الإنترنت المغشوش .. وتجارة الاتصالات!

 

بقلم د. عبد اللّه هلال

    

       هل وُجدت الحكومات من أجل خدمة الشعوب والسهر على مصالحها ورفاهيتها?.. أم من أجل الجباية والتجارة في الخدمات والتفنن في سلب أموال المواطنين المساكين?!. لقد برز هذا السؤال وأصبح يتردد في كل ميدان بعد أن توجهت حكومتنا بكل همة إلى ما سمي بـ "الخصخصة", لتنقلب الأحوال وتتحول الحكومة إلى تاجر "يبيع" الخدمات للمواطنين رغم حصولها على مقابل هذه الخدمات في صورة ضرائب متصاعدة ومتكررة. والأسوأ من ذلك أن تتحول بعض الوزارات إلى سمسار يبيع المواطن إلى بعض الشركات التي لا ندري من يمتلكها بالضبط!.

       ومن الوزارات التي برعت في التجارة على حساب المواطن المسكين وزارة الاتصالات .. حيث استثمرت ثورة الاتصالات والمعلومات - التي يستمتع بها العالم كله - لصالح فكر الجباية وبيع الخدمات . وها نحن نري الكم المهول من الإغراءات الوهمية التي تنهال على رءوس المواطنين لحثهم على كثرة الاتصال واستخدام الهواتف فيما لا يفيد. كما رفعت أسعار خدماتها بما لا يتناسب مع دخول المشتركين أو احتياجاتهم واستخداماتهم.. ولكي تتم التغطية على هذه الزيادات ولتقليل الاحتجاجات على ضخامة الفواتير فقد جعلت الوزارة الفاتورة ربع سنوية وتفكر في جعلها شهرية لتخفيف الصدمات, مع بقاء الفواتير الفلكية كما هي إذا ما تم تجميعها. ومن وسائل التجارة والابتزاز استغفال المواطن وبهدلته إذا ما أراد الشكوى.. فهذا المواطن يكتشف أن هناك أرقاما محمولة متكررة لا يعرف عنها شيئًا, فيذهب إلى مركز الاتصال في الزقازيق مثلا ليشكو هذا الظلم فيطلبون منه تقديم شكواه في طنطا!, وآخر يحتج على قيمة استهلاك الإنترنت لأنه لم يتصل بأرقام الشركة مطلقا فيطلبون منه الاتصال برقم لا يرد إلا بعد عذاب ويمهلونه شهرا للرد على الشكوى, والرد الجاهز هو صحة الفاتورة وعدم أحقية المشترك في الشكوى, وإذا اعترض لجأوا إلى أسلوب إرهابي بطلب تقديم شكوى للنيابة!, ومواطن يطلب إلغاء بعض الخواص ابتداء من أول يوليو, فيسارعون بإلغائها فور تقديم الطلب رغم أنهم يحصلون على مقابلها مقدما وعندما يحتج يطلبون منه الاتصال بأرقام لا أول لها ولا آخر, وكل واحد يقول إنه غير مختص, ويكتشف المسكين أنه سوف يدفع مكالمات بسبب هذه الشكوى أكثر من موضوع الشكوى!!, ودون أن يصل إلى شيء.

       ومن أبرز أساليب الابتزاز ما حدث عندما رفعت الوزارة شعار "الإنترنت المجاني" .. وما هو بمجاني ولا يحزنون, إذ أُفردت أرقام خاصة لهذه الخدمة حتى لا تدخل ضمن المكالمات المجانية التي أُلغيت هي الأخرى واستعيض عنها بنظام غامض لا يفهمه المشترك.. وسلمت الوزارة المشتركين إلى الشركات التي تتاجر في هذه الخدمة بطريقة غريبة, إذ يدخل المشترك إلى الشبكة بسرعة معقولة ثم يفاجأ بتوقف النبض وانطفاء الشاشتين الخضراوين اللتين تدلان على الاتصال بالشبكة وأصبحت الخدمة التي كانت تنجز في خمس دقائق قبل"الإنترنت المجاني" تحتاج إلى ساعة أحيانا لإنجازها في ظل هذه المجانية المزعومة . ولعل هذا ما يفسر الأموال الهائلة التي تنفق على الإعلان عن تقديم هذه الخدمة والإغراءات الخرافية التي يقدمونها للاتصال من خلالهم, ولو أن الأمور عادية لخسرت تلك الشركات والتي لا تحصل سوى على سبعين في المائة من قيمة المكالمات.. إذًا ما هو السر?!!. لقد دخلت مؤسسات كبري في هذه التجارة الغامضة, ووصل الأمر إلى تورط وزارة التربية والتعليم في هذا الابتزاز ومنحت بعض الشركات حق احتكار إعلان نتيجة الثانوية العامة بمقابل لتباع للمواطنين المساكين الخاضعين لإرهاب الثانوية العامة!. ولا ندري لماذا تلجأ الوزارة لهذا الأسلوب الغريب, ولماذا لا تعلن النتيجة مجانا ما دامت جاهزة?..

 فلتسقط هذه التجارة الغامضة, وليسقط الابتزاز.