من أقوال الصحف العالمية

9/8/2002

 

ترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي

mehegazi@yahoo.com

 

كانت العناوين السائدة بالجرائد - التي تهم منطقتنا العربية - عن العراق والأحداث الجارية بالكيان الصهيوني في فلسطين. لقد وضع السفاح شارون نفسه في مأزق لن يخرج منه، ولن تفلح مساعدات الخونة من الحكام العرب الذين لا يكفون عن مقابلة الرسميين الإسرائيليين ويلعبون دور الطابور الخامس ضد المقاومة الفلسطينية الباسلة التي أثبتت وجودها وحق الفلسطينيين في الوجود.

 

 كتبت يا سيدي القارئ على هذه الصفحات ألوم المقاومة الفلسطينية الباسلة على إعلان مسئوليتها عن عملياتها وعن إعلان أسماء الشهداء. وقد أراحني بعض الشيء أن المقاومة قد تبنت أسلوبا جديدا بعدم الإدلاء بأسماء الشهداء. ولكن بعض القصور ما زال قائما، فليس من الحكمة الإعلان عن مسئولية حماس أو كتائب عز الدين القسام أو غيرها من فصائل البطولة والشرف عن عمليات بعينها. يجب أن نترك العدو الصهيوني تائها في الظلام الدامس حتى نشتت جهده ونثير الذعر بين صفوفه فلا ينام الليل لأنه لا يعلم من أين تأتيه الضربة القادمة. الصمت أقوى من الإعلان.

 

أما عن العراق وضرب العراق فإن جورج بوش ما زال يتيه في خيلاء كتلميذ المدرسة الخائب الذي لا يجيد سوى إبراز العضلات التي لا يتوفر ما يعادلها داخل دماغه، ولا يعادله سخفا سوى توني بلير الذي يسير حثيثا نحو قبره السياسي، فالشعب البريطاني ليس هو الشعب الأمريكي الأبله، والصحافة البريطانية قد بلغت من النضج ما تعجز اليوم أمامه أبواق الدعاية الصهيونية. تضع الصحافة على بلير ضغطا يفوق ما يضعه عليه أعضاء البرلمان الإنجليزي. لا يبقى من مؤيدي راعي البقر الأمريكي المجنون سوى ذلك القزم الغبي المدعو جون هوارد لدينا هنا باستراليا، والذي تطوع بالإعلان دون مناسبة عن استعداده لإرسال جنود أستراليين للمساعدة في غزو العراق ركوبا على حصان طرواده المسمى "محاربة الإرهاب". كانت النتيجة أن العراق سيمتنع عن شراء القمح الأسترالي بينما تحارب أمريكا المزارع الأسترالي في شتى المجالات.

 

كتب جورج مونبيوت George Monbiot بالجارديان The Guardian البريطانية بتاريخ 6/8/2002 مقالا بعنوان "منطق الإمبراطورية" تصدرته العبارة "أصبحت الولايات المتحدة اليوم خطرا على باقي العالم وبالتالي فإن الرد الحكيم يكون بعدم التعاون معها." إليك الترجمة الكاملة للمقال:

 

(هناك ما يشبه الهزل في مسألة احتمال قيام جورج بوش بشن الحرب على دولة أخرى لأن تلك الدولة قد تحدت القانون الدولي، فقد قامت حكومة الولايات المتحدة - منذ مجيء جورج بوش إلى الحكم بتمزيق عدد من المعاهدات الدولية وتجاهلت عددا من اتفاقيات الأمم المتحدة يفوق في مجموعه كل تجاوزات بقية دول العالم مجتمعة لعشرين عام.

 

لقد قامت بإبطال اتفاقية الأسلحة البيولوجية بينما تجري هي تجاربها على أسلحتها البيولوجية بصورة غير مشروعة، ورفضت السماح لمفتشي الأسلحة الكيماوية بالوصول إلى معاملها، ودمرت محاولات بدء التفتيش على الأسلحة الكيماوية بالعراق. ومزقت معاهدة منع انتشار الصواريخ، وتبدو مستعدة لخرق معاهدة وقف التجارب النووية، وسمحت لفرق الاغتيال التابعة للمخابرات المركزية بأن تبدأ عملياتها السرية من جديد، وهي تلك العمليات التي شملت في الماضي اغتيال رؤساء الدول الأجنبية. وخربت معاهدة الأسلحة الصغيرة، ودمرت المحكمة الجنائية الدولية، ورفضت التوقيع على بروتوكول التغيرات المناخية، وحاولت في الشهر الماضي تعطيل اتفاقية الأمم المتحدة ضد التعذيب حتى يمكنها منع المراقبين الدوليين من الوصول إلى معسكر اعتقالها في خليج جوانتانامو. بل إن استعدادها لشن حرب على العراق بدون تكليف من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يعد تحديا للقانون الدولي أشد وطأة من عدم انصياع صدام حسين لمفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة.

 

إن إعلان الولايات المتحدة عن حرب وشيكة ليس له في حقيقة الأمر أي علاقة بالتفتيش على الأسلحة. لقد صرح جون بولتون John Bolton يوم السبت الماضي ببرنامج "اليوم Today" ومن المضحك أنه هو الرسمي الأمريكي الموكول إليه أمر "منع الأسلحة" بأن "سياستنا .. تتمسك بضرورة تغيير النظام في بغداد، ولن تتغير تلك السياسة سواء دخل المفتشون أو لم يدخلوا." لقد غيرت حكومة الولايات المتحدة مبرراتها للإطاحة بصدام مرتين. كان استهداف العراق في المرة الأولى بسبب "مساعدته للقاعدة"، ولما ثبت بطلان ذلك ادعت الولايات المتحدة بضرورة الهجوم على العراق لأنه قد يكون بسبيل إنتاج أسلحة الدمار الشامل، وأنه يرفض السماح بدخول مفتشي الأسلحة حتى لا يكتشفوا حقيقة ذلك. وعندما لم يتحقق الدليل الموعود تم إسقاط موضوع الأسلحة. أما السبب الجديد للحرب الآن فهو أن صدام حسين نفسه موجود. وهو سبب له على الأقل ميزة إمكان إثباته. لقد أصبح من الواضح الآن أن قرار شن الحرب قد تم اتخاذه أولا ثم جاء البحث عن المبرر بعد ذلك.

 

إذا ما وضعنا إمدادات النفط جانبا كسبب أزلي فإن تلك الحرب ليس لها أي مبرر استراتيجي. فحكومة الولايات المتحدة لا تخاف صدام حسين مهما كانت شدة محاولاتها لبث الذعر بين شعبها، فليس هناك دليل على أن العراق ترعى الإرهاب ضد الولايات المتحدة، وصدام يعلم أنه لو هاجم دولة أخرى بأسلحة الدمار الشامل فعليه أن يتوقع ضربة نووية. وهو لا يشكل أي تهديد للعالم يزيد عما كان عليه طيلة العشر سنوات الماضية.

 

ولكن الولايات المتحدة لديها عدة أسباب داخلية ملحة تدفعها للحرب، أولها أن الهجوم على العراق يعطي انطباعا بأن "الحرب على الإرهاب" تسير نحو هدف ما، والسبب الثاني هو أن أهل القوى العظمى يحبون الحرب. فقد اكتشف بوش في أفغانستان أن ضرب الأجانب يربح الأصوات الانتخابية. أضف إلى ذلك ضرورة لفت الانتباه بعيدا عن الفضائح المالية التي تورط فيها كل من الرئيس ونائبه، ويبدو أن الحرب الوشيكة قد بدأ أثرها هذا بالفعل. تمتلك الولايات المتحدة أيضا صناعات حربية هائلة تحتاج باستمرار إلى الحرب لتبرير وجودها الباهظ التكلفة. ولعل العامل الذي يفوق كل تلك العوامل في أهميته هو أن الصقور التي تسيطر على البيت الأبيض ترى أن الحرب المستمرة تنتج عنها الحاجة المستمرة إلى خدماتهم. ويندر أن تكون هناك توليفة للحرب الدائمة مع الإرهابيين ومع الدول العربية الأخرى أفضل من غزو العراق، والصقور يعلمون أنهم فائزون أيا كان الخاسر. وبعبارة أخرى إذا لم تكن الولايات المتحدة تجهز للهجوم على العراق فإنها تجهز للهجوم على دولة أخرى. وسوف تهاجم الولايات المتحدة تلك الدولة لأنها في حاجة إلى أن تحارب أي دولة.

 

ولدى توني بلير أيضا عدة أسباب ملحة لتأييد تلك الحرب، فهو يخفف من غلواء صحافة اليمين البريطانية باسترضاء جورج بوش، وهو بوقوفه فوق أكتاف بوش يستطيع أن يفرض زعمه بالزعامة العالمية بقدر من المصداقية يفوق مصداقية الآخرين من الزعماء الأوربيين ويدافع في نفس الوقت عن وضع بريطانيا غير العادي كعضو دائم بمجلس الأمن. كما أن علاقته مع الرئيس < الأمريكي > تضمن له دورا بارزا كوسيط ومترجم للقوة.

 

يستطيع بلير أيضا - بإستثارة "العلاقة الخاصة" < بين بريطانيا والولايات المتحدة > أن يتجنب التحدي الأعظم الذي واجهه أي رئيس للوزراء منذ الحرب العالمية الثانية. هذا التحدي الذي يقضي بأن يكون عليما بنتيجة التحليل الموضوعي للقوى العالمية وأن يتصرف على ضوء ذلك.، أي أنه يجب أن يعلم أن التهديد الأكبر للسلام العالمي ليس صدام حسين وإنما هو جورج بوش. فالدولة التي كانت لنا معها في الماضي أمتن صداقة تتحول اليوم لتصبح ألد الأعداء.

 

وبينما تكتشف الولايات المتحدة أنها تستطيع تهديد الدول الأخرى ومهاجمتها دون حسيب أو رقيب فمن المؤكد أنها سوف تبدأ في تهديد دول كانت تحتسب ضمن حلفائها، وحينما يدفعها احتياجها الشره للموارد إلى أن تصبح أشد جسارة في مغامرات فتوحاتها الاستعمارية فإن ذلك سوف يؤدي بها إلى التدخل المباشر في المصالح الاستراتيجية للدول شبه الاستعمارية الأخرى، وبرفضها تحمل مسئولية تبعات استخدامها لتلك الموارد فإنها تهدد بقية العالم بالكوارث البيئية. لقد أصبحت تعلن احتقارها صراحة للحكومات الأخرى وباتت على استعداد لنقض أي اتفاق أو تعاهد يعوق أهدافها الاستراتيجية، لقد بدأت في بناء جيل جديد من الأسلحة النووية ويبدو أنها على استعداد لاستخدامه في ضربات وقائية، وقد تكون على وشك إشعال سعير بالشرق الأوسط قد يجر إليه بقية العالم.

 

أي أن الولايات المتحدة تتصرف مثل أي قوة إمبراطورية، فالقوى الإمبراطورية تستمر في توسيع نطاق إمبراطورياتها إلى أن تواجهها مقاومة تتفوق عليها. إذا ما تخلت بريطانيا عن تلك العلاقة الخاصة فإنها تكون قد اعترفت بأن ذلك حاصل، وإذا ما قبلت بأن الولايات المتحدة تمثل خطرا على بقية العالم فإنها تكون قد أقرت بضرورة مقاومتها. وتكون مقاومة الولايات المتحدة هي أخطر إجراء تتخذه أي حكومة بريطانية خلال ما يربو على 60 عام وأشد الإجراءات جرأة إذ يعكس اتجاه سياستها تماما. نحن لا نستطيع مقاومة الولايات المتحدة بالوسائل الحربية أو الاقتصادية ولكننا نستطيع مقاومتها بالوسائل الدبلوماسية. الأسلوب الحكيم الوحيد لمقاومة القوة الأمريكية دون التعرض للخطر يكون باتباع سياسة عدم التعاون. يجب على بريطانيا وبقية دول أوربا أن تعيق على المستوى الدبلوماسي كل محاولات الولايات المتحدة للتصرف منفردة. يجب علينا إطلاق جهود مستقلة لحل أزمة العراق والصراع بين إسرائيل وفلسطين. ويجب علينا الانتظار في ترقب وتفاؤل آملين أن تضعف قوة الولايات المتحدة نتيجة سوء الإدارة الاقتصادية ورأسمالية العصابات والإنفاق العسكري المسرف، عندئذ تتوقف الولايات المتحدة عن استخدام بقية دول العالم كما لو كانوا "دواسة مسح النعال أمام بابها." كانت لنا مع الولايات المتحدة علاقة صداقة بنيت ذات يوم وإن كان ذلك لفترة قصيرة على مبادئ الحق والعدل، ولن نستطيع استئناف مثل تلك الصداقة إلا إذا ما قبلت الولايات المتحدة دورها كدولة تستطيع موازنة مصالحها مع مصالح الدول الأخرى.)     

.

هذا تصوير دقيق من كاتب بريطاني يستخدم لغة المثاليات والمبادئ ولا يفوته التفكير بلغة المصالح وموازين القوى. الكلام واضح ولا يحتاج إلى تعليق. أبرز ما لفت انتباهي هو استخدام الكاتب لكلمة "فلسطين" وليس "الأراضي المحتلة" كما يقضي قاموس الإعلام الغربي. تعد كلمة "فلسطين" من المفردات المحرمة في لغة الصحافة الصهيونية. وهذا دليل واضح على أن عفن الصحافة الصهيونية الأمريكية ليس له نظير حتى في حليفتها بريطانيا التي كانت عظمى.

 

 

نشرت الإندبندنت البريطانية بتاريخ 4/8/2002 مقالا للكاتب فيليب نايتلي Phillip Knightley تحت عنوان "اختار العراق صدام لأسباب وجيهة والغرب في حاجة إلى درس في التاريخ". يحكي المقال تاريخ الغرب الأسود في خداع العرب وتمزيق وحدتهم وسلب ثرواتهم وشراء ولائهم في الحروب بوعود كاذبة، وكيف يقوم الغرب بفرض الحكام الموالين له على الشعوب العربية. يذكرني ذلك بعبارة لا أذكر مصدرها عن مفارقة تقول عن الدول العربية أنها تتميز بأن أشد شعوبها عداء لأمريكا تحكمه حكومات تحب أمريكا وضربت مثلا بالسعودية ومصر، وأن الحكومات التي تكره أمريكا تجد أن شعوبها تحب أمريكا وضربت مثلا بالعراق وإيران. لا أرى علاقة لتلك العبارة العارضة بما نحن بصدده، فإليك الترجمة الكاملة لمقال نايتلي قبل أن أصيبك بالملل:

 

 (يجب أن يقوم بلير على الأقل بتفحص الحقائق التاريخية - التي تشرح أسباب صعود حكام وطنيين مثل صدام حسين - قبل الانضمام إلى صفوف المحاربين الصليبيين الجدد والسعي إلى فرض "تغيير النظام" على العراق، ولأن بلير يجيد "التعاطف" فلا بأس من أن يقوم خلال ذلك بمحاولة رؤية بريطانيا بعيون عراقية. إذا نظرت إلى بريطانيا من بغداد لوجدت أن البريطانيين قد قصفوا بلادهم بالقنابل وغزوها، وأنهم كذبوا عليهم، وأنهم عبثوا بتخطيط حدودهم، وأنهم فرضوا عليهم قادة لا يريدونهم واختطفوا القادة الذين يريدونهم وزوروا الانتخابات، وأنهم استخدموا أساليب الإرهاب الجماعي مع المدنيين، وأنهم وعدوهم بالحرية ثم خططوا لتحويل بلادهم إلى ولاية تابعة للهند يتم توطين الفلاحين المهاجرين من البنجاب بها. إن ما قاله الكاتب سعيد أبو الريش Said Aburish ليس غريبا إذن عندما قال لي مؤخرا "إذا كنت تعتقد أن التعامل صعب مع صدام حسين انتظر لترى ما سيكون عليه الجيل التالي من حكام العراق."

 

من الصعب أن نتخيل أن قادة عراقيين أصغر عمرا يمكن لهم الاعتقاد بأن صدام لم يكن حازما بما فيه الكفاية إذا ما نظرنا إلى قسوة تعامله مع أكراد العراق وحربه ضد إيران وغزوه للكويت، ومن الصعب أيضا تخيل أن الأمريكيين ليس لديهم الاستعداد لتحمل التضحيات التي تتطلبها حرب شاملة بالشرق الأوسط بالرغم من أن أمريكا تمتلك أقوى جيوش العالم.

 

يأخذ هذا الشباب العراقي بالنظرة الإسلامية الضاربة في أعماق التاريخ والتي ترى أن الشرق الأوسط لا يحب الأجانب وينتقم من هؤلاء الذين يصرون على رؤية المنطقة من منظورهم الخاص مثلما يفعل البريطانيون والأمريكيون. علينا بالعودة إلى الحرب العالمية الأولى - حينما قام لورنس العرب مع ونستون تشرشل بفرض أول تغييرات للنظام لكي نرى كيف وصلنا إلى الموقف الذي يواجهنا الآن. فمع انتهاء الحرب في 1919 أيقن الجميع بالأهمية الاستراتيجية للنفط وكيف أن إمدادا مضمونا منه يعد سلاحا ضروريا في أي اشتباكات رئيسية بالمستقبل. كان لبريطانيا حينئذ مصدرا هو بريتيش بتروليم British Petroleum التي كانت الحكومة البريطانية شريكا في ملكيتها وكانت تضخ النفط من مسجد السلامن Masjid-i-Salamn < لعل الكاتب يقصد مسجد السليمان Masjid-I-Sulaiman > في جبال زاجروس Zagros بإيران منذ 1908، لكن ذلك لم يكن كافيا ولهذا فقد تمت بعض الصفقات السرية قبل انعقاد مؤتمر السلام في باريس عام 1919. فعلى سبيل المثال أعطت فرنسا لبريطانيا المنطقة الغنية بالنفط حول الموصل بالعراق مقابل حصة من النفط و"إطلاق يدها" في سوريا. كانت بريطانيا قد وعدت لسوء الحظ بأن تكون سوريا للسوريين. أصبح واضحا للأذكياء من القادة العرب أن ضمانات الحرية والاستقلال - التي أعطتها لهم بريطانيا وفرنسا أثناء الحرب مقابل الحصول على تأييدهم ضد تركيا حليفة ألمانيا - لم تعد تعني شيئا.

 

تأكد ذلك في مؤتمر السلام حيث ضغطت شركات النفط على حكوماتها للتحلل من كل وعودها للعرب أثناء الحرب. كان واضحا لشركات النفط أن التفاوض بشأن الحصول على التنازلات وعائد الملكية مع دول عربية متنافسة ينقصها أي شعور بالوحدة يكون أسهل من التفاوض مع دولة واحدة قوية مستقلة بالشرق الأوسط. من التناقض المضحك أن أمريكا كانت الدولة الوحيدة التي اعترضت على تلك الخيانة للعرب بينما يقوم الرئيس جورج دبليو بوش اليوم بقيادة الصليبيين الجدد.

 

أنذرت اللجنة التي أنشأها الرئيس ولسون بضرورة منح الاستقلال لدول مثل فلسطين وسوريا والعراق في أقرب فرصة، وبضرورة إسقاط فكرة تحويل فلسطين إلى كمنويلث يهودي. تجاهل الجميع ذلك التقرير بما فيهم واشنطون واستغرق الحلفاء عامين آخرين لإنهاء تقطيع الشرق الأوسط. أصيب العرب بالذهول حينما علموا أن المثلث الواقع بين البحر الأبيض والحدود الفارسية سيوضع تحت الانتداب لكي يتمشى مع المصالح الأجنبية لبريطانيا وفرنسا. وبذلك فإن العرب ببساطة قد استبدلوا الحاكم الإمبراطوري التركي بالحاكم الإمبراطوري الغربي.

 

بدأت الثورة على الفور فقام العراقيون بمحاولة طردنا بالإغارة على المنشآت البريطانية وقتل جنودنا. رد الجيش البريطاني بالعقوبات الجماعية فأحرقوا كل قرية خرج منها مثل ذلك  الهجوم عن آخرها. وكتب لورنس العرب لجريدة التايمز مقترحا في سخرية شديدة أن إحراق القرى لم يكن فعالا وأن "الهجوم بالغازات يمكنه أن يمحو بنظافة كل سكان المناطق المخالفة وكيف أن ذلك لا يزيد في انحطاطه الخلقي عن  النظام القائم."

 

ومن الحقائق المؤسفة أن شيئا يشبه ذلك كان قيد البحث. فقد اقترح تشرشل وكان وقتها سكرتير الدولة للطيران والحرب أن تقوم القوات الجوية الملكية بمهمة إخضاع العراق وأن ذلك كان يعني "توفير نوع من القنابل الخانقة التي يتم حسابها بحيث تؤدي إلى الإصابة بنوع من العجز وليس الموت .. لكي تستخدم في العمليات الأولية ضد القبائل الثائرة." لكن القوات الجوية في النهاية أبقت على استخدام القنابل شديدة الانفجار وهي الطريقة التي ما زلنا نستخدمها حتى اليوم.

 

حينما قام تشرشل بتعيين لورنس لكي يقوم بإعادة ترتيب الفوضى التي آلت إليها الأمور بالشرق الأوسط بدأ الأخير باقتراح تعيين فيصل ملكا على العراق، وهو نفس الرجل الذي كان قد اختاره قائدا عسكريا للثورة العربية < ضد تركيا >، لكن المشكلة كانت في وجود عدد من المرشحين الآخرين، كان أكثرهم شعبية واحدا على طراز سابق من نوع صدام حسين وهو القائد الشعبي سيد طالب الذي اكتسب شعبيته بالتهديد بعصيان عام إذا لم يسمح للعراقيين باختيار قائدهم. كان حلنا للمشكلة بسيطا باختطافه وترحيله إلى سيلان. وحينما جاء وقت عودة طالب كان فيصل قد تم انتخابه بواحدة من تلك النسب المئوية العالية المثيرة للشك وهي 96.8%. استمر تغيير النظام في الأردن حيث تم تعيين عبد الله أخ فيصل ملكا وتم تزويده بالمال والرجال مقابل وعده بأن يكبت النشاط المعادي للصهيونية. كان والدهما الشريف حسين شريف مكة قد بدأ الثورة العربية ضد تركيا وقد عرض عليه مبلغ 100 ألف جنيه إسترليني كل عام حتى لا يسبب المشاكل، وقضي الأمر. اعتبرت بريطانيا ذلك سدادا لتعهداتها للعرب بالكامل، لكن العرب وخاصة العراقيين لم يروا الأمر كذلك، وكانوا في حالة ثورة منذ ذلك الحين. جاء صدام حسين إلى الحكم عام 1979 بوعد بالوحدة العربية ومقاومة النفوذ الغربي بالشرق الأوسط، وما زالت له شعبية بالعالم العربي لأنهم يعدونه واحدا من بين القلة من القادة العرب المستعدة للوقوف في وجه الغرب وخاصة الولايات المتحدة التي نشأت مصالحها بالمنطقة حديثا نسبيا. قام البريطاني المتخصص في الشئون العربية جون فيلبي St John Philby بالتوسط لعقد صفقة بين السعوديين وشركة نفط ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا Standard Oil of California وبدأ الإنتاج التجاري في شهر مارس من عام 1938. جون فيلبي هو والد جاسوس الاتحاد السوفييتي كيم فيلبي .Kim Philby

 

سواء قبلنا أو رفضنا أن صدام حسين يشكل خطرا علينا، وأن هذا الخطر من الشدة بحيث يبرر الهجوم على العراق مرة أخرى فإن السؤال الأهم هو: ماذا يمكن أن يحدث إذا ما قام الصليبيون الجدد بهزيمة العراق واحتلاله؟ ماذا بعد ذلك؟ انتداب من الأمم المتحدة مثل ذلك الانتداب الذي تم فرضه بعد الحرب العالمية الأولى يسمح للجيش المنتصر بالبقاء مسيطرا على الأرض التي تم فتحها؟ أو ربما "فيصل" جديد يتم غرسه حاكما على شعب يرفضه؟ أي السبيلين يؤدي إلى كارثة. إن التصرف الهزلي في أمور بلاد الآخرين وحكامهم مهما بدوا مرعبين في أعيننا لن يجلب إلا الحساب الدموي.

 

لقد كتبت متخصصة الدراسات العربية العظيمة جيرترود بل Gertrude Bell محذرة من أن شعارات الثورة والمساواة والأخوة سيبقى لها سحرها بالشرق الأوسط لأنها تتحدى نظاما عالميا تكون القوة والغلبة فيه للأوربيين أو يقوم فيه الأوربيون وعملاؤهم من القادة العرب بمعاملة العامة العرب كما لو كانوا مخلوقات من طينة أحط. وهكذا تبدأ دورة أخرى من الغضب والإحباط وإراقة الدماء لأن الأجانب ما زالوا يحتلون بلاد العرب بعد 800 عام من الحروب الصليبية.)

 

لا يفوتني هنا يا سيدي القارئ أن اقوم بالتعريف الذي يستحقه فيليب نايتلي. نايتلي كاتب ومؤرخ مبدع يجدر بالقارئ الجاد أن يضمه إلى ذات المجموعة التي تضم تشومسكي وفسك وبلجر. وهو مثل جون بلجر من مواليد استراليا لكنه عاش معظم حياته في لندن صحفيا مع الصنداي تايمز. من أبرز أعماله العديدة كتاب صدر في 1975 من حوالي 570 صفحة بعنوان "الضحية الأولى The First Casualty" والعنوان مشتق من مقولة السناتور الأمريكي هيرام جونسون Hiram  Johnson  الذي قال في عام 1917 "عندما تأتي الحرب تكون الحقيقة ضحيتها الأولى." الكتاب سجل تاريخي ممتع عن الخداع الإعلامي للحكومات في وقت الحرب والدور البطولي للمراسل العسكري في كشف الحقائق وكيف أن هذا الدور قد بات مهددا. وقد توج جون بلجر الكتاب بمقدمة في طبعة سنة 2000 من هذا الكتاب الهام.