الصراع في أفغانستان .. جوهره ونتائجه والدور المطلوب

بقلم :  أبي أيمن الهلالي

 

إن الصراع الدائر حاليا في أفغانستان المسلمة حدث ضخم لم يعرف العالم مثيلا له من قبل، والذي يجب أن يأخذ مساحته الحقيقية في فكر وممارسة الحركة الإسلامية تأسيا بمنهج القرآن الذي نجده يُتابع صراع الموحدين مع أولياء الشيطان، بحيث أصبح الإسلام في الواجهة -تحت مسمى الإرهاب- مع رأس النظام الدولي وجها لوجه الأمر الذي يطرح معه أسئلة كثيرة ومتعددة والتي سنحاول بإذن الله وتوفيقه أن نلتمس لها إجابات في هذا المقال والمقالات القادمة إن شاء الله بغية تقديم قراءة إسلامية حول ما يجري لتجلية الأمور وإزالة التشويش والغموض على كثير من المفاهيم والحقائق لنرسم معا -في نهاية المطاف-صورة متكاملة للصراع في أبعاده الدولية والإقليمية وتمثلاته العقدية والفكرية والسياسية والاجتماعية.
في هذا المقال سنقوم بمعالجة القضايا التالية:
1 - محور الصراع وحقيقته
2 - نقد لمواقف بعض الأطراف الإسلامية
3 - نتائجه الأولية
4 - مهمتنا الراهنة

تناولنا لهذه القضايا سيكون بشكل مركز ومقتضب.
أولا: محور الصراع وحقيقته
إن الإيمان هو جوهر التدافع ومحور الصراع وحقيقته وعقدة عداء الأعداء له قال تعالى:(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[البقرة:120]. وقال تعالى:(وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)[البقرة: 217] وقال تعالى:(كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ)[التوبة:8] .
وعليه فإن الصراع الدائر في أفغانستان المسلمة صراع عقدي سياسي حضاري بالدرجة الأولى بين المشروع الإسلامي المتمثل في حركة الطالبان الإسلامية وتنظيم القاعدة والمشروع العلماني الكافر المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية وولاياتها الغربية والأسيوية والعربية. أي صراع بين شرعية الكتاب والسنة وشرعية الشيطان.
لذا فالصراع في جوهره يدور حاليا بين الحق والباطل بين عالم الغيب وعالم المادة بين العقيدة الإسلامية والعقائد الكافرة وأن ما يقوم به الآن تنظيم القاعدة بزعامة الشيخ أسامة بن لادن يدخل في جهاد المستكبرين والطواغيت والمجرمين الجاثمين على صدر الأمة وهذا يعد في ديننا من أوجب الواجبات الشرعية.
وأن ما يتم ترويجه وتسويقه عبر الإعلام والتلفاز على وجه الخصوص- لأن أمتنا لا تقرأ -من أن الحرب هي ضد الإرهاب فهي تدخل في نطاق الحرب الفكرية والنفسية وأن التلفاز أصبح أداة لوجستية من أدوات الحرب الدائرة وأن الغرض منها تنحية الإسلام من ساحة الصراع ليتم تغييب العداء المبدئي وهذا يؤدي بدوره إلى افتقاد البعد الرسالي في الصراع. مما ينتج عنه تحييد طاقة إسلامية ضخمة بحيث لو تحركت بجدية لفرضت حظر التجول في بلدانها وأسقطت وكلاء أمريكا الذي سيسقط بدوره بنتها المدللة "آل صهيون" المحمية منها ومن طرف وكلائها في المنطقة.
إن مقولة الإرهاب هي بمثابة الشجرة التي غطت الغابة فلنكن حذرين.
ثانيا: نقد لمواقف بعض الأطراف الإسلامية
إن ما وقع في 11 سبتمبر فرض على الحركات الإسلامية الديمقراطية (بنية عقدية متناقضة أي كيف يلتقي الإسلام بالديمقراطية) وبعض الرموز الإسلامية من علماء ومفكرين الهرولة للتنديد بالحدث خوفا من الغضبة الأمريكية والهستيريا التي انتابتها من هول وشدة الضربة والخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي نتجت عنها، وهذا ساهم بدوره بالتشويش على كثر من المفاهيم الإسلامية بفضل عقلية الخنوع وثقافة الاستسلام والذل التي تأسسوا عليها والتي تخالف منهج الإسلام وما يروجونه من أن الإسلام دين الحق.
فكيف إذن ينكرون أن يكون الإسلام مصارعاً لعقائد وثقافة الشرك والكفر والنفاق أي بالمصطلحات المعاصرة منافسا لثقافة التغريب والإلحاد والعلمنة.
فتاريخ الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام خير شاهد على ذلك فهم صارعوا الشرك والكفر وتحملوا من معاناة وتعذيب وهذه سنة الله في الحياة لأن الحرب في الإسلام حتمية والقتال من طبيعة الحياة على أرض الله حتى ينتصر الحق على الباطل وحتى يعلو الخير على الشر ويظهر المنهج الرباني على المنهج الشيطاني مصداقا لقوله تعالى:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)[البقرة:193]
كيف نسوا أنهم بذلك يؤسسون لبنية عقدية وفكرية ونفسية هشة وضعيفة تنتهج أسلوب الاستجداء والتسول كطلب الإذن من الطواغيت لتكوين حزب أو القيام بمظاهرة... وتأجيل تطبيق تعاليم الإسلام حتى يأذن الإله الجديد عفواً الطاغوت.
إنهم بذلك يؤسسون للانهيار والهرولة والانبطاح أي في المحك لا يستطيعون الصمود ولا يمكن أن يعترف بهم من طرف الأعداء لأن الاعتراف يكون للأقوياء من أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وغيرهم الذين يكلفون الأعداء الكثير والكثير والكثير.
وتجربة الإخوان المسلمين في مصر خير دليل، إنها بدأت سنة 1928 أي قبل ميلاد النظام والأحزاب اليسارية ومع العلم في الواقع نجد تقديمها للإسلام النقي إسلام العزة والكرامة ما زال ضعيفا ذليلا خاملا لا يتخذ المواقف العقدية والشرعية في الحياة ولا يدافع عن الحق ولو أدى ذلك إلى استعمال القوة بل لا يستطيع تقديم الإسلام على أساس أن له هوية متميزة في العقيدة والعبادة والأخلاق والشريعة تفصله عن غيره ويجب أن يحكم لأنه بكل بساطة الحق الذي يعلو على الباطل.
بل بالعكس أصبحوا ينتظرون دائما الفتوى بالعمل من أنظمة الردة والكفر أي من الولايات المتحدة الأمريكية أي بمعنى هل يجوز القيام بهذا العمل أم لا ؟
وهذا راجع إلى الديمقراطية التي يسبحون بحمدها صباح مساء والتي تعتبر متنا غربيا وتوطينا عقديا وفكريا والذي ينتج عنه احتواء عقدي سياسي وميوعة سلوكية، أما هم فليسوا مجرد هوامش وذيول وملحقات تدور في فلك الكافرين.
إضافة إلى كل هذا فلنأخذ مثلا قصة معركة الفرس مع الروم وكيف كان تعقيب القرآن عليها. فالقرآن أراد أن يؤسس لمنهج عقدي ورؤية سياسية قادرة على التعامل والتفاعل مع ما يقع من صراعات في العالم لتربية الأمة على الانفتاح المَصْلحي والسياسي.
فالمسلمين كانت لديهم مصلحة سياسية في انتصار الروم لأنهم أصحاب دين لأن ذلك له أثر كبير على إيمان الناس بالإسلام وأن قريش كانت تريد للفرس الانتصار بحكم التوافق العقدي والمنهجي بين الشرك والكفر في الجزيرة العربية والفرس، وهذا هو حال التيارات العلمانية الكافرة وأنظمة الردة والكفر في العالم الإسلامي بحكم ارتباطهم بالمشروع الغربي فهم منسجمون مع أنفسهم لأن علاقتهم بالغرب علاقة نَسَبية.
هذا يتعلق بالروم فما بالك بدولة إسلامية تحكم بشريعة الله وقد تكون لديها اجتهادات في تنزيل بعض الأمور نتيجة واقعهم الذي نجهل عنه الكثير والذي يخالف واقعنا وترفع راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أليست من مصلحة المسلمين انتصرا طالبان وتنظيم القاعدة على الكفر.
فلتعلم الحركات الديمقراطية التي ترفع شعار الإسلام أن خط الدفاع الأول عن الإسلام وتوابثه هو هؤلاء الجماهير من أمثال بن لادن وإخوانه وطالبان ومن على شاكلتهم وأن القضاء على مثل هؤلاء ليس في مصلحتهم لأنه سيتم التهامهم بسرعة وبأكثر مما يتصورون..
ثالثا: نتائجه الأولية
إن الصراع الدائر في أفغانستان المسلمة ساهم في إفراز النتائج التالية:
• أن الصراع الحقيقي الدائر هو بين الشرعية الإسلامية والشرعية الدولية الجاهلية
• أصبح الإسلام الجهادي كمحرك وقضية يقاتل من أجلها
• أن العناصر الفاعلة والحية في الساحة الدولية الجديدة هما: التنظيمات الجهادية والنظام الدولي الكافر أما الآخرون فهم مجرد أموات تأخر دفنهم.
• وأن المستهدف في الصراع هو ثقافة الجهاد والاستشهاد لأنها عنصر قوة لدى المستضعفين وسلاحهم ضد المستكبرين والمجرمين كما أنها عنصر ضعف لدى الآخر لأنها تساهم في إحداث ما يمكن أن نصطلح عليه بتوازن الألم الذي يولد بدوره الرعب والخوف لقوله تعالى:(إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ )[النساء:104].
والدليل هو كم كلف ابن لادن الولايات المتحدة الأمريكية من مال ونفس وفكر...
• خلخلة البنية الفكرية التي تأسس عليها النظام الدولي: تحرير الاقتصاد، العولمة.. صارع التوازنات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.. مما أدى إلى إحداث انقلاب في الفكر الاستراتيجي وأسس في المقابل لطرح جديد فكره الاستراتيجي يقوم على العقيدة في مواجهة القوة وأسلوب الجهاد في مواجهة استكبار المجرمين.
• لم تعد الاتفاقيات الأمنية مع الدول كافية في ظل التكنولوجية المتطورة وإرادة المجاهدين.
• أصبح ابن لادن فكرة وقضية ساهم الإعلام الأمريكي في نشرها لكن ذلك تم تحت مشيئة الله وتدبيره كقوله تعالى:(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)[الانسان:30] وقوله تعالى:(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين)[الأنفال: 30]
فجعله الله سببا في إظهار الدين وإسلام الكثير من الناس وحجة على بعضهم، أن ابن لادن انتصر أولا على نفسه وهواه بتركه لحياة الترف فاستحق انتصاره على أمريكا وهذا الأمر يجب أن لا نغفل عنه.
• عبَّر تنظيم القاعدة بزعامة الشيخ أسامة ابن لادن بالعمل عما لم تستطع التعبير عنه الشعوب المقهورة بالقول.
• المسلم في الواقع المعاصر أصبح قادراً على تحويل غضبه الإسلامي إلى فعل ملموس يؤلم الآخر ويحدث له أضراراً بالغة إن هو تمسك بعقيدة التوحيد وثقافة الجهاد والاستشهاد.
رابعا: مهمتنا الراهنة
يمكن إجمال مهمتنا الراهنة في النقاط التالية:
• الاعتصام بالله سبحانه وتعالى ودعوة الناس إلى توحيد الله لأنه لن يكبر علينا شيء كيف ما كان نوعه ما دام شعارنا الله أكبر.
• الإقبال على كتاب الله سيعلمنا التفكير والتدبر وسيرسخ لدينا المبادئ ويوضح لنا المفاهيم وكيفية النفاد إلى فقه الأحداث لاتخاذ المواقف السليمة والصحيحة.
• الاستمساك بالثوابت عندما تتعقد الظروف السياسية ويختلط الحابل بالنابل وعلى ضوئها نقرأ الأحداث ونحدد المواقف.
• أن نعلم الناس وبالممارسة أن طبيعة الصراع يستمر أجيالا وأجيال ولا يحب أن ننظر إليها على أساس أنها معركة واحدة بين ابن لادن وأمريكا وتنتهي بهزيمة أحد الطرفين لكن لن تنتهي هذه المعارك إلا بعد فناء طرف لحساب آخر لأنه صراع وجود وهو مداولة بين الطرفين الإيمان والكفر تمثل ذلك في ابن لادن وبوش أو غيرهما
• الرفض المبدئي لعقلية الهزيمة التي تستند إلى ما يصطلح عليه بفقه الضرورة أو فقه الطوارئ الخاضع للتوازنات الدولية والإقليمية والمحلية وهذا يستوجب التمسك بالثوابت مع العمل على تحرير إرادة المسلمين من أسر وسلطة الضرورة المتهمة وذلك باستشراف مستقبل التمكين للإسلام والعزة للمؤمنين.
• تحريض المؤمنين للحد من ظاهرة التدجين أو تبطيئه، والتحريض ما هو إلا تذكير بوعد الله لمن يصدق النية في العمل والجهاد لهذا الدين إما الشهادة أو النصر بإذن الله.
• العمل على إبقاء جذوة الإيمان والجهاد مستمرة حتى تتهيأ ظروفها المناسبة.
• يجب ألا نترك العدو يحدد لنا موقعنا في الساحة الدولية وفق خططه واستراتيجيته أي يجب ألا نصبح موضوعاً له بل طرفا منافسا يعمل بجد ويحاول موقعة نفسه من خلال خططه واستراتيجيته وهذا لن يتأتى إلا بامتلاك الوعي والقدرة والإرادة المصممة بعد توفيق الله لنا .
• التعامل مع الإعلام كجهاز حرب للعدو لكي لا نقع في مخططاته..
• تعبئة العلاقات بما سبق ذكره.
• ونختم مقالنا بقوله تعالى في أواخر سورة القصص:
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِي)مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[القصص:88].