها .
غير أنك تعود إلى الأصل الأجنبي فإذا دائرة المعارف
البريطانية تقول في مادة ( Secularism ) :
( هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيهم من الاهتمام بالآخرة إلى
الاهتمام بهذه الدنيا وحدها .. ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة
شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الأخر ،
وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ(Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة
الإنسانية ، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات
الثقافية والبشرية وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة .
وظل الاتجاه إلى الـ ( Secularism ) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله
، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية . (
عن : سفر الحوالي : العلمانية ، رسالة ماجستير )
وأنت تبحث جاهداً في هذا التعريف المحكم عن لفظ العلم وما
أشبهه فلا ترى له أثراً ..
الأمر كله : صراع بين الكنيسة
المسيحية وبين نزعات ( إنسانية !! ) ثارت عليها .. وهي
" حركة اجتماعية تصرف الناس عن الآخرة إلى الدنيا " وليست " حركة
علمية تخرج الناس من الجهالة إلى المعرفة " ..
غير أننا لطول ما اعتدنا حسن الظن في مفكرينا ومترجمينا
أولهم وآخرهم : نزيح تعريف دائرة المعارف البريطانية
جانباً ، فلعل كاتب مقالة العلمانية فيها وهِم فيما كتب .. ثم هو أولاً وأخيراً
بشر يخطئ ويصيب يا أخي .. وما يدريك لعل
مترجمينا أوثق علماً وأوسع معرفة باللفظ منه !!
لنستعن إذن بمعجم آخر ، وليكن معجم
أكسفورد :
يقول شرحاً لكلمة ( Secular)
:
"1- دنيوي ، أو مادي ، ليس
دينيا ولا روحيا ً : مثل التربية اللادينية ، الفن أو الموسيقى اللادينية ، السلطة
اللادينية ، الحكومة المناقضة للكنيسة .
2- الرأي الذي يقول أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً
للأخلاق والتربية " . ( عن : سفر الحوالي :
العلمانية ، رسالة ماجستير )
" وقد كان أول استخدام لمصطلح "سيكولارSecular " كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري
( وهو العَلم البارز في دراسة أصول الحضارة الغربية ونقدها ) مع توقيع صلح
وستفاليا(عام 1648م)-الذي أنهى أتون الحروب الدينية المندلعة في أوربا- وبداية
ظهور الدولة القومية الحديثة (أي الدولة العلمانية) مشيرًا إلى "علمنة"
ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية أي لسلطة الدولة المدنية " .
والأمر إليك .. فانخُل ما قرأت
بحثاً عن "العلم " المزعوم ، فإن وجدت منه حرفاً
أو يزيد فلك بكل حرف خروف !!
أهل الكلمة الذين نقلناها عنهم يقولون إن معناها " اللادينية : في كل شيء بدءاً بالأخلاق والتربية والحكم وانتهاء
بالفن والموسيقى " ..
فأي عصا سحرية قلبت هذا اللفظ حين عبر البحار حتى جاء إلينا
لينتقل من " لادينية " إلى " علمانية " ؟؟ !!
هل كان المترجمون الأول لهذا اللفظ " وكلهم تقريباً غير
مسلمين !!
" يجهلون معناها الأصلي ؟ أيكون ما جرى خطأ معرفياً
، أم تزييفاً متعمداً ؟
كان هؤلاء المترجمون غير مسلمين في مجتمع مسلم
، لم يكونوا أقلية وإنما ندرة لا تكاد تُرَى ، وكانوا يبحثون عن دور ويسمون
إلى مقام لا يصلون إليه في هذا المجتمع التقليدي الديني البغيض !! .. فلنخلخل
التراب شيئاً ما .. ولنأت بلفظ جديد ذي مرجعية مباينة كل
المباينة لدين البلاد وثقافتها .. ولنترك هذا اللفظ ينمو ويمتد .. ثم لننتظر أن يؤتي ثماره
.
غير أن اللفظ لو ترجم على أصله :
" اللادينية " لكان صادماً لأهل البلاد ، ولانفضوا عنه أجمعين ، ولكان
مثل الجرثومة تغزو الجسم لتمرضه فيكون من بركتها عليه ومصيبتها على نفسها : أنها
تجمع ما تفرق من طاقته في مواجهتها ..
لندع هذا اللفظ إذن ، ولنضع مكانه
لفظاً آخر : لطيفاً شريفاً يقرأه القارئ فيعجب به ، ثم يجره الإعجاب إلى أن يتبعه
..
وكان لفظ " العلمانية " ..
وقد كان لهم في اختياره حجة لطيفة ، وهي : أن الكنيسة في أوروبا كانت قد آزرت
الإقطاع في ظلم الناس ، بل لقد بلغ ما تملكه من إقطاعات أضعاف ما يملكه غيرها ..
ثم إنها قد فسرت الكتاب المقدس تفسيراً لا ينبغي لأحد أن يعدوه
، ووضعت تاريخاً للعالم حددت بدءه على ضوء كتابها المقدس ، ثم لم يكفها ذلك فصورت له جغرافيا تجعل الأرض
في المركز منه والشمس تابعة لها ، فلما جاء علماء يرون ذلك كله خطأً ، ويثبتون
بأدلة علمية دعواهم : ثارت ثورة الكنيسة (وقد كانت هي ذات الحول والطول آنذاك)
ونفت من نفت وأحرقت من أحرقت.. وسارت بالناس سيرة أمريكا اليوم
: من ليس معنا فهو مع الإرهاب !!
وقد كان ذلك خطئية من الكنيسة لا تغتفر ..
وجهالة لا تُرَقَّع..
غير أن هذا الظلم كلَّه : لم يكن
مبررِاً كافياً لينفض الناس عن الدين كلِّه !!
ثم أثمرت الحبة التي أنبتها الظلم والجهل شجرة باسقة سقاها
من سقاها حتى كانت الثورة الفرنسية ، وتصاعدت صيحة
"الجماهير" : اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس !!
في غضون ذلك كله كان الأمر قد انقسم في الغرب إلى : علم ودين .. ورجعية وتقدم .. وإنسانية
وكهنوت ... وما شاءوا وشاء الشيطان من ثنائيات يدور معها
العقل حتى إذا استقر خجل من سخف ما كان عليه !!
جاء مترجمونا فقاسوا واقع العالم الإسلامي على الحضارة الغربية ، وجعلوا مشائخنا كقساوستهم ، وقرآننا كأناجيلهم وتوراتهم
، وحضارتنا الزاهرة كعصورهم الوسطى المظلمة .. فكان الغرب هو الأصل والعالم الإسلامي
هو النسخة المصورة ، ثم قفزوا قفزة ، فإذا العلمانية هي
خلاصنا من كل الظلم والقهر الذي أوقعته الكنيسة الإسلامية الإقطاعية الجاهلة التي
قتلت العلماء وشردت المثقفين !!!!
وذلك سفه لا ينقضي العجب منه !!!
لفظ العلمانية إذن لفظ زائف وضع بسوء نية لا ليدل على معناه ، وإنما ليخفيه.
وجوهر العلمانية
واضح من تعريفها .. بيِّن من تاريخها
: جوهر العلمانية : إقصاء الدين من الوجود كله ، أو كما يقول فرح أنطون في
إهداء أحد كتبه إلى من أسماهم براعم الشرق الجديدة "أولئك الرجال
المتمتعين بالوعي داخل كل طائفة ومن كل دين في الشرق ، الذين تنبهوا لخطر المزج
بين الدين والدنيا في عالم اليوم ، والذين ذهبوا يطالبون بوضع دينهم على الرف في
مكان مقدس ومبجل حتى يتسنى لهم إنجاز الوحدة الحقيقية بينهم ، والانطلاق ضمن تيار الحضارة
الأوروبية الحديثة لينافسوا أولئك الذين ينتسبون إليها قبل أن يجرفهم تيارها
ويخضعهم للآخرين"
( نقلاً عن : عزام التميمي : جذور العلمانية في المجتمعات العربية )
وأي قداسة للدين يا أستاذ فرح بعد أن
يوضع على الرف ؟؟!!
********************
ثم أما بعد أخي القارئ .. فقد سارت
الطريق بنا على غير ما قدَّرنا ، وذلك شأن الألفاظ تسير
بك من حيث تظن أنك تسير بها. وما بلغنا مما أردنا تناوله غير أول حرف .. فإن أنت صبرت حتى تتم الكلمة ثم الجملة ثم المقالة ؛ فإني لأرجو أن يكون مغبة صبرك الخير ، وليس عندي ما
أكافئك به على صبرك إلا دعوة صالحة .
غير أن لي عندك رجاء : أن لا
تتناول هذه الألفاظ وأنت في هم من شأن معاشك ، وأن لا تنظر إليها نظر المكتفي بقراءة
عابرة ، وإنما اعرض ما تراه على قلبك وعقلك ، وميِّز ما فيه من خطأ وصواب ، ثم لا
تبخل على أخيك إن رأيت منه زلة فكر أو سهو قلم أن تكتب إليه به .
ثم .. نحن في طريق
لا يتكشف لسالكيه إلا بعد المشقة ، وإن عينك لترى ما لا
تراه عيني ، فلا تبخل على إخوتك القراء بما رأيت .. ولا تحقرن من المعروف شيئاً .
واجعل قريباً منك كلما بادر إليك الملل قول أديب الإسلام الرافعي ، في مقدمة كتابه " تحت راية القرآن " :
" نلفت القراء إلى أننا في هذا الكتاب إنما نعمل على
إسقاط فكرة خطِرة ، وإذا هي قامت اليوم بفلان الذي نعرفه
فقد تكون غداً فيمن لا نعرفه ، ونحن نرد على هذا وعلى هذا بردٍ سواء ، لا جهلنا من
نجهله يلطف منه ، ولا معرفتنا من نعرفه تبالغ فيه .
والفكرة لا تسمى بأسماء الناس ،
وقد تكون لألف سنة خلت ثم تعود بعد ألف سنة تأتي ، فما توصف من بعدُ إلا كما
وُصِفت من قبل ما دام موقعها في النفس لم يتغير ، ولا نظنه سيأتي يوم يُذكر فيه
إبليس فيُقال : رضي الله عنه " .
وما برح الحديث موصولاً ...