كلمة الأستاذ محمد نزال عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" التي ألقاها في مهرجان " الشهادة والاستشهاد " الذي أقامته الحركة في قاعة الجنان -  بيروت، مساء يوم الجمعة 2 آب 2002

الشهادة والاستشهاد

 

لا أدري، أهي من الموافقات أم من المفارقات، أن يكون شهر تموز خلال انتفاضة الأقصى، موعداً لاستشهاد القادة العظام، وخيرة الخيرة من أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا المجيدة . ففي الخامس والعشرين من شهر تموز عام 2001م، ارتقى إلى العلا شهيداً بإذن الله القائد صلاح الدين دروزة في عملية اغتيال استهدفته بصاروخ انطلق من طائرة " الأباتشي " ليحول جسده إلى أشلاء . وفي الحادي والثلاثين من الشهر نفسه، التحقت به كوكبة مميزة من إخوانه وزملائه ورفاق دربه : جمال منصور، وجمال سليم وأربعـة من الكـوادر والمساعديـن ( عمر منصور، عثمان قطناني، محمد البيشاوي، فهيم دوابشة )، إضافة إلى طفلين شقيقين كان قدرهما أن يكونا بقرب المكان الذي استهدف وهما بلال وأشرف أبو خضرة .

 

وفي اليوم الثاني والعشرين من شهر تموز عام 2002 م، شهد " حي الدرج " في مدينة غزة الباسلة مجزرة مروّعة عجن فيها اللحم الفلسطيني الحي بالتراب، وذهب ضحيتها ثمانية عشر شخصاً، كان في مقدمتهم القائد الكبير صلاح شحادة ومساعده زاهر نصار .

 

وهكذا مضى هؤلاء القادة العظام، ولكن أحلامنا لم تمض ... ظلت تحوم مع أرواحهم التي ما فارقت دنيانا .. أرواحهم الأصيلة التي تظل عنوان الصمود إذا ما أجدبت القلوب، وجفّت الضمائر.. تظل لجاماً لكل الجياد الباحثة عن خطوات فوارسها في الدروب العتيقة .. تظل قناديلاً يحرق بها الأطفال كل وثائق الاستسلام.

  

إننا إذ نحي ذكرى هؤلاء الشهداء العظام، فإنّما نجدد البيعة معهم، فأيام شهادتهم هي أيام البيعة، التي اختتموا فيها سنين جهادهم وكفاحهم وصبرهم .. صار موتهم عرساً ... انتقلوا من عتمة الزنازين التي عاشوا فيها ردحاً من الزمان إلى معراج الشهادة ... فسلام عليكم أيها الشهداء .. سلام على من رحلوا معكم وقبلكم وبعدكم، وعلى كل الشهداء إلى يوم يبعثون .

 

أيها الاخوة والأخوات :

   عندما وقعت مجزرة نابلس، انطلقت الوعود بالانتقام من التلاميذ والمريدين .. وعندما وقعت مجزرة غزة، انطلقت الوعود كذلك، والتي كان ملخصها : إن الرد قادم .. كيف لا وعلى هذه الأرض شعب عظيم لا يخون دم شهدائه ... فجاء الرد عاجلاً، وبأسرع مما يتوقع أحد . فبعد المجزرة الأولى، جاء الرد بعد تسعة أيام فقط، حيث كانت العملية البطولية في القدس التي نفذّها الاستشهادي عز الدين المصري . وبعد مجزرة غزة، جاء الرد بعد ثمانية أيام فقط بالعملية النوعية في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة .

 

وهكذا تجاوز أبطال كتائب القسام كل الحراسات والحواجز، وحوّلوا أجسادهم إلى أشلاء تحرق المحتل، وتقول له : هيهات هيهات أن تغمضوا جفونكم بعد اليوم .. هيهات أن ينعم قطعان مستوطنيكم بالأمان، فقد ظنّوا أن العرين خلا برحيل القادة العظام، وحسبوا أن شمل الكتائب قد تفرّق، وغاب عنهم بأن الأسود التي أقسمت أن ترد الصاع صاعين لا زالت كعهد أول المجاهدين بها .

 

إن هذه العمليات هي رسالة بأن تظل رايات الفداء مشرعة في فضاء الأرض المباركة، وبأن فقدان فارس من طراز الشيخ صلاح شحادة، سيُخرِج من تحت الركام ألف فارس، وأن الأرض والسماء ستتزيّن بمليون عز الدين، ويؤدي قسم الانتقام كل صلاح قادم من رحم فلسطين الشهادة .. وتهتف الجموع التي خرجت لوداع القائد والراحلين معه أن لا رجوع بعد اليوم . وهل يمكن "لحي الدرج" بعد اليوم، إلا أن يُخرّج الآلاف من الجنود الذين يؤدون تحية الانضباط، ويمضون خلف القائد ثائرين .. كبحر غزة الذي ما هدأ في أعماقه الموج يوماً !

إن هذه العمليات هي رسالة بأن هذه الأرض المقدسة حُبلى بالقوافل التي تنتظر لحظة الميلاد لتنتصب أطواداً شامخة تحفظ العهد، وتحمل التراب المقدس، تحميه بضلوعها، وتدثره بحبّات العيون، ودفء فؤادها الجياش بالحنين.

أي دم رائع هذا الذي يسيل على ثرى الأرض المباركة، فيكسر الجبروت والغطرسة والأباتشي، ويهشم غرور القوة " الشارونية " ؟ !

 

أي دم رائع هذا الذي يدوس أحلام الغزاة ويحوّل فرحتهم بدمنا إلى صراخ وبكاء وعويل ؟

أي دم رائع هذا الذي يبشّر بالتواصل ما بين دم الشهداء من أولهم إلى آخرهم، وليس لنهر الشهداء آخر، فهو الدم لا يضيع أبداً بل يسافر في شقوق الأرض لينبت المزيد من الفرح والانتصارات ؟

هذا الدم هو شاهد المرحلة، والرائد الذي لا يكذب أهله، فمن سار على دربه وصل، ومن خذله فلن يحصد غير الهزيمة أيا كان اسمهما في قاموس " الواقعية " السياسية !

 

أيها الاخوة والأخوات :

وبعد عملية " الجامعة العبرية " قبل يومين، انطلقت – كما العادة _ بعض الأصوات من بني جلدتنا التي تطالب الشعب الفلسطيني بأن يدير خده الأيسر         ل " الكف " الصهيوني بحجة تفويت الفرصة على شارون وزبانيته، لأنه اختار توقيت هذه العملية بعد تقارير كانت تتحدث عن إمكانية تعليق العمليات الاستشهادية أو    وقفها . فنقول لهؤلاء الذين دأبوا على إطلاق نصائحهم ومواعظهم بأن يتوقفوا عن ذلك، لأن طريق التحرير ظل على مدار التاريخ مرصوفاً بأجساد الشهداء وأن تضحيات الشعوب هي التي تقرّر مآلاتهم، وهي وحدها تدفع المستعمر إلى البحث عن أطواق النجاة .

 

إن مجزرة بشعة كمجزرة غزة، التي ألقت فيها طائرات ال " ف 16 " قنبلة تزن طناً على بناية سكنية، لا يمكن لشعب حيّ يحترم نفسه وكرامته أن يسكت أو يتجاوز عنها . ولا بد لشارون وزبانيته أن يعلموا أن الدم الصهيوني ليس أغلى من الدم الفلسطيني .

 

إن محاولة إعطاء تفسيرات سياسية لهذه المجزرة، إنما هي محاولات تخرج عن جادة الصواب، فهذه المجزرة تأتي في سياق استراتجية القتل والإرهاب والرعب التي يمارسها الكيان الصهيوني، فهل يمكن أن ننسى مذبحة مدرسة " بحر البقر"في مصر ؟!.. وهل يمكن أن ننسى مذبحة "قانا" ومذبحة " صبرا وشاتيلا " هنا في لبنان ؟!

 

إننا في ذكرى هؤلاء الشهداء الأبطال ، نؤكد لكم أن حركة حماس ستبقى على العهد بإذن الله ، وأن المقاومة هي خط استراتيجي ، وأن العمليات الاستشهادية التي هي جزء منها ، ستستمر بعون الله وتوفيقه ، رغما عن كل المشككين فيها ، فهي السلاح الفاعل والرادع ، الذي يمكن للمقاومة استخدامه متى شاءت ، وهو الذي يثخن في العدو ويوقع في صفوفه أكبر عدد من القتلى . وأما ذرف الدموع ، ولطم الخدود، وشق الجيوب ، على ما يسمى بـ"المدنيين" الصهاينة فهي خدعة كبرى ، يتم التلويح بها لوقف المقاومة ، لأن الذين يعارضون قتل المدنيين من حيث المبدأ لا يمكن لهم القبول بقتل المدنيين الفلسطينيين . ولعلّكم تابعتم الإدانات الأمريكية "الخجولة" التي صدرت بعد مذبحة غزة الأخيرة ، وكيف تم التلاعب بالألفاظ والمصطلحات من نحو "الإفراط في استخدام القوة" وكأنّ الأصل هو حق استعمالها ؟!  إنها المعايير المزدوجة التي تمارسها الإدارة الأمريكية ، ولم تتوقف عندها، بل لحقتها الأمم المتحدة ، التي غدت مؤسسة تابعة لها، وليست منظمة دولية تتحرّى العدل وتقصده . ولعلّ تقريرها الأخير عن مجزرة جنين خير دليل على ذلك ، فقد برأ التقرير ساحة الكيان الصهيوني ، بل ساوى بين الضحية والجلاد .

 

وأما الحديث عن التوقيت السياسي للعمليات ، الذي يتم الإشارة إليه بعد كل   عملية ،  فإنه " فزاعة " يتم إشهارها في وجوهنا في كل مرة ، فعندما نفذّت العمليات حينما كان شيمون بيريز رئيسا لوزراء الكيان الصهيوني ، قالوا : إن التوقيت لم يكن مناسبا، لأن تلك العمليات خدمت خصومه وأتت ببنيامين نتنياهو .

 

وعندما جاء نتنياهو إلى الحكم ، كان يقال لنا : إن العمليات تخدم سياسة نتنياهو المتطرفة. وبعد قدوم باراك الذي هلّل لقدومه بعض الفلسطينيين والعرب ، وكادوا أن يخرجوا إلى الشوارع في مسيرات تعبّر عن فرحتهم، كانوا يقولون لنا: إياكم والعمليات ، فهي ستأتي بشارون . وأخيرا ، وليس آخراً، عندما جاء شارون ، عادوا لنغمة : "إن العمليات تخدم شارون". 

 

إنه أمر محيّر وعجيب ، فمتى تصبح العمليات مناسبة إذن ؟ .. إننا بكل صراحة لسنا معنيون بمن يكون في سدة الحكم في الكيان الصهيوني ، فكلّهم يتسابقون على ذبح وقتل أبناء شعبنا . فمجزرة "قانا" – على سبيل المثال لا الحصر – كانت في عهد  "حمامة السلام" شمعون بيريز. وعملية اغتيال قادة فتح والمنظمة هنا في فردان ببيروت عام 1973 أشرف على تنفيذها إيهود باراك بنفسه، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا مجال لذكرها .

 

أيها الأخوة والأخوات :

في هذا الوقت العصيب ، الذي تقود فيه الولايات المتحدة الأمريكية الحملة على ما يسمى بـ"الإرهاب" ، فتضع فصائل المقاومة من حماس والجهاد وحزب الله على قوائم الإرهاب ، وتصنّف الدول ضمن محور الشر ومحور الخير، ويكون " العراق " على رأس دول محور الشر، في حين يتم تجاهل الكيان الصهيوني، الذي يمارس" إرهاب " الدولة . في هذا الوقت ينبغي على الأمة بجميع قواها الحيّة والفاعلة، أن تتضامن لتقف في مواجهة هذه الحملة، التي يراد من خلالها إخضاع الأمة وكسر شوكتها، متمثّلة بفصائل المقاومة، أو بالدول التي لا تخضع لسياسات الولايات المتحدة واملاءاتها .

إننا إذ نستحضر ذكرى الشهداء، فإننا نستلهم منهم عناوين الصمود والمقاومة والصبر، ونتذكر قول الله سبحانه وتعالى : " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً" 

رحم الله الشهداء رحمة واسعة،وتقبلهم في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً .

 

تحية إجلال وإكبار لشهداء الشعب الفلسطيني وشهداء الأمة .

تحية إجلال وإكبار للأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الصهيوني .

تحية إجلال وإكبار لكل فصائل المقاومة والانتفاضة .

تحية إجلال وإكبار للمقاومة الإسلامية في لبنان التي دحرت الاحتلال .

 

وإنه لجهاد .. نصر أو استشهاد