هل يستطيع العراق أن يجهض العدوان الأمريكي؟

 

بقلم : د. خالد عبدالله

 

ما بين إجهاض العدوان الأمريكي على العراق ودحره مسافة زمنية قصيرة، لكنها عميقة الغور في تكاليفها المادية وفي خسائرها البشرية. وإذا كان من الواجب إعداد العدة وتهيئة البلاد لصد العدوان، فإنه من أعظم الفروض دفع الحرب، والاستظهار على ممتطي نيرانها بالحكمة وبعد النظر. وحين التدبر في منطلقات الحرب التي تهيج لهابها الولايات المتحدة يستبين أن مركز قوتها هو موضع ضعفها في آن. فالولايات المتحدة تفتقر إلى حماس الحلفاء ودعمهم، وتثير تخوف المخالفين ونقمتهم. لكن الفريقين على مخالفتهما سبيل الحرب كنهج لحل الخلافات، إلا أنهما يلتقيان مع مطالب الولايات المتحدة في عودة المفتشين. فالأخيرة تبني قضيتها على امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وتصر على أنه أعاد بناء قدراته في غياب التفتيش. وهي حجة واهية متداعية، غير أن البلدان الكبيرة ترى مع ذلك ضرورة عودة المفتشين.

 فهذا هو مركز القوة في الموقف الأمريكي، أن جميع البلدان المؤثرة تتبنى ضرورة عودة المفتشين، والولايات المتحدة تجعل من هذه الرؤية مدرجة لها وسلما لارتقاء شعاب الرأي العام الأمريكي. فالأصوات المختلفة التي تنادي بعودة المفتشين، حتى وإن اختلفت مع الرؤية الأمريكية في طريقة حل الخلاف، تبرزها الحكومة الأمريكية لشعبها على أنها دعم لمقولتها بوجود خطر عراقي، وبكون العراق لا يلتزم بالقرارات الدولية. غير أنها تصور التباين في طريقة العلاج على أنه انعكاس لمقدار المسؤولية ولحجم الخطر المحدق بالبلدان. فهي تتذرع بأن كونها الدولة الأولى في العالم يفرض عليها تبعات أكثر، ولأنها كذلك فإن حجم الخطر على أمنها وعلى مصالحها من العراق أعظم منه على مصالح البلدان الأخرى. ومع أن هذه المحاجة زائفة، لكنها سلاح الولايات المتحدة في إعداد رأيها العام لقبول عدوانها وتأييده.

فإجهاض العدوان الأمريكي تتوافر أسبابه. ولذا لا بد من التصويب نحو مركز القوة في المنطلقات الأمريكية. ولقد أصاب فون سبونك، الرجل الذي كان مسؤولا عن برنامج الغذاء مقابل النفط حينما قال ( إنه من الصائب أن يغتنم العراقيون الفرصة ويفتحوا أبوابهم بدون تأخير لفترة محدودة لمفتشي السلاح). حينذاك ستسقط الركيزة الأساسية لمزاعم الحكومة الأمريكية. لكن، ما الذي يعنيه ذلك؟ أولا، أن الأصوات المطالبة العراق بعودة المفتشين ستخرس أو سترضى. وسيتحول النقاش كليا إلى كشف الأغراض الحقيقية للعدوان الأمريكي. فكثير من الغربيين وغيرهم لا يستطيعون، حتى حينما يعلمون كذب الأمريكان أو ضعف حجتهم، إلا مجاراتهم. لكن حينما تغيب الحجة تماما، فسيكونون في وضع أقوى في مقارعة سياسة الولايات المتحدة. وقد يقول قائل أن الأمريكان سيلجئون إلى الحجة الأخرى، في كون النظام العراقي استبدادي ولا بد من تغييره. هذه الحجة لها قوتها في وجود الزعم الأساسي، وهو أن العراق يطور أسلحة الدمار الشامل، ولأنه معاد للولايات المتحدة فقد يزود الإرهابيين بها. أما وحدها فهي عارية لن يعتد بها في وسط الرأي العام الدولي، بل ستثير مقاومة لأنها بمثابة إصدار فتوى باستباحة سيادة العشرات من البلدان. كما أن هذه الحجة ستجد معارضة قوية داخل الولايات المتحدة.

صحيح أن قادة الولايات المتحدة لا يأبهون لبلدان العالم قاطبة حينما يخططون لعدوانهم. ومع ذلك، فتأثير الرأي العام الدولي قوي على صنع القرار الأمريكي بشكل غير مباشر. فالنخبة الأمريكية مجموعة من القوى الاقتصادية والسياسية التي تتفق على مصالح مشتركة أساسية، لكن لكل واحدة منها مصالحها الخاصة بها. وحينما يشتد الاعتراض وتتصاعد النقمة والانتقاد في بلدان العالم ضد السياسات الأمريكية، تخاف هذه القوى، بدرجات متفاوتة، على مصالحها من الضرر من جراء اتباع سياسة معينة. عندئذ ستضع ثقلها كي لا تقر تلك السياسة أو لتعديل أسسها. فعودة المفتشين ستضاعف من الضغوط الخارجية على القوى الداخلية، وستغير من موازين الحجج وثقل الأعذار.

والمتتبع للنقاش الجاري داخل الولايات المتحدة، يكتشف أن هناك تخوفا حقيقيا من الآثار الاقتصادية للحرب. فالاقتصاد الأمريكي في حالة كساد. ومؤشرات الربع الثاني من هذه السنة أبانت عن انخفاض كبير في معدل النمو، قد يكون إرهاصا لكساد مزدوج، أي أن الكساد الحالي الذي يحاول الاقتصاد الأمريكي الخروج منه قد يغط في كساد أخر. والحرب لها كلفة ذات رؤوس مختلفة. فهناك الكلفة المباشرة لخوض الحرب، وهناك الكلفة المترتبة على تخوف المستثمرين وإحجامهم عن الاستثمار، وهناك كلفة ارتفاع أسعار النفط، التي أدت في حرب الخليج الثانية إلى كساد اقتصادي في الولايات المتحدة. فهذه كلها قد تزهق محاولات الخروج من الكساد الحالي وتعجل دخول الكساد المزدوج. وما معنى ذلك؟ أن الحكومة الأمريكية لن تتمكن من تغطية العجز الذي بدأ يظهر في موازنتها، كما أنها ستضطر لنهج أحد سبيلين لمنع استفحاله. الأول، عدم إحداث مصروفات حربية جديدة بعدم خوض الحرب، أو تحميلها للآخرين، أو تخفيض نفقات برامجها الاجتماعية.

ويثور السؤال، كيف ستؤثر عودة المفتشين من عدمها على هذا الموضوع؟ نعرف أن من طبيعة الشعوب أن تتقبل راضية تكاليف الحرب إن رأتها مبررة  تدفع عنها الخطر والأذى. والحكومة الأمريكية باتت ترهق ضمائر مواطنيها بالخطر المحدق بها من دول مثل العراق. وفي هذه الحالة فإن نجاحها في حشد التأييد الشعبي، أو على الأقل السكوت على حربها، قد يسهل لها تحميل الطبقات المتوسطة والفقيرة كلف عدوانها. كما أنها تستطيع أن تبتز دولا أخرى للمساهمة في نفقات حربها بحجة أنها تحارب خطرا يهدد الجميع. لكن حين تغيب الحجة بوجود خطر، ويصرخ الناس جميعا أن الملك عار، فإن قدرتها على خداع مجتمعها، وابتزاز الدول الأخرى تصبح ضعيفة للغاية.

كما سيقود ذلك إلى أن تقف مجموعات اقتصادية من النخبة في وجه مثل هذه السياسة، لإدراكها أن في غياب الذريعة المقنعة، حتى وإن كانت زائفة، فإن خوض الحرب سيؤدي إلى مشاكل اجتماعية داخل الولايات المتحدة، وإلى مناخ سياسي عالمي معاد للولايات المتحدة يؤثر على مصالحها. بل إن هذا سيجعل بوش يفكر كثيرا قبل خوض الحرب حتى لا تتكرر تجربة والده، حينما نجح في الحرب وخسر النمو الاقتصادي الذي تسبب في خسرانه لانتخابات التجديد. بل هذه المرة الصورة أكثر قتوما لأن الاقتصاد الأمريكي في حالة كساد فعلي.

ولقد نقلت الأخبار أن العراق يسير في هذا الطريق، إذ دعا الأمين العام للأمم المتحدة كي يرسل رئيس لجنة التفتيش وفريق خبرائها إلى بغداد للتحادث معهم. ولا بد من الحذر حين التعامل مع الأمم المتحدة لأنها أصبحت أداة طيعة في يد الولايات المتحدة. ولذلك فإن الخشية أن تستخدمها لأن تظهر أن العراق يماطل كما كان يفعل حينما كانت فرق التفتيش في العراق، وتمارس لعبة إظهار أن العراق لا يتعاون إلا بمقدار الضغط عليه. ولذلك، فقد يكون في هذه المرحلة تسليط الاهتمام على الجانب الاستراتيجي، وتجنب الأساليب التكتيكية التي تقصد الحصول على تنازلات من الأمم المتحدة هنا وهناك. فإذا كانت هناك قناعة بضرورة فتح الأبواب أمام فرق التفتيش فليكن القرار حاسما وسريعا. لأن الولايات المتحدة تتمنى حصول الأخذ والرد ذلك حتى تمضي في استعداداتها. وحينما تكون الولايات المتحدة قد أكملت عدتها، فإن القرار في اللحظة الأخيرة لن يمنع العدوان، لأن حشد الجيوش وبالذات من دولة كالولايات المتحدة له منطقه الذي يدفعها للفعل. كما أن قرار اللحظة الأخيرة سيضعف آثاره المطلوبة. هذا آوانه.

وقد يكون من الحكمة أيضا، أن يستصحب فتح الأبواب لعودة المفتشين، فتح الأبواب لوفود عالمية حتى تزور ما تشاء من الأماكن، فهي لن ترى أكثر مما تراه أجهزة المخابرات الأمريكية والأخرى المتعاونة معها من البلدان العربية وغيرها. وأن يقترن ذلك بمناخ سياسي منفتح تكون بدايته إطلاق سراح السجناء السياسيين، وتفعيل دور الأحزاب، وتحرير الصحافة من القيود المفروضة عليها. فهذه الأمور مطلوبة لذاتها، لا لذرائعيتها، لأنها جوهر مبادئ عقيدتنا التي تقوم على الحرية بأشمل معانيها، وأعمق دلالاتها. وليحم الله العراق، وليبقه موحدا قويا، جوهرة أمتنا الكريمة.